قبل ثلاث سنواتٍ من حرب إقليم دارفور – غرب السودان – أطلقت مجموعة من أبناء الإقليم المنتمين للحركة الإسلامية عام 2000 ما عُرف باسم «الكتاب الأسود»، والذي مثّل حينها وجهة نظرهم حول مَظلمة تقاسم السُلطة والثروة مع الحكومة. المشكلة نفسها انحصرت في أنّ الإقليم الذي يستحوذ على خُمس مساحة الدولة – نصف مليون كم مربع – ويضم أكثر من ربع السُكان، يقع تمثيل سُكانه «صفرًا» في مواقع السلطة الرئيسة.

وعلى مدى تعاقب الحكومات السودانية في فترات ما بعد الانفصال عن مصر عام 1956 ظل الإقليم فعليًا خِزانة النظام الكبرى من الضرائب والزكاة، لكنّ الأموال كانت تخرج من الإقليم المُهمّش لصالح مشروعات التطوير في ولاياتٍ أخرى، وهو ما شكّل سببًا مباشرًا لإذكاء التمرد.

هذا التقرير يعود بك إلى خيوط القصة الأولى لحرب إقليم دارفور التي بدأت بطبيبٍ منشق عن «الحركة الإسلامية»، وانتهت براعي أغنامٍ بات اليوم أقوى رجلٍ في السودان.

خليل إبراهيم.. قائد التمرد ووزير الجهاد في حكومة البشير

تبدأ بوادر قصة الحرب في إقليم دارفور إلى سبعينات القرن الماضي، حين شهد الإقليم الأشهر عالميًا نحو 37 مواجهة بين القبائل العربية الرحالة، وبين القبائل المسلمة غير العربية صاحبة الأرض بحكم التاريخ والجغرافيا. وبينما كان العرب يتصدرون المشهد في السُلطة منذ عام 1956 تحولت كافة الأعراق الأخرى إلى الهامش، ومع فرض الرئيس النميري الشرعية الإسلامية في أواخر حكمه اتُهِمت الحكومة بممارسة التمييز العنصري ضد المواطنين السودانيين غير العرب، وممارسة سياسات التطهير العرقي، بهدف تحويل الدولة إلى عرب خالصين.

وحين وصلت «الحركة الإسلامية» إلى الحكم عقب انقلاب الجيش على حكومة الصادق الهدي عام 1989، برز اسم الطبيب خليل إبراهيم، أحد أبناء شمال إقليم دارفور من قبيلة «الزغاوة» غير العربية، ليصبح بفضل الصداقة الاستثنائية التي جمعته مع حسن الترابي – زعيم الحركة – أحد أعمدة الحزب الحاكم في المناصب الوزارية، لكنّ الحرب الأهلية في جنوب السودان (1983-2003) صنعت له اسمًا آخر، ومصيرًا جديدًا لم يتوقعه أحد.

حشد النظام أبناءه من «الحركة الإسلامية» للمشاركة في الحرب في الجنوب ضد «الحركة الشعبية لتحرير السودان» على اعتبار أنها جهاد ضد «الوثنيين» الذين يسعون لطمس الهوية العربية المسلمة للسودان لصالح الهوية المسيحية الزنجية. وتماشيًا مع أدبيات الحركة، وشُعارها المُعلن، وسببها الأخلاقي، أصبح خليل إبراهيم رسميًا هو «أمير المجاهدين» في الحرب التي خلفت وراءها أكثر عن مليوني قتيل، ونحو أربعة مليون لاجئ.

الكاريزما السياسية التي حققها «أمير الجهاديين»، لم تقل عن الانتصارات العسكرية التي صنعت بريقًا توُجت باعتقال يحيي بولاد عام 1993، أحد كوادر «الحركة الإسلامية» الذي مثّل انضمامه لصفوف الحركة «الشعبية لتحرير السودان» نسفًا للبُعد الديني والقومي للحرب؛ نظرًا لكونه أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذي أعلن تمرده على النظام نتيجة للسياسات العنصرية التي مورست ضد قبيلته «الفور» في إقليم دارفور غير العربية.

حمل عام 1999 تحولًا كبيرًا في مسيرة القائد العسكري البارز في الحركة الإسلامية؛ فعقب صراع الحُكم الذي نشب بين البشير وحسن الترابي – رجل الظل الذي تحكم في المشهد طيلة 10 سنوات – عُزل الأخير من كافة مناصبه، وأسس حزب «المؤتمر الشعبي» المعارض؛ لينضم إليه ثمانية من «الحركة الإسلامية»، أبرزهم خليل إبراهيم.

يقول «ر. تاج السر» أحد المُقربين من زعيم «حزب الأمة» المعارض صادق المهدي لـ«ساسة بوست»: «لم يكن انفصال خليل إبراهيم عن الحزب الحكام نتيجة لانحيازه لجناح حسن الترابي فقط، فرغم الشعبية الكبيرة التي حققها، وحصوله على حقائب وزارية في حكومة الإنقاذ لسنوات طويلة، إلا أنه كان يشعر بالتهميش بالنظر لموقعه في السُلطة ضمن قيادات الوسط، بالرغم من سجله العسكري والسياسي الحافل».

توارى «أمير الجهاديين» عن الأنظار في الوقت الذي بدأ الاستعداد لمعركته القادمة عبر استدعاء أفكار عدوه القديم، يحيى بولاد، الذي كان سببًا في إعدامه. وفي عام 2000 فوجئ السودان بانتشار «الكتاب الأسود» الذي لم يحمل كاتبه، وسرعان ما أججت صفحاته المشاعر بين القبائل غير العربية التي ينتمي إليها خليل إبراهيم؛ لتتشكل بعدها «حركة العدل والمساواة» التي أصبح هو رئيسها لاحقًا، ويتحول معها إلى زعيم أكبر جماعة متمردة في السودان.

حرب إقليم دارفور.. الجولة الأولى لصالح المتمردين!

في فجر يوم 25 أبريل (نيسان) عام 2003، فوجئت القوة الأمنية المُكلفة بحماية مطار «الفاشر» بدارفور، بنحو 33 سيارة مُحملة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة شكلت جيشًا صغيرًا بدأ هجومًا امتد أربع ساعاتٍ متواصلة، وانتهى بقتل نحو 45 جنديًا، وإسقاط خمس طائرات عسكرية، بينما استسلم 32 ضابطًا وجنديًا، بينهم قائد القاعدة الجوية برتبة لواء.

الضربة الأولى الناجحة التي قادتها حركة «العدل والمساواة» و«جيش تحرير السودان» ضد الجيش السوداني؛ مثلت الشرارة الأولى للإعلان عن التمرد الكبير على الحكومة المركزية بسبب التهميش وسوء الأوضاع المعيشية للقبائل المسلمة غير العربية ضد القبائل العربية التي قاتلت في صفوف الحكومة.

والحرب نفسها أربكت النظام من وجهة نظر سياسية؛ نظرًا لأنها تزامنت مع المفاوضات التي أجرتها الحكومة أخيرًا مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان» في الجنوب، والتي توّجت باتفاق سلام عام 2005، مهّد لانفصال الجنوب نهائيًا بعد استفتاء شعبي منتصف عام 2011. أما من وجهة نظر عسكرية، فالنظام كان لا يمتلك طاقة للرد؛ نظرًا لأنه نشر أغلب قواته في الجنوب خلال الحرب الأهلية، لذا استعان مُبكرًا بقبائل «الجنوجويد» العربية.

يقول الصحافي السوداني مصطفى أبو العزايم لـ«ساسة بوست»: «بدأت الجولة الأولى للحرب بهزائم مدوية للجيش السوادني، فقد انهزمت كتائبه، وخسر مناطق كانت تحت سيطرته، والأخطر أنّ المعركة وصلت إلى إقليم كردفان المجاور، وهو ما عنى فعليًا أن النظام يواجه نهايته، خاصة أنّ عدة دول أفريقية دعمت المتمردين، وعلى رأسها تشاد التي ينتمي رئيسها لقبيلة خليل إبراهيم – قبيلة الزغاوة – نفسها، وهو ما أعطى الصراع بُعدًا دوليًا».

وبعدما أجبرت الحرب السكان على النزوح والتهجير القسري تدخلت الولايات المتحدة لفتح تحقيق دولي عقب الاتهامات التي وجهتها الأمم المتحدة للجيش السوداني؛ ما دفع المحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيق بشأن جرائم الحرب في إقليم دارفور، بتفويض من «مجلس الأمن الدولي»، وأمام الضغوطات الدولية وافقت الخرطوم على مضض بنشر قوات تابعة للاتحاد الأفريقي.

في عام 2008 قاد المتمردون أكبر عملية عسكرية في تاريخ الحرب، فحركة «العدل والمساواة» حشدت قواتها أمام مدينة «أم درمان» بالعاصمة الخرطوم، واستعدت لعملية «الذراع الطويل» التي دعمها الرئيس التشادي وصارت على بُعد عدة كيلومترات من القصر الجمهوري قبل أن تتحول شوارع العاصمة إلى حربٍ انتهت لصالح النظام الذي كاد أن يسقط في معركة قادها بنفسه خليل إبراهيم.

خسارات الجيش المتكررة دفعت البشير لإسناد الحرب إلى المخابرات العسكرية، والقوات الجوية، إلى جانب جهاز الأمن، وقبائل «الجنجويد» العربية التي حولت مسار المعركة على يد راعي الأغنام الذي وصفته منظمة «هيومان رايتس ووتش» بأنه رجل بلا رحمة.

أن تكون فردًا في قوات الدعم السريع.. قصة شاب من ميليشيا «الجنجويد»!

حميدتي.. «تاجر الجمال» الذي أباد مدينةً بأكملها

على غير العادة نسج قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان (دقلو) الشهير بحميدتي، قصة صعودة المعقدة في السُلطة بعيدًا عن الجماعة الإسلامية، والجيش، وأضواء العاصمة. فمن قلب إقليم دارفور الذي ينتمي إليه من قبيلة «الرزيقات»، حوّل عمله من بائعٍ للإبل وحاميًا للقوافل إلى أمير الحرب الذي نجح في حشد القبائل العربية للقتال إلى جانب الحكومة التي دعمته بالمال والسلاح، ليبرز الشاب بعدها القوة الضاربة في الأرض التي لفتت انتباه البشير.

(الفريق حميدتي أيام التمرد في إقليم دارفور)

قاد حميدتي قواته التي اعتمدت أسلوب «حرب الشوارع» بامتياز، لكنها مدعومة هذه المرة بغطاءٍ جوي ودعم بري من الجيش، والميليشيات التي تقاتل بالوكالة. وبدأ مسار الحرب في إقليم دارفور يتجه من المواجهة المباشرة مع المتمردين إلى الهجوم على القرى وإحراقها، وإعدام عدد من سكانها، بالإضافة لحملات الاغتصاب المعتادة.

تقول «منظمة هيومان رايتس ووتش» نقلًا عن شهاداتٍ حقوقية من داخل الإقليم: «تعرض الكثير من المدنيين إلى القتل عندما رفضوا مغادرة منازلهم أو تسليم مواشيهم، أو عندما حاولوا منع الميليشيات من اغتصابهم أو اغتصاب أفراد أسرتهم».

وبينما كانت الحكومة تنفي مرارًا دعمها لقبائل «الجنجويد»، كان حميدتي يعقد مقابلاتٍ مع وسائل إعلامٍ أجنبية وفي يده هُويات عسكرية لقواته، صادرة عن جهاز المخابرات العسكرية ليؤكد ارتباطه رسميًا بالقوات النظامية.

يحكي حميدتي لقاءه الأول مع الرئيس السوداني المخلوع عام 2006، والذي مثّل فعليًا مرحلة هامة في الحرب: «طلبت منه ثلاثة مطالب: المشاركة في السُلطة، ومنح قواتي رتب عسكرية، وإعطاء الضوء الأخضر لقبيلتي بالتنمية»، لتحصل قواته بعدها على لقب «حرس الحدود»، وبات لها زي عسكري، وصفة رسميةً تابعةً للقوات المُسلحة.

تزامن صعود حميدتي للواجهة من تغييرات جاءت لصالحه عام 2006 عقب انشقاق «حركة تحرير السودان» إلى جناحين، والانقسام امتد ليشمل حركة «العدل والمساواة»، التي رفضت إلى جانب الجناح المنشق من الحركة الأولى توقيع اتفاق سلام مع الحكومة.

والمفارقة أنّ حميدتي غير موجود على قوائم الإرهاب التي أعدتها «المحكمة الجنائية الدولية» عام 2009، والتي شملت البشير، ورئيس المجلس الانتقالي الحالي عبد الفتاح البرهان، ووزير الدفاع السابق عوض بن عوف، ومدير جهاز الأمن السابق صلاح قوش.

وبينما منحت مذكرة الاعتقال حركات التمرد المدعومة من الرئيس التشادي دفعة معنوية، لم ينتهِ العام حتى تحسنت العلاقات مع تشاد عقب توقيع اتفاق يمنع أي طرف من دعم المتمردين على الطرف الآخر، وعلى جانبٍ آخر كان حميدتي يقطع آخر الصلات مع ابن عمه موسى هلال زعيم «قبلية المحاميد» وزوج ابنة الرئيس التشادي.

يقول الصحافي السوداني أسامة محمد لـ«ساسةبوست»: «اشترط البشير على حميدتي إثبات ولائه أولًا قبل أن يمنح قواته شرعية حمل السلاح، وتمثلت الصفقة حينها في القبض على ابن عمه»، يحكي حميدتي الجزء المُعلن من القصة حين قاد ابن عمه مُكبلًا بالحبال: «موسى هلال عارض قرارات جمع السلاح» لتتشكل بعدها عام 2010 «قوات الدعم السريع» مكونة من 40 ألف مقاتل مجهزة بالعتاد والسلاح.

ومرة أخرى تسير الأحداث دراماتيكيًا لصالح حميدتي، ففي عام 2011 تلقت حركة «العدل والمساواة» أكبر ضرباتها حين نجحت الحكومة السودانية في اغتيال خليل إبرهيم إثر قصفٍ جوي، لتحصد قوات الدعم السريع بعدها انتصارات عسكرية كبيرة ضد حركات المتمردين التي جلست مضطرة في النهاية إلى طاولة المفاوضات. 

ما بعد إبادة إقليم دارفور.. حربٌ على الغنائم

قُبيل انتخابات 2015 دعا الرئيس السوداني المعارضة للحوار الوطني الشامل الذي عُقد في إثيوبيا، والذي كان موجهًا للحركات المُسلحة، كما تقابل البشير والترابي وجهًا لوجه بعد قطيعة دامت 14 عامًا، وأعلن النظام أنه يمدّ يده للمعارضة لتجاوز الأزمات عبر حوار شامل يتبناه الاتحاد الأفريقي الذي فوض فريق وساطة بقيادة رئيس جنوب أفريقيا السابق لإنجاحه.

وبالرغم من مقاطعة وانسحاب غالبية فصائل المعارضة المدنية والمُسلحة، إلا أنّ الأطراف المشاركة وصلت إلى اتفاق في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2017 يقضي بتشكيل حكومة وفاق وطني، لكنّ المفاجأة أنّ البشير حصل على مزيد من الصلاحيات بعدها، وأقال الحكومة بعد عامٍ واحد بعدما أدت مهمتها السياسية، وهو ما قطع الثقة بين الحركات المسلحة التي قاطعت النظام بالأساس.

دول عربية تدخلت لإنهاء الأزمة وإعادة الحوار من جديد، عبر «وثيقة الدوحة» التي أطلقتها قطر لإنهاء القتال عبر استقطاب أكبر الحركات عبر دفع نصف مليار دولار مساهمةً في صندوق إعادة إعمار الجزء الغربي من المدينة مقابل أن تتوصل الحكومة والحركات المسلحة لاتفاق لوقف الحرب.

على جانبٍ آخر كانت الحكومة السودانية قد استحدثت ولايتين جديدتين في إقليم دارفور لإرضاء قبيلة «الرزيقات» التي ساعدتها في القضاء على التمرد، وهو ما كان سببًا لاندلاع الحرب الأهلية في الإقليم عام 2015 بين قبيلة حميدتي وقبيلة «المعاليا» التي اتهمت نائب البشير بمساعدة القبيلة العربية بالمال والسلاح، ليبدو أنّ الحرب التي بدأت بين القبائل العربية الرحالة والقبائل غير العربية المقيمة قد تحولت، لحربٍ جديدة على الغنائم، والتي كان حميدتي وحده المنتصر فيها.

فبعدما حصل حميدتي على اعترافٍ شخصي من البشير بأن قواته ساهمت بشكل كبير في حسم التمرد، كانت «الأمم المتحدة» تنشر تقديراتها منذ اندلاع الحرب بنحو 300 ألف قتيل، ونزوح 2.5 مليون شخص، وهي الجريمة التي اتُهم بها الجميع، عدا الوحيد الذي اعترف بها، والذي أصبح اليوم نائب المجلس العسكري بعدما شارك في الإطاح بالبشير، وأخطر رجل في المعادلة السودانية.

الفريق أول حميدتي.. «تاجر الإبل» الذي أضحى الرقم الأخطر في المعادلة السودانية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد