في حين تتوجه الأنظار نحو منبع ثورات الربيع العربي (تونس)، وما يحدث فيها من انقلاب دستوري حسب وصف المعارضين والمحللين لهذه الإجراءات، يشهد جَنُوب سوريا (درعا)، أو ما يسميها المعارضون هنالك بمهد الثورة غليانًا في الشارع، بعد أنّ أصرت قوات النظام السوري على إخضاع المنطقة بكاملها لسيطرتها ونشر قواتها بداخلها.

فبعد أن توصل نظام بشار الأسد برعاية روسيا إلى اتفاق مع اللجنة المحلية الممثلة لأحياء «درعا البلد»، يدخل الجَنُوب السوري مرحلة جديدة، وجدير بالذكر هنا ما تمثله درعا في سوريا لما لها من رمزية متعلقة بالثورة السورية.

وعلى أثر حصار دام ما يقارب الشهرين كان كفيلًا بإجبار من يعيش فيها على القبول بالمطالب التي فٌرضت عليهم، دخلت قوات النظام المدججة بالفرقتين التاسعة والرابعة مناطق درعا البلد التي انطلقت منها المظاهرات الشعبية في مارس (آذار) 2011، وجرت مواجهتها بآلة النظام القمعية، جرت البلاد إلى حرب دامية راح ضحيتها مئات الآلاف، ونزوح أكثر من نصف سكان سوريا.

وقد بدأ النظام السوري أمس حملة عسكرية صباح يوم الخميس الخميس على أحياء «درعا البلد»، إذ قصفت قواته بالمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ المنطقة، وسط مناوشات وحرب بينه وبين ما تبقى من المعارضة، في أجواء أعادت رائحة الحرب لدرعا الهادئة نسبيًا منذ سنوات.

الجنرال الشيشاني يقلب المعادلة

تنقسم الأحياء في مدينة درعا إلى قسمين، الأول يسمى «درعا المحطة»، والثاني «درعا البلد»، خضعت الأولى لسيطرة النظام السوري منذ بدء الاحتجاجات في البلاد عام 2011 وحتى اليوم، في حين سيطرت فصائل المعارضة المسلحة على درعا البلد إلى حين توقيع اتفاق تسوية مع النظام، ورغم ذلك تعد أحياء درعا البلد المنطقة الوحيدة التي لم تتمكن قوات النظام من فرض نفوذها العسكري والأمني فيها حتى بعد توقيع الاتفاق.

في أغسطس (آب) فرضت قوات النظام السوري سيطرتها العسكرية على محافظتي درعا والقنيطرة جنوبي سوريا، ونفّذت اتفاق تسوية مع فصائل المعارضة التي كانت تندرج تحت مسمى «الجيش الحر»، كان أهم شروطها التي ظهرت على الإعلام: الإفراج عن المعتقلين، وانسحاب قوات النظام إلى ثكناته العسكرية، وإلغاء القيود الأمنية على المعارضين، وعودة الموظفين المفصولين، مقابل تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة التي تمتلكها الفصائل، لكن منذ ذلك الحين لم يستقر الوضع الأمني ​​في درعا.

ومنذ ذلك الحين وتسعى أجهزة النظام الأمنية وقواته إلى خلق بلبلة في المنطقة، إذّ تواصلت الاعتقالات التعسفية، بذريعة مطاردة المطلوبين في الخدمة الإلزامية، أو الاعتقالات التي قيل إنّها بسبب دعاوى شخصية استهدفت المعارضين بشكلٍ رئيس، كانت تجري معظمها من خلال مداهمات المنازل، والمكاتب، أو عند نِقَاط التفتيش والشوارع.

هذا السياق من الأحداث ظل مستمرًا حتى نهاية مايو (أيار) 2021، إذ ذهبت في ذلك الوقت اللجنة المركزية في المدينة – وهي لجنة شُكلت بعد اتفاق التسوية مع روسيا من وجهاء محليين وقادة سابقين في فصائل المعارضة لتسيير الأمور المدنية، والتفاوض مع النظام السوري حول الأمور المحلية – إلى اجتماع حضرته الشرطة الروسية، وقادة عسكريون من جيش النظام السوري.

وكان هدف اللجنة منذ ذهابها طرح مقترح بسحب السلاح من المجموعات المحلية التي تتبع للأفرع الأمنية في النظام، وكف يدها عن المدنيين، ولكن المفاجئ في ذلك الحين لأعضاء اللجنة هو تقدم قائد القوات الروسية – الذي عُين جديدًا مسؤولًا عن الشرطة الروسية جنوبي سوريا – الجنرال «أسد الله»، بطلبات لم تستطع اللجنة الرد عليها بشكل مباشر آنذاك.

وكان أسد الله وهو من أصولٍ شيشانية قد طرح على اللجنة تسليم جميع السلاح الفردي لدى الأهالي، وإعادة المؤسسات العسكرية والمدنية التابعة للنظام إلى داخل أحياء البلد، مقابل إخراج المجموعات المحلية من أحياء (المنشية، وسجنة، والجمرك القديم)، والتي يقودها كلٌّ من «وسيم عمر المسالمة» الموالي لإيران وحزب الله، و«مصطفى المسالمة» المعروف بلقب «الكسم»، و«شادي بجبوج» الملقب بـ«العو»، التابعان للأمن العسكري.

وعلى أثر ذلك دخلت درعا منذ مطلع يونيو (حزيران) 2021 في سياق ملتهب بعد أن أقدمت قوات النظام على حصارها بشكل كامل، وقطع الطرق الرئيسة المؤدية إلى أحياء البلد التي تضم «المسجد العمري»، أبرز معلم في الثورة السورية، ومعقل المظاهرات التي نادت بإسقاط النظام، وشكلت مصدر قلق له على مدار 10 أعوام.

الاتفاق لدخول درعا

لم تنجح جميع محاولات التفاوض من قبل اللجنة المركزية، ما حدا بالنظام إلى تعزيزات عسكرية من القطع العسكرية باتجاه «حي السحاري» وحاجز «حميدة الطاهر» على مدخل حي «درعا البلد»، كما رُفعت سواتر ترابية في محيط عدة حواجز عسكرية، أهمها حاجز «غرز» على المدخل الشرقي لحي السد، ودرعا البلد، ومخيم درعا، الذي يربط تلك الأحياء بقرى وبلدات ريف درعا الشرقي، وقد أدى ذلك إلى إطباق الحصار على المدينة بالكامل، باستثناء الإبقاء على منفذ وحيد، وهو معبر «حي سجنة»، الخاضع لسيطرة الفِرْقَة 15، إضافة إلى ميليشيا محلية تابعة لفرع الأمن العسكري كإجراء عقابي.

ومع غياب الإشارات لأي انفراج قريب، بدأت الأحياء المحاصرة في درعا تظهر عليها بوادر أزمة إنسانية بسبب منع قوات النظام دخول المؤن الغذائية والمستلزمات الطبية لنحو 11 ألف عائلة تقطن في المنطقة، كما منعت «برنامَج الأغذية العالمي (WFP)» من إدخال المساعدات الإنسانية.

ومع استمرار الحصار اضطرت العديد من العوائل الفلسطينية إلى مغادرة منازلها في مخيم درعا وحي طريق السد؛ إذّ اتخذ النظام السوري من قطع التيار الكهربائي عن أحياء المخيم ودرعا البلد وسيلة ضغط لتنفيذ شروطه.

الضغط الشعبي، ناهيك عن الأزمة الاقتصادية التي تمر بالبلاد، جعلت من الحصار وبالًا على أهالي درعا؛ الأمر الذي وجه اللجنة إلى الاستمرار في عملية التفاوض مع النظام السوري، ولكن هذه المرة كانت بحضور قائد الأمن العسكري في درعا «لؤي العلي» الموصوف برجل إيران في الجَنُوب وتلميذ علي مملوك نائب بشار الأسد للشؤون الأمنية، بالإضافة إلى رئيس اللجنة الأمنية في درعا اللواء «حسام محمد لوقا»، والعميد غياث دلة قائد قوات الغيث التابعة للفرقة الرابعة التي يرأسها ماهر الأسد شقيق رأس النظام.

وقال المحافظ السابق لدرعا في الحكومة السورية المؤقتة التابعة للمعارضة السورية، المحامي علي الصلخدي، لـ«ساسة بوست»: إنّ الاجتماع خلص إلى دخول قوات النظام إلى أحياء درعا البلد، في المناطق التي كانت تتمركز فيها سابقًا قبل بَدْء الثورة السورية، متوزعة على الشكل التالي (مبنى الشبيبة، ودوار الكرك، ودوار الكازية، ومدخل حي المنشية، ومبنى بريد درعا البلد، ومقبرة البحار، والشلال بسد درعا، ودوار الدولاب بحي طريق السد، ومدارس القنيطرة، والرباعي بحي طريق السد)، كما تضمن الاتفاق بحسب ما أعلنته اللجنة لأهالي درعا وفقًا للصلخدي، إجراء تسوية جديدة لنحو 135 شابًا، وتسليم السلاح الخفيف المتفق عليه والمقدر بنحو 50 قطعة.

«اللجنة المركزية».. تواطؤ أم هروب من الإخفاقات؟

ذكرت وسائل محلية سورية تباعًا عن إخفاء أعضاء اللجنة المركزية لبعض بنود الاتفاق المبرم مع قوات النظام، وبرز ذلك عندما باشر جيش النظام بالدخول إلى أحياء البلد يوم 27 يوليو (تموز) 2021؛ إذّ تفاجئ الأهالي بإجراء تفتيش للمزارع في محيط درعا البلد بمنطقة النخلة والشياح؛ ما أدى إلى وقوع اشتباكات بالأسلحة بين الطرفين.

وقال مصدر مقرب من اللجنة لـ«ساسة بوست»: إنّ عدم إعلام اللجنة المركزية للأهالي بنود الاتفاق بشكل كلي نتج عنه حدوث اشتباكات مع قوات النظام؛ أدت إلى وفاة شخص، وجرح اثنين، أحدهما طفل، فالأهالي وحملة السلاح من العناصر السابقين في «الجيش الحر» ظنّوا أنّ قوات النظام نقضت الاتفاق وقامت باقتحام المدينة.

وذكر موقع «نبأ» عن بند أُقرّ من ضمن الاتفاق الخاص بمدينة درعا دون الإعلان عنه رسميًا من قبل اللجنة، وينص البند على محاسبة المسيئين للرموز السياسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية بموجب قانون الجريمة المعلوماتية، ويعدّ هذا الطرح جديدًا كليًا، ولم تنص عليه التسويات السابقة في المناطق التي سيطر عليها النظام، مثل ريف دمشق، وحمص، وحماه.

ويُعرض البند أي شخص ينتقد أو «يسيء» إلى رجال النظام عبر الإنترنت إلى التوقيف عند نِقَاط التفتيش عسكرية إذا وصلت المعلومات إلى النظام، وينص قانون الجريمة المعلوماتية، وقانون العقوبات السوري، «على محاسبة كل شخص تعمّد إضعاف الشعور القومي، أو إيقاظ النعرات العنصرية أو المذهبية، أو من ينقل أنباء يعرف أنها كاذبة، أو مبالغًا فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة».

وتطرق موقع «درعا 24» إلى عدم إصدار اللجنة بيانًا يناقش الاتفاق الذي تُوصل إليه أو شروطه، إذ أفشى أحد المصادر المطّلعة على عمل اللجان للموقع بقبول الأخيرة «شرطًا يقضي بالتحاق المنشقين والمتخلفين عن الخدمة العسكرية خلال مدة أقصاها 15 يومًا، بعد إجرائهم التسوية».

ونتيجة ذلك دخل المسلحون بدرعا البلد في اشتباكات مع قوات النظام؛ أفضت إلى نزوح أغلب الأهالي من أحياء البلد، والسد، والمخيم، وبقيت فيها بعض العائلات التي لم تجد ملجأ وحملة السلاح الذين لا تتجاوز أعدادهم 150 شخصًا، في حين دخل النظام على أغلب المناطق في درعا البلد، وبقيت بعض المناطق في حي السد والمخيم وهو يحاول جاهدًا دخولها عسكريًا.

وتعليقًا على ما سبق يقول الناشط الحقوقي وعضو «مكتب توثيق شهداء درعا»، عمر الحريري، لـ«ساسة بوست»: إنّ طوال السنوات التي تلت سيطرة النظام على المحافظة، وتشكيل اللجان المركزية، فإنّ الأخيرة اقتصر عملها في بعض الأوقات على إخراج شخص اعتُقل حديثًا، في المقابل ساهم الإعلام بإعطائهم قيمة أكبر من اللازم.

وأشار «الحريري» إلى أنّ اللجنة لم تستطع منع النظام من أي عمل عسكري منذ 2018، ومدينتا طفس والصنمين خير دليل على ذلك، مضيفًا «النظام فعل ما يريد، وإن كان جماعتنا يحاولوا يقولوا أنه النظام كان يريد أكثر، بس عمليًا كلنا نعرف فعلوا ما يريدون، لتعمل انتصار اكذب بالهدف، النظام بحط حاجز، يقولوا جماعتنا انتصرنا لأنه هو أساسًا كان يريد طرح حاجزين ونحن منعناه، مع أنه من الأول بده حاجز بس».

ماذا بعد درعا البلد؟

تظهر صور الاتفاق الذي أبرم مع اللجنة المركزية، التي أظهرها المكتب الإعلامي لوكالة الانباء السورية التابعة للنظام «سانا» في درعا، 10 بنود وخمس طرق لتنفيذها، وذيلت الورقة بتوقيع أعضاء اللجان المركزية عليها، والخضوع لدخول قوات النظام إلى درعا البلد.

وتزامنًا مع إبرام اتفاق درعا البلد كانت هناك تطورات لافتة على الأرض؛ إذ صرح قائد شرطة محافظة درعا التابعة للنظام، العميد ضرار دندل، عن استقدام قوات عسكرية من «الفِرْقَة الرابعة» تقدر أعدادها بـ«الآلاف»، مع عشرات الدبابات والمدرعات، إلى جنوبي سوريا.

وبحسب «دندل» فإن التعزيزات العسكرية أتت تمهيدًا «لإطلاق عملية محدودة وضبط الفلتان الأمني وعمليات الاغتيال المستمرة في هذه المحافظة المحاذية للحدود مع المملكة الأردنية، ومنطقة الجولان»، وتوقّع عمر الحريري خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن تكون وجهة النظام القادمة هي بلدة طفس في الريف الغربي، في حين أنّ المنطقة الشرقية التي يسيطر عليها عناصر «اللواء الثامن» التابع لـ«الفيلق الخامس» الموالي لروسيا، ستكون معلّقة في الوقت الحالي، وستُؤجل إلى حين التوافق مع روسيا على شكل المنطقة.

ما حدث في درعا كان متوقعًا منذ أنّ شن النظام السوري، وبدعم جوي روسي، على الجَنُوب حملة لإعادة السيطرة عليه في يوليو 2018، ولم يتحرك المجتمع الدَّوْليّ لإفشال هذا الهجوم؛ ما عدّه الأهالي رضا دولي على ما يقوم به الأسد مدعومًا من روسيا وإيران.

ولكن تأجيل الملف حتى هذا اليوم، وبحسب حديث الأهالي، كان رهانًا روسيًا مع النظام على تمرير إعادة قَبُول الأخير عبر الدبلوماسية والمساعدات العينية، ونشر الشرطة الروسية على أنّها موجودة لحل قضاياهم التي تعقدها الأجهزة الأمنية في النظام، وفشل هذا الرِّهان بعد أن حظيت درعا بمقاطعة واسعة بنسبة 88% في الانتخابات الرئاسية الأخيرة؛ الأمر الذي أثبت للنظام أنّ عقاب درعا هو إعادة دخوله بشكلٍ كامل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد