في يوليو (تموز) 2019، صدر التقرير السنوي لمنظمة «Global Witness» عن الانتهاكات التي يعاني منها المدافعون عن البيئة، ويشير التقرير إلى أن وتيرة القتل قد ازدادت لنشطاء البيئة عام 2018م، بمعدل ثلاثة أشخاص كل أسبوع؛ هذا إلى جانب قمع عددٍ غير محدود من النشطاء لدفاعهم عن الأرض والبيئة؛ إذ تسعى بعض الحكومات إلى جانب بعض رجال الأعمال المسيطرين على الصناعات المدمرة للبيئة – لاعتمادهم على التعدين وقطع الأشجار- إلى إخراس هؤلاء ممن يدافعون عن الأرض؛ وذلك عن طريق التهديد، أو الاعتقال، أو حتى القتل. فما هي الدول الخمس الأكثر قمعًا لنشطاءِ البيئة؟

 

1. الفلبين.. وعود الرئيس الانتخابية طارت في الهواء

تحتل الفلبين مركز الصدارة هذا العام، بالنسبة إلى قمع المدافعين عن البيئة؛ إذ وصل عدد القتلى خلال عام 2018م إلى 30، بحسب تقرير منظمة «Global Witness»، وهو أكبر عددٍ للقتلى من نشطاء البيئة على مستوى العالم، ويشير التقرير إلى أن رئيس الفلبين الحالي رودريغو دوتيرتي، على الرغم من وعوده الانتخابية بحماية البيئة والمجتمعات الريفية ومعالجة الفساد، فإن حكومته قد تركت المدافعين عن البيئة تحت رحمة جشع الشركات.

كانت ثلث الوفيات تقع في جزيرة مينداناو، وهي جزيرة ضمن خطط إدارة دوتيرتي؛ إذ أُعلن عن تخصيص أكثر من 1.6 مليون هكتار من الأراضي، للصناعات الزراعية؛ وقد كانت الصناعات الزراعية مسؤولة عن أغلب الوفيات من النشطاء البيئيين. وتقود شركات التعدين والصناعات الزراعية من المسؤولين عن قطع الأشجار والفحم في الفلبين، هجمات شرسة ضد نشطاء البيئة، وقد أكدت التحقيقات تورط علامات تجارية في هجمات مرتبطة بقتل النشطاء.

(تقرير عن مقتل 33 ناشطًا بيئيًّا في الفلبين خلال عام 2015م)

في 1 يوليو عام 2016، أي بعد يومٍ واحد من تولي دوتيرتي منصب الرئاسة؛ قتلت الناشطة المدافعة عن حقوق البيئة غلوريا كابيتان؛ لتصبح الفلبين بذلك واحدة من أكثر الدول خطرًا على تظاهرات حماية الأرض.

كانت غلوريا وعلى مدار عامٍ كاملٍ تحتج على الكلفة البشرية المدمرة التي يدفعونها في محافظة باتان، مقابل التعدين على الفحم. وقد دفعت حياتها مقابلًا لهذه الاحتجاجات؛ إذ أطلق عليها ثلاث رصاصات رجل مارٌّ بدراجته النارية. كان أحفاد غلوريا شهودًا على مقتلها. كانت تقول إنها تفعل ذلك من أجل أحفادها، حتى لا يعانوا: «لن أصمت ما لم تقفل عيوني إلى الأبد، فالموت وحده هو ما سيمنعني عن القيام بأي شيء»، وقد كان.

2. كولومبيا.. الأكثر قمعًا في أمريكا اللاتينية

احتلت كولومبيا في التقرير الصادر عن «Global Witness» المركز الثاني على مستوى العالم في قمع المدافعين عن البيئة؛ إذ وصل عدد القتلى إلى 24 قتيلًا من نشطاء البيئة، لتصل بذلك إلى أعلى عدد قتلى بهذا الخصوص في أمريكا اللاتينية كلها خلال عام 2018. وقد أثار هذا التقرير عن كولومبيا عدة مخاوف على المستوى الدولي.

يشير التقرير إلى أن حدة النزاعات على الأراضي والتعدين في الآونة الأخيرة قد تزايدت في مقاطعة كاوكا الواقعة جنوب غرب كولومبيا؛ إذ أصبحت الأراضي مرتعًا للعصابات الإجرامية والمجموعات المسلحة، والمنشقين من القوات المسلحة الثورية الكولومبية، مما نتج منه اندلاع مجموعة من الاحتجاجات الوطنية ضد حكومة الرئيس اليميني إيفان دوكي. وقد كان قتل العديد من المدافعين عن البيئة واحدًا من أسباب تلك الاحتجاجات.

(تقرير عن مقتل نشطاء البيئة في كولومبيا عام 2016)

في كولومبيا، يتعامل نشطاء البيئة مع العديد من المشكلات التي تجعلهم دائمًا في مواجهة مع الصناعات المسيطرة على القوة الاقتصادية في البلاد؛ إذ يدافع المحتجون عن المجتمعات المتضررة من بناء السدود؛ مثل أزمة «سد إتوانجو» والذي يعد أكبر سد كهرومائي تحت الإنشاء. وقد كان الفساد المرتبط ببناء السد مسؤولًا عن تشريد مئات العائلات نتيجة للفيضان والأمطار الغزيرة وتعريض حياة أكثر من 120 ألف مواطن للخطر إثر احتمالية انهياره.

يقول الناشط البيئي زوليتا إن من يواجهون تلك المشروعات الضخمة في كولومبيا لا يملكون سوى المقاومة؛ لأن البديل الآخر هو التلوث، والنزوح، والمعاناة الدائمة من احتمالية انهيار السد.

الكوكب في خطر.. 12 خطوة بسيطة قد تساعد في عدم إضرارك بالبيئة

3. الهند.. مذبحة «تاميل نادو» ما تزال حاضرة

على الرغم من أن الهند في تقرير عام 2017 كانت تحتل المركز الرابع في قمع المدافعين عن البيئة، فإنها هذا العام تحتل المركز الثالث بعد كولومبيا والفلبين؛ إذ وصل عدد القتلى من النشطاء البيئيين إلى 23 شخصًا في 2018، بينهم 13 فردًا كانوا ضحية مذبحة تاميل نادو.

تاميل نادو هي ولاية في جنوب الهند، تشتهر بمنجمٍ للنحاس. وقد كان نشطاء البيئة في الهند يحتجون على الآثار الضارة الناجمة عن مصنع صهر النحاس المملوك لشركة «ستيرلايت كوبر» على البيئة؛ إذ يعاني السكان من تلوث الهواء ومياه الصيد في الولاية، مما يهدد معيشة هؤلاء ممن يقتاتون على الصيد.

(تقرير عن مذبحة تاميل نادو)

في مايو (أيار) 2018، أطلقت قوات الشرطة النار على المتظاهرين المحتجين على مصنع صهر النحاس في تاميل نادو، مما أسفر عن مقتل 13 شخصًا وإصابة 100. وقد زعمت الشرطة الهندية أن استخدام الذخيرة الحية قد جاء ردًّا على استخدام المتظاهرين للحجارة، وإضرامهم النار في السيارات، في حين أشار نشطاء المجتمع المدني إلى أن الشرطة فشلت في اتباع الإجراءات المتبعة للسيطرة على الحشود.

4. البرازيل.. التصدي بشراسة للمدافعين عن رئة الأرض!

اعتادت البرازيل على أن تكون في موقع الصدارة فيما يتعلق بقمع متظاهري البيئة في السنوات السابقة؛ إذ احتلت المركز الأول في تقرير «جلوبال ويتنس» الصادر عام 2017، بواقع 57 قتيلًا من المدافعين عن الأرض خلال عام 2016. وعلى الرغم من أن عدد القتلى قد قلَّ تدريجيًّا خلال العامين السابقين، لتحتل البرازيل هذا العام المركز الرابع؛ إذ وصل عدد قتلى الدفاع عن البيئة إلى 20 فقط خلال عام 2018؛ إلا أن الدولة اللاتينية ما تزال واحدة من أخطر الدول بالنسبة إلى المدافعين عن البيئة.

 كانت البرازيل في السنوات السابقة تتصدى بشراسة للمدافعين عن البيئة في منطقة غابات الأمازون المطيرة؛ إذ تعد تلك المنطقة هدفًا للكثير من الصناعات الزراعية التي تعتمد على الأخشاب، عن طريق قطع الأشجار من الغابات التي تعد رئة هذا الكوكب. في عام 2017، رفض القرويون السماح لقاطعي الأشجار بالمرور عبر أراضيهم، وعندما وصلت الشرطة بعد مرور 24 ساعة، عثر رجالها على تسع جثث لرجالٍ أصيبوا بطلقاتٍ نارية، أو قطعت حلوقهم. أغلب القتلى كانت أجسامهم مليئة بآثار التعذيب.

(البرازيل أخطر دولة للمدافعين عن البيئة في 2016)

خلال عام 2017 كان الذبح بلا هوادة لنشطاء الأرض؛ إذ كان السكان الأصليون في غابات الأمازون المطيرة يواجهون الاعتداءات من مربي الماشية والمزارعين والحطابين، ممن يسعون للاستيلاء على الأراضي وجعلها مصدرًا للأخشاب، كل هذا نتج منه مجموعة من الاحتجاجات للسكان الأصليين المناهضين لتدمير الأمازون. وقد سُجل أكثر من 80 ألف حريق داخل الغابات خلال العام الحالي فقط بين شهري يناير (كانون الثاني) وأغسطس (آب). وتعد تلك الغابات موطنًا للكثير من القبائل المنعزلة، وهم السكان الأصليون لمنطقة الأمازون.

وفي أغسطس الماضي، وقع المئات من موظفي حماية البيئة في البرازيل على رسالة مفتوحة تحذر من أن الرئيس البرازيلي بولسونارو قد أعاق عملهم؛ وذلك من خلال خفض الميزانية العامة لحماية الغابات المطيرة بنسبة 25%، ويتعرض المناصرون لحقوق البيئة في البرازيل لمواجهات دموية مع المجموعات المستفيدة من التعدين وقطع الأشجار.

5. جواتيمالا.. عدوة نشطاء الأرض

في التقرير التابع لمنظمة «جلوبال ويتنس»، احتلت دولة جواتيمالا المركز الخامس، نسبةً إلى قمع المدافعين عن البيئة في العام الحالي. إذ وصل عدد قتلى الدفاع عن البيئة إلى 16 قتيل خلال عام 2018. ويشير تقرير آخر صادر عن «منظمة العفو الدولية» إلى أن جواتيمالا تعد واحدة من أكثر البلدان خطرًا على ناشطي الأرض؛ وذلك لما يتعرض له المدافعون عن البيئة من تهديداتٍ واعتداءات وحشية ودموية، قد تصل إلى القتل.

(تقرير عن معاناة شعب إنديجينوس في جواتيمالا للدفاع عن البيئة)

في تلك الدولة التي تقع في أمريكا الوسطى بالقربِ من المكسيك، يتعرض نشطاء البيئة إلى تهديدات وحملات تشويه لإجبارهم على السكوت، وقد يصل الأمر إلى مجموعة من المحاكمات الزائفة؛ إذ يدافع النشطاء عن أرضهم ضد إقامة المناجم؛ لما لها من تأثيرٍ مدمر على البيئة والمجتمعات العمرانية القريبة، وقد واجه هؤلاء الأفراد حملات عدوانية من «مافيا» التعدين، إذ اتهمت كبرى شركات التعدين نشطاء حقوق البيئة والإنسان بالإرهاب على صفحات الجرائد القومية، لترسيخ نمط الوصم المجتمعي لمن يدافعون عن الأرض.

هذا إضافة إلى انتشار خطاب الكراهية لدى المسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى، بدايةً من الرئيس الجواتيمالي جيمي موراليس، وصولًا إلى ساحات القضاء المسؤولة عن إصدار القرارات بشأن التعدين والمناجم.

بمعدل 4 جرائم في الأسبوع.. لماذا تقتل العصابات والدول المدافعين عن البيئة؟

المصادر

تحميل المزيد