التعاطف – وفقًا لعلم النفس- هو القدرة على فهم وإدراك أفكار الآخرين ومساعرهم، من بشر وحيوانات على حد سواء، والتعاطف من أهم المشاعر البشرية التي تساعد على إقامة علاقات ناجحة وصحية بين البشر، من خلال المساعدة النفسية والاجتماعية للآخرين عن طريق تمكينهم من مساعدة أنفسهم دون إجبارهم على ذلك.

تربية

منذ سنة واحدة
حتى لا تصبح من «الآباء الهليكوبتر».. تجنب هذه التصرفات في تربية طفلك

هو كلمة يصعب علينا أن نتخيل أن لها جوانب مظلمة أو سيئة، ولكن مؤخرًا أشار الطب النفسي إلى أن هناك أنواعًا من التعاطف قد تكون مدمرة، سواء للشخص المتعاطف أو الشخص موضع التعاطف. في هذا التقرير نوضح لك تلك الأنواع  كما ذكرها الأطباء النفسيون، ونخبرك أيضًا كيف تحمي نفسك من  الأنواع التي قد تدمر حياتك أو حياة من حولك.

هل للتعاطف جوانب مظلمة؟

«الجانب المظلم للتعاطف» هو كتاب نُشر في أواخر عام 2019، وأثار هذا العنوان الجدل بين أوساط علماء النفس والأطباء النفسيين، وهذا لأن الكتاب تحدث في عرضه النظريات الشائعة حول التعاطف ودوافع السلوك البشري للتعاطف، وفي مقدمة الكتاب يوضح الكاتب وعالم النفس الألماني، فريتز بريتهاوبت، أن التعاطف في حد ذاته ليس فعلًا مشينًا أو سيئًا، ولكن على الجانب الآخر، يجب الاعتراف بأن هناك أفعالًا سلبية تُرتكب بسببه، ولذلك كان يطالب القراء بفصل التعاطف المرتبط بالمعايير الأخلاقية، عن التعاطف الذي يحوي في طياته جوانب سلبية.

«التعاطف هو ما يجعلنا بشرًا، ومن السذاجة أن نتخيل أنه بإمكاننا التخلي عن التعاطف في حياتنا»؛ هكذا أكد فريتز مرة أخرى في كتابه، أنه لا يهدف إلى أن يدفع القراء إلى إهمال التعاطف وأهميته في حياة البشر، ولكنه فقط يريد إلقاء الضوء على المفاهيم النفسية المعقدة المرتبطة بهذا الشعور.

يشير عالم النفس الألماني في كتابه «الجانب المظلم للتعاطف» إلى مثال يراه الأكثر أهمية فيما يخص الجوانب السلبية للتعاطف، وهي ظاهرة «الآباء الهليكوبتر»، وهي ظاهرة نفسية واجتماعية تصف الآباء الذين يسيطرون على حياة أبنائهم سيطرة مُحكمة، ويراقبونهم في تصرفاتهم؛ حتى يفقد الطفل القدرة على الإبداع أو  الانطلاق الحر في الحياة.

وكل تصرفات الآباء الذين يعانون من تلك الحالة، تكون بدافع حبهم وتعاطفهم مع أطفالهم، والأفعال الصادرة بدافع الحُب؛ ليست دائمًا صحية ومفيدة للشخص المحبوب، خاصة وإن كانت من الآباء. فالمطاردة، والمراقبة، والسيطرة؛ تقع تحت بند تلك الأفعال التي كثيرًا ما يُعتقد أن دافعها هو حب الشخص المُراقَب والخوف عليه من الأضرار التي قد يتعرض لها، إذا غاب عن أعين من يحبونه في لحظة.

التعاطف الماص للدماء! 

«التعاطف الماص للدماء»؛ مصطلح آخر استخدمه عالم النفس الألماني في كتابه، موضحًا كيف يمكن للتعاطف أن يكون مفيدًا للشخص الذي يمارسه أكثر من الشخص الذي يستقبل هذا الشعور، وللمرة الثانية ذكر الآباء الذين يستحوذون على أبنائهم بذريعة الحب والتعاطف.

 ومن خلال هذا التعاطف يفرضون عليهم شكل حياة ومستقبل بعينه؛ لأنه الأفضل للأبناء من وجهة نظرهم، وفي هذه الحالة يوضح فريتز أن ما يفعله الآباء في هذه الحالة يصب في مصحلتهم الشخصية، وليس في مصلحة الأبناء، وربما يعد المثال الواضح في هذا الأمر، هو رغبة الأب أن يسلك ابنه الحياة المهنية التي لم يستطع الأب أن يسلكها لظروف ما.

الأمر أشبه بشخص يعيش معك في منزل واحد، لكنه متعاطف معك لسبب ما في ذهنه بهذا الشكل الزائد عن الحد، فلن يترك مساحة واحدة من الحرية أو الخصوصية؛ لرغبته في العناية بك، فتجده طوال الوقت بجوارك واقفًا يسأل عما تحتاجه، وعما تريده، غير مدرك أن ما هو أهم بالنسبة لك في بعض اللحظات هو أن يتركك وشأنك، ولكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك، الجانب المظلم من التعاطف بداخله يرسخ في ذهنه شعورًا دائمًا بأنك لن تستطيع أن تعيش بدونه، وأن حياتك سوف تتوقف إذا لم يهتم بك، ويؤكد فريتز في كتابه أن هذا الجانب هو الأكثر سوءًا في التعاطف؛ لأنه الأكثر انتشارًا بين البشر، خاصة بين الأزواج والآباء وأبنائهم.

«هل رأيتني وأنا متعاطف؟»

في العصر الذي نعيشه والذي نقضي فيه معظم وقتنا على مواقع التواصل الاجتماعي، ومع توفر خدمات اللايف، ومشاركة المقاطع المصورة، وترقب أعداد الإعجاب والمشاركات التي تحصل عليها تلك المشاهد؛ زادت الرغبة في نفوس بعض البشر في الظهور بمظهر البطل.

يوضح فريتز في كتابه «الجانب المظلم للتعاطف» أن من أهم الجوانب المظلمة للتعاطف، هي التي تتضمن طرفًا آخر يجري استغلاله بغرض إرضاء الرأي العام، الشخص الذي يتجول في الطرقات ليطعم المشردين وهو مسلط كاميرا على تصرفاته، غالبًا ما يظن أن الأشخاص الذين يحصلون على الطعام هم المستفيدون في الموقف، وأنه يتعاطف معهم، ولكن في اللاوعي لهذا الشخص؛ هو الطرف الوحيد المستفيد، سواء برغبته الملحة في الرضا عن النفس، أو بغرض الحصول على تأييد المجتمع لتصرفاته والنظر إليه على كونه بطلًا، هؤلاء البشر – كما ذكر في الكتاب- يمارسون أسوأ نوع من أنواع التعاطف من وجهة نظره، وكأن الشخص المتعاطف على تلك الطريقة يقول للآخرين «هل رأيتني وأنا متعاطف؟»

الشخص نفسه إذا أقبل على تلك التصرفات المتعاطفة، دون أن يراه طرف ثالث؛ لن يشعر بأي شعور جيد بحسب فريتز، فمن البداية هناك حاجز نفسي بينه وبين الشخص موضع التعاطف، ومشاعره كلها معلقة على الآخرين الذين يشاهدونه، والشخص الذي تعاطف معه هو مجرد وسيلة أو شيء من وجهة نظره لتحقيق هدف البطولة المزعوم.

احذر.. التعاطف قد يدمر حياتك

على الجانب الآخر، هناك جانب مظلم من التعاطف يضر صاحبه، وليس الشخص موضع التعاطف، وهذه الحالة يطلق عليها أطباء النفس فرط الانفعالات العاطفية، أو العدوى العاطفية، وفي هذا النوع من التعاطف تتحول حياة الأشخاص المتعاطفين مع الآخرين إلى سلسلة لا تنتهي من الحزن والألم، ويعيش  الشخص المصاب بفرط الانفعالات العاطفية في رحلة بحث محمومة طوال حياته عن أحزان الآخرين، والبحث عن حلول لمشكلاتهم، وحتى إن لم يكن هناك حلول يقدمها قد يستهلك الكثير من وقته وطاقته لمشاركة الآخرين هذا الحزن، وإلا لن يشعر بالرضا عن نفسه أبدًا، وقد يعذبه تأنيب الضمير.

هؤلاء الأشخاص قد يبددوا سنوات من حياتهم على تلك المشاعر السلبية، دون أن يكون هناك عائد، سواء عليهم أو على الجانب الآخر الذي يتعاطفون معه، وهؤلاء الأشخاص قد يكونون أكثر عرضة لممارسة جميع الجوانب المظلمة من التعاطف، فهم بالتأكيد سيُشعِرون الشخص موضع التعاطف بالحصار والتطفل الدائم.

التعاطف الصحي.. ما هو؟

التعاطف الصحي يبدأ من تعاطفك مع نفسك، فإن لم تكن متعاطفًا مع ذاتك ومهملًا لاحتياجاتها، سيكون بالضرورة تعاطفك مع الآخرين غير صحي، وإذا لم تكن واعيًا بالشكل الكافي لوضعك النفسي والصحي، فكيف يمكن لك أن تعي ما يمر به الآخرون؟

إذا كنت من الأشخاص الذين يمارسون أي جانب من تلك الجوانب المظلمة، عليك في البداية أن ترتب أفكارك واهتمامك وتصبهم على ذاتك، محاولًا إدراك ما تمر به وكأنك شخص آخر تراقبه من بعيد. بعد أن تنجح في هذه الخطوة دون مبالغة أو إفراط في حب الذات والاهتمام بها، ستكون الخطوة الثانية هي التفاعل مع الآخرين والتعاطف معهم، ولكي يكون هذا التعاطف صحيًّا، عليك إدراك عدة عوامل مهمة لنجاح ذلك، كبداية لا يمكنك أن تجبر الشخص الذي تشعر بذلك نحوه على فعل شيء من منطلق أنك الأدرى بمصلحته، وبعد أن تساعد هذا الشخص الذي تتعاطف معه، وتتأكد أنك عرضت عليه ما في يدك من مساعدة، لا يجب أن أن يسيطر هذا الشخص على تفكيرك في أوقاتك الخاصة، وليس من واجبك اجترار ما يمر به هذا الشخص من معاناة حتى ترضى عن نفسك.

والأهم.. احذر من هؤلاء

إذا كنت شخصّا يعرف عنه التعاطف مع الآخرين، خاصة وكان هذا يندرج تحت بند فرط الانفعالات العاطفية الذي ذكرناه سابقًا، فتأكد أنك فريسة سهلة لكل شخص نرجسي أو يصب اهتمامه في مصلحته هو فقط، هذا الشخص النرجسي قد يحاول أن يبتزك عاطفيًّا بكل الطرق، ولن يترك لك متنفسًا للتفكير، قد يستغك ماديًّا، أو عاطفيًّا، وقد يصل الأمر إلى تدمير حياتك تمامًا إذا لم تتخلص منه.

بالطبع لن يكون الأمر سهلًا عليك، فالشخص المتعاطف يعد أسيرًا نفسيًّا للشخص النرجسي، ولذلك عليك أن تتحرر من القيود التي ذكرناها سابقًا، وتجنب العدوى العاطفية مع هؤلاء الأشخاص، ولن يكون من الصعب عليك أن تميز هذا الشخص من غيره من البشر الذين في حاجة حقيقية للمساعدة، بمجرد أن تقرر أن تكون واعيًا بالأمر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد