تميزت محافظة درعا جَنُوب سوريا خلال العامين السابقين، والتي يعدُّها معارضو النظام السوري أنها «مهد الثورة» التي انطلقت في مارس (آذار) 2011، بوضعٍ خاص يميزها عن باقي المناطق السورية، خصوصًا بعد أن خضعت لتسوية رعتها روسيا لإعادة سيطرة النظام عليها.

خلال الأشهر الأخيرة، كان معظم الشباب يبحثون عن طرق لتجاوز الخدمة العسكرية الإلزامية في صفوف النظام السوري، إما من خلال طرق التهريب إلى شمال سوريا أو لبنان، وإما الانضمام إلى تشكيلات عسكرية متنفذة تحميهم وتحافظ على بقائهم في مناطقهم، عبر التطوع للالتحاق بـ«الفيلق الخامس» المدعوم من روسيا، أو «الفِرْقَة الرابعة» التي يقودها شقيق الرئيس السوري، «ماهر الأسد»، أو الانضمام إلى مليشيات تابعة لإيران مثل حزب الله اللبناني.

ومؤخرًا عمد النظام السوري عبر سلسلة من القرارات، أدت إلى إفراغ المنطقة من العنصر الشبابي، فرصد البعض احتمالية إحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة، ربما يصل إلى تحول المحافظة ذات الأغلبية السنية إلى منطقة شيعية تعج بالنساء على شاكلة معقل رئيس النظام السوري «بشار الأسد» مدينتي اللاذقية وطرطوس، اللتين يطلق عليهما في الوقت الحاضر مدن «الأرامل».

درعا ما بعد عام 2018

في أغسطس (آب) 2018، خضعت درعا لتسوية قسرية فرضتها روسيا على فصائل المعارضة لإعادة سيطرة النظام على المحافظات الجنوبية للبلاد المتمثلة بدرعا والقنيطرة المحاذية لإسرائيل، وأُعطي الموقعون على «الاتفاق» بطاقة مصممة لحمايتهم من الاعتقال أو التوقيف على نِقاط التفتيش الأمنية التابعة للنظام السوري.

لكن الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري، تجاهلت بنود «الاتفاق» وشرعت في الاعتقالات، كما أخلفت الوعود التي نصَّت على إطلاق سراح المعتقلين وإعادة الموظفين المفصولين إلى الدوائر الحكومية وإصلاح الوضع الحالي للخدمات في المنطقة، وإضافةً لذلك استمر الوضع الأمني بالتدني.

وبحسب إحصائية لمكتب «توثيق شهداء درعا»، فقد قُتل نحو 296 شخصًا في محافظة درعا، بـ417 عملية قتل خلال 2020، وقد شكَّل الذكور ما نسبته 96.4% من إجمالي العدد، بينما بلغ عدد المعتقلين 348 معتقلًا خلال العام ذاته، وفي مايو (أيار) 2021، قال المكتب إنه شهد ارتفاعًا حادًّا في عمليات القتل ومحاولات الاغتيال في درعا بعدد 66 عملية، نجا منها 12 شخصًا حاولوا اغتيالهم، وهذه الإحصائية لا تشمل الهجمات على نِقَاط التفتيش وضحايا أرتال قوات النظام.

وخلال الأعوام التي تلت التسوية، غاصت المنطقة في صراعات القِوَى الموالية للنظام مع بقايا فصائل المعارضة، جميعهم كانوا يهدفون لإيجاد موضع قدم لهم، فحزب الله اللبناني، سارع إلى افتتاح مكاتب للتجنيد، فيما أسرع «الحرس الثوري الإيراني» نحو التلال المرتفعة في الجنوب لبسط سيطرته عليها.

أما روسيا فقدمت الدعم لـ«الفيلق الخامس» الذي كان مقاتلوه ينضمون لصفوف المعارضة سابقًا، فقد حرصت روسيا على خلق توازن في المنطقة لصالحها، لا سيما بعد انتشار المليشيات الموالية لإيران، أما فصائل المعارضة المتبقية واللجان المركزية أو كما تسمى «لجان التفاوض المحلية»، فتحولت مهمتهم إلى التفاوض مع النظام السوري حول بعض القضايا الخدمية، والانتقال من قرية لقرية لتهدئة الأوضاع، أو الخروج في مظاهرات للضغط على النظام لتنفيذ أمرٍ ما.

هروب سري إلى خارج البلاد تحت أعين النظام

خلال الفترة الأخيرة وتحديدًا ما بين أغسطس (آب) 2018، وأبريل (نيسان) 2021، سلك العديد من شباب درعا طرقًا برية للهروب من الجَنُوب، نتيجة الأوضاع التي آلت إليها المنطقة، لا سيما بعد مشاهدتهم لعدم التزام النظام السوري ببنود اتفاقية التسوية وتكاسل روسيا عن الإيفاء بتعهداتها تجاه المدنيين.

ووفقًا لـ«محمد المسالمة»، وهو مدني من درعا استطاع الوصول إلى تركيا في نهاية 2020، فإن معظم الشباب الذين غادروا درعا، سلكوا عدَّة طرق أبرزها، باتجاه لبنان؛ إذ يدفع الشخص ما يقارب ألفي دولار أمريكي، للوصول إلى لبنان عبر سلوك طرق عشوائية في الجبال، مرورًا بالحواجز العسكرية التابعة لقوات النظام.

أما الوجهة الأخرى، حسب حديث المسالمة لـ«ساسة بوست»، فإنَّها من الجَنُوب نحو الشمال السوري الخاضع لسيطرة «الجيش الوطني»، ومن ثم إلى تركيا، وتتراوح تكلفة هذه الرحلة التي يصادفها العديد من حواجز العسكرية التابعة لقوات النظام تارَة، والمليشيات التابعة لإيران تارَة أخرى، ما يقارب 1800 دولار مقابل الشخص الواحد.

ولكن الرابط المشترك بين هذه الرِّحْلات وما لاحظه المسالمة، هو أنَّ جميع هذه الطرق التي يتخللها حواجز النظام، وخاصةً التي تشرف عليها «الفِرْقَة الرابعة»، لم تعترض أيًّا من الأشخاص المغادرين من درعا تحديدًا؛ وكأن هنالك أوامر عليا تنص على غض الطرف عنهم، وتسهيل مرورهم إلى الوجهة التي يريدونها، حسب وصفه.

قرار التأجيل على حين غرَّة

وأما من بقي في درعا، ولم يحالفه الحظ في الخروج نظرًا إلى الأوضاع المادية التي كانت السبب الرئيس في بقائه بالمنطقة، فاستيقظ في الرابع من أبريل (نيسان) 2021 على أصوات المساجد كما حدث في أبرز مدن وبلدات درعا مثل، الصنمين ونوى وغباغب وإنخل؛ إذ أُذيع قرار يدعو فيه النظام المتخلفين عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية إلى مراجعة شُعَب التجنيد، واصطحاب دفتر خدمة العلم للتأجيل لمدة عام كامل، مع عدم السماح للمؤجل بالسفر خارج البلاد.

عربي

منذ 3 شهور
كيف أصبحت درعا مدينةً محورية لأطراف الصراع في سوريا؟

القرار المرقَّم بـ«5343» صادر عن «الإدارة العامة للتجنيد» التابعة للنظام السوري، ووصلت أخباره إلى الأهالي وخاصةً الشباب، بشكل «مفاجئ»، خصوصًا أنه كان استثناءً منذ اندلاع الحرب في سوريا. القرار شمل أيضًا جميع المتخلفين عن الخدمة، بغض النظر عن العمر أو سنوات التخلف، وتعد هذه أول «تسوية» يتدخل فيها النظام بشكلٍ مباشر في أمور الجيش؛ إذ كانت التسوية السابقة وبالاتفاق مع «اللجنة المركزية»، تقضي بترك الأمر لقاضي الفرد العسكري في تحديد التحاق الشباب أو تأجيله بمدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر، وبشرط التحاق المكلف بقطعته العسكرية بعد انقضاء المدة خلال ستة أيام من تاريخ توقيع القاضي العسكري، وموافقته على تسوية المتخلف.

القرار فسره العديد بأنه رشوة من النظام لأهالي درعا لكسب درجة من الرضا حتى لا يتعكر مشهد الانتخابات، كونه صدر قبيل عقد الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها بشار الأسد بنسبة 95.1% من إجمالي عدد الأصوات.

السماح رسميًّا بمغادرة البلاد

ولكن على ما يبدو أن النظام ضاق ذرعًا من درعا، ولا تزال تُشكِّل له قلقًا طيلة العقد السابق؛ إذ إنَّ القرار الذي خص به أبناء المحافظة دون غيرهم؛ لم يُجدِ نفعًا خلال الانتخابات الرئاسية، والتي حدث فيها ما لم يكن بالحسبان، فمهد الثورة شهد خلال الانتخابات حراكًا مدنيًّا، أعاد المنطقة الجنوبية إلى واجهة الأحداث.

وخلال الانتخابات التي انفرد بها النظام وحده، في 26 مايو (أيار) 2021، نُظِّمت في درعا ثلاث مظاهرات مركزية احتجاجًا على الانتخابات، أبرزها في درعا البلد؛ ومدينة طفس في الريف الغربي؛ وبلدة بصر الحرير شرقًا، وَسْط حالة إضراب عام في مختلف المدن والبلدات بدرعا، بتنظيم وتنسيق ناجح على مستوى المحافظة كلها، ما جعلها تحقق مقاطعة بنسبة 88% من الناخبين، وهو الرَّقم الذي أوردته دراسة لمركز «جسور».

وربما تفسر هذه الأحداث، سبب تراجع النظام عن منع سفر الحاصلين على التأجيل من الخدمة العسكرية في جيشه، مع الاكتفاء بمنح التأجيل مدة عام واحد فقط، إذ عمَّمت شعب التجنيد التابعة لقوات النظام، في 17 يونيو (حزيران) 2021، أمرًا إداريًّا بمنح إذن سفر للمؤجلين عامًا كاملًا عن الخدمة العسكرية، وهو ما فتح الباب للتكهنات حول الرغبة في التخلص من الشكل السكاني الحالي للمدينة (تحديدًا شريحة الشباب من السكان).

هل تتحول درعا إلى محافظة عجزة ونساء؟

أوضحت وسائل إعلامية سورية معارضة، أن انتخاب الأسد لولاية جديدة كان سببًا وجيهًا لهجرة شباب درعا إلى خارج البلاد؛ إذ تحدث «تجمع أحرار حوران»، أنَّه «خلال 48 ساعة شهدت مدينة نوى بريف درعا الغربي هجرة أكثر من 100 شخص إلى خارج البلاد، بعضهم متجه إلى لبنان، وبعضهم الآخر إلى ليبيا من أجل العبور إلى إيطاليا».

وذكر المسالمة، لـ«ساسة بوست»، أنَّ 80 شابًّا ممن يعرفهم في درعا انطلقوا الأسبوع الفائت من مطار دمشق الدولي نحو مدينة بنغازي الليبية، للجوء إلى أوروبا، وذلك بعد صدور قرار السماح بالسفر، وهذا يوحي بأن هنالك العشرات وربما المئات العازمون على الرحيل أو سافروا خلال هذه المدة.

هجرة الشباب بشكلٍ يومي وبأعداد قدرت بالمئات، لم تقتصر على منطقة معينة في محافظة درعا التي تقدر مساحتها بـ4650 كيلومتر مربع، وقاربت نسبة سكانها نحو المليون نسمة، بل حسب مشاهدات مدنيين تحدثوا لـ«ساسة بوست»، أن الهجرة جاءت من جميع نواحي المحافظة حتى النائية منها.

وهذه الهجرة لم تقتصر فقط على الشباب الذكور، ولكن خلال حديث «ساسة بوست»، مع «أم محمد المحاميد»، وهي أم لأربعة شباب أصغرهم في الحادية والعشرين من عمره، قالت إنَّ: «فتح باب السفر جاء انفراجةً لي، كان همي طيلة ثلاث سنوات جمع المال من أجل إخراجهم، خايفة عليهم من الاغتيال، ولا التفجير، ولا يسحبهم النظام عالجيش ويروحوا قتلى بإدلب ولا بتدمر».

ولعل الأسباب الخفية وراء القرار الأخير، وفقًا للباحثة السورية في شؤون الهجرة واللاجئين بمركز جامعة كولومبيا الشرق أوسطي للأبحاث، لينا الزعبي، وبشكلٍ جلي هو «سعي النظام والقوى الموالية له، لإحكام سيطرتهم على المنطقة، خاصةً أنَّ المنطقة بعد ثلاث سنوات، تبيَّن فيها من هو في صفوفهم أو من يرفض إملاءاتهم»، بحسب تصريحاتها لـ«ساسة بوست».

عربي

منذ 8 شهور
اغتيالات وقطع للتيار الكهربي.. هل تشن إيران حرب وجود في درعا

وحسب لينا، فإن توجه النظام السوري لإفراغ درعا من الشباب حصرًا، يأتي بناءً على العادات والتقاليد التي تتبعها المنطقة، فالشاب يعد رب الأسرة والمسيطر والموجه للعائلة، وهو ما جعله هدفًا في أعين النظام، وإعادة تموضع النظام في الجنوب الذي كانت شوكةً ناعمة في خصره خلال السنوات السابقة، سيكون عبر النساء وتأهيل الأطفال في مدارسه.

وحذرت لينا إذا ما تحوَّلت المحافظة إلى منطقة تأوي العجزة والنساء، سوف يختل توازنها البشري، ما ينبئ بحدوث تفكك أسري، ربما ينتج منه انحلال أخلاقي، أو أن النظام سوف يتدارك الوضع عبر إحداث تغيير ديمغرافي بنقل عائلات من ميلشياته الأجنبية، أو من عوائل عناصر في الشمال إلى الجَنُوب.

ورجح «المسالمة» الخِيار الأخير للباحثة؛ إذ إن هذا المطلب ظاهر بحسبه، ولم تخفه أدوات النظام وميلشياته، التي تجاهد لتقوية نفوذها من خلالها، ونشرها بشكل واسع في مختلف مناطق الجَنُوب، من دون وجود خطر يهدد وجودها لاحقًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد