في الذكرى الخمسين لوفاتها، تُعاد إلى الأذهان قصة الممثلة والراقصة والمغنية الأمريكية، وبطلة الفيلم الشهير «ساحر أوز»، جودي جارلاند، التي تجسد قصتها الخلطة القاتلة التي تقدمها هوليوود لنجومها الصغار، وذلك عبر فيلم يحكي تفاصيل السنة الأخيرة من حياتها مبعدة في لندن، بعيدًا عن أبنائها ومن تحب. هذا الفيلم لا يكشف سرًا، ولا يضيف تفصيلًا، إلى حياة الفنانة التي أصبحت معاناتها في أروقة هوليوود معروفة للجميع عبر كلماتها شخصيًا، أو بأعمال فنية تناولت ذلك، لكنه إحياء لذكرى نجمة أمضت أكثر من 40 عامًا من سنوات عمرها السبعة وأربعين في الفن، وانتهى بها الحال صريعة بجرعة مخدرات زائدة.

التقرير التالي يلقي الضوء على ما يتعرض له نجوم هوليوود الصغار، وما الذي يختبئ خلف وهج النجومية والانتشار.

منومات ومنشطات.. أطفال هوليوود أداة في يد المنتجين والمخرجين

توهج جودي جارلاند على الشاشة «كان يُبهِج الكثيرين، ولكن يخفي خلفه معاناة»؛ كما قالت جودي لكاتب سيرتها الذاتية بول دونيلي. إذ أشارت إلى أن مخرجي الأفلام: «كانوا يعطوننا الحبوب المنشطة لنبقى على أقدامنا لساعات بعد أن ينهكنا التعب. ثم نُحقَن بإبر منومة في مستشفى الأستوديو لننام لأربع ساعات قبل إيقاظنا ثانية، وإعادتنا إلى الحبوب المنشطة لنواصل العمل لمدة 72 ساعة متواصلة».

«ساحر أوز»

مشهد من فيلم «ساحر أوز»

وفي تجربة مماثلة تقول الممثلة جوانا موور: «لأي نجمة حوصرت بعقود الأستوديو، فإن الأمفيتامينات، وإبر الفيتامين للتحكم في الوزن، وزيادة ساعات العمل؛ لم يكن خيارًا، بل هو الطبيعي أن يحدث».

وتصف شيرلي تيمبل ما كانت تتعرض له من عقوبات إن نسيت وتصرفت كطفلة. «كنا نحبس في غرفة بلا شبابيك، خالية من كل شيء إلا من مكعب الثلج الذي نجلس عليه، الوقت هو المال، وإهداره إهدارٌ للمال، كان درسًا عميقًا لا ينسى».

في السنوات التي كان فيها عقد الأستديو – وهو نظام اكتشاف النجوم وإشهارهم واستغلالهم من أجل المنفعة المادية – ساريًا، أنتجت هوليود 700 فيلم في العام الواحد، متغذية بذلك على صحة هؤلاء الصغار، وأرجحتهم بين المنشطات والمنومات، بينما أنتجت 300 – 400 فيلمًا في العقد الماضي.

اغتصابٌ وحبوبٌ مخدِّرة.. هذا ما حدث للمراهقين والأطفال في هوليوود القديمة

أطفال هوليوود.. ناجون وساقطون على الطريق

دخل بعض النجوم إلى هوليوود صغارًا واستطاعوا أن يكملوا المسيرة مثل جوزيف جوردون ليفيت الذي بدأ حياته الفنية من عمر السادسة، وراين جوسلينج بعمر الثالثة عشر، وليوناردو ديكابريو الذي بدأ مشواره الفني قبل أن يتم العاشرة وغيرهم.

ولكن الكثير منهم توفي في عمر مبكر مثل بريتاني مورفي، وكوري هايم، ووريفر فوينكس، بجرعات مخدرات زائدة، أو مشاكل أخرى وضعت بذرتها مع نجوميتهم المبكرة. والبعض الآخر سقط في فخ الإدمان، وهو الأمر شبه الحتمي في بيئة مثل بيئة هوليوود.

«صفوف الكوكايين».. الضيف الدائم في حفلات هوليوود

في عام 1970 تم حظر الأمفيتامينات بموجب قانون مكافحة المخدرات في أمريكا، ووُصفت بأنها مادة تسبب الإدمان. سحب القرار البساط من تحت أقدام منتجي هوليوود الذين ارتكزوا بشكل أساسي على هذه المواد لضمان الأداء المميز لنجومهم. وبقي الإرث الأسود للأمفيتامينات ماثلًا في الأداء المبهر لنجوم ما قبل هذا التاريخ.

منذ ذلك الحين أصبح الكوكايين هو البديل الأقوى للأمفيتامينات في هوليوود، كما يوضح تصريح الممثل دينيس كويد لمجلة «نيوزويك» الأمريكية؛ إذ اعتبر أن أكبر خطأ ارتكبه في حياته هو إدمانه الكوكايين في الأعوام بين 1970 – 1980.

يقول: «كان شيئًا ممتعًا في البداية، والجميع يفعله في الحفلات حتى أن الكوكايين كان يحسب ضمنيًا من ميزانية الفيلم ذاته. الجميع يفعله في استديوهات التصوير، بل إن البعض كان يحظى بصف من الكوكايين بدلًا من الكوكتيل».

والكوكايين الآن هو المرادف الأقرب للنجومية في هوليوود، فقبل سنوات امتلأت الشاشات بأخبار باريس هيلتون متهمة بحيازة الكوكايين، واعترفت بليندا كارسلي بمعركتها المستمرة لثلاثة عقود مع إدمان الكوكايين. واتهم شارلي شين بحيازة حقيبة مليئة بالكوكايين.

تقول د. ريف كريم، المختصة في معالجة الإدمان بكنترول سنتر لوس أنجلوس: «إدمان الكوكايين ينخفض بشكل عام في أمريكا، ولكنه في هوليوود لم يزل يصعد بقوة. لم تزل ترى الكوكايين في كل مكان في هوليوود».

«المال الأسود» يعيد الإساءات الجنسية للنجوم الصغار إلى الواجهة

مع ردود الأفعال الكثيرة والتعاطف الذي كانت تحظى به قصص النجوم الصغار مثل جودي جارلاند وزميلاتها، كان هناك شعورًا خفيًا بالارتياح لدى المتلقين ظنًا منهم بأنه ماضٍ وانتهى. في العام الماضي أصدرت «بي بي سي» مسلسلًا من أربع حلقات بعنوان «المال الأسود» شكّل صدمة للجميع؛ لأنه أعاد للواجهة التحرشات الجنسية التي يتعرض لها الصغار في هوليوود عبر قصة إساك الطفل ذي 13 عامًا الذي يُدعى لفراش المنتج مرارًا، رغم رفضه المستمر.

تحكي الحلقة الأولى منه عودة إساك بعد رحلة تصوير فيلمه عندما يفاجأ والداه بتسجيل صوتي يوثق دعوة منتج الفيلم له إلى الفراش. يسعى الأبوان للحصول على حق ابنهم بالقانون، ويحاولون إيصال الرسالة للصحافة، ولكن طفلهم الغض يرفض أن تنشر قصته ويعرفها المئات. بعد صولات وجولات مع القانون والتسويات يصور المسلسل الأثر النفسي الذي يحمله الطفل في قلبه حتى بعد تسوية القضية.

المسلسل وإن لم يكن ينقل قصة حقيقية، إلا أنه يسلط الضوء على الأثر النفسي الذي تخلفه مثل هذه الاعتداءات، عبر قصص تشبه إلى حد كبير ما ينقله الإعلام يومًا بعد يوم، وما تشهده قاعات المحاكم من إدانات واعترافات في حق الكثير من الكبار في صناعة الأفلام، ليس آخرهم جيفري إبستن رجل الأعمال المشهور.

صغار يكبرون ويحكون عما يحدث في الكواليس

الإساءات الجنسية التي يتعرض لها الصغار لم تنقطع يومًا عن هوليوود، ولم يزل الصغار يكبرون ويقصون حكاياتهم المريرة التي لم تسعفهم عقولهم الصغيرة وتفكيرهم القاصر حينها للإدلاء بها أو طلب المساعدة.

فقد تحدثت نتالي بورتمان عن الاستغلال الجنسي الذي تعرضت له في بداية مشوارها الفني، عبر طريقة تصويرها بإيحاءات جنسية وكذلك الملابس التي أجبرت على ارتدائها، والتي كانت جميعها أمورًا لم ترغب بها، ولم تستطع رفضها مع سنها الصغيرة.

Embed from Getty Images

كوري فيلدمان شن هو الآخر حملة لفضح المعتدين جنسيًا على الأطفال في هوليوود، إذ يقول: «ما أقدمه هو خطة لتغيير نظام الترفيه لدينا بشكل كامل. أعرف أن لدي القدرة على الإطاحة بحلقة المعتدين على الأطفال، فلدي ستة أسماء، واحد منها لا يزال في موضع قوة ونفوذ». وفي عام 2013 أفصح فيلدمان عن كونه تعرض لاعتداءات جنسية هو وكوري هايم في عمر 11 عامًا، على يد رجال يعملون في هوليوود.

وتزامنًا مع الاتهامات التي واجهت هارفي وينستون – المنتج ومخرج الأفلام السابق – عام 2017 بالاعتداء الجنسي على أكثر من 50 سيدة، انطلقت حملة (#وأنا_أيضًا) التي انتشرت كالنار في الهشيم، وعبرت البلدان لتصنع نسخًا مختلفة في كل منها عن الإساءات والاعتداءات التي تعرض لها الصغار.

الكثير من النجمات لم يترددن في نشر قصصهن مع الاعتداءات الجنسية في أروقة هوليوود، وإن كانت دون ذكر أسماء خوفًا من المساءلة القانونية التي تحتاج إلى دليل ملموس، لكن مثل هذه القصص المتكررة تلقي بظلال قاتمة على بيئة مغلقة مثل هوليوود يمكن أن يحدث بها أي شيء ما دام مجللًا بالبريق والشهرة.

محاولات تصحيح المسار

يقول سين بيكر مخرج فيلم «ذا فلوريدا بروجيكت»: إن «وجود الأطفال في الأفلام أمر لابد منه، وأسعى لجعل التجربة ممتعة للأطفال دون إساءات، فأنا على وعي تام بالتاريخ السيئ للنجوم الصغار. أحاول أن أجعل الأمر واضحًا بالنسبة لهم بأن ليس عليهم الاستمرار في هذه المهنة، لتكن صيفًا مرحًا فقط».

ويؤكد بيكر على اهتمامه الشديد بتوجهات الأهل والحديث معهم لضمان الحماية للطفل، ويقول إنه يتردد في إدخال أي طفل إلى أفلامه ممن يشعر بأن والديه يسعون إلى دفعه إلى هذا بالقوة.

تضيف المخرجة البريطانية شاهين بيج «أن شركات الإنتاج بارعة في تغطية نفسها قانونيًا. والعمل الصحيح يحتاج إلى أشخاص يحبون الأطفال على عكس ما هي عليه الحال الآن»، بينما يؤكد الكاتب ليني أبراهامسن على كلام شاهين بالقول: «طالما أن هناك عدم توازن في القوى في هذه الصناعة بين النجوم الصغار والمنتجين فسيبقى خطر الاستغلال قائمًا مهما سنت حوله القوانين»

يضيف أبراهامسن: «في تجارب الأداء ما يبحث عنه المنتج هو وجه جميل يضمن له الربح الجزيل. لا أحد يفكر فيما سيكون عليه حال هؤلاء النجوم في السنوات العشرين المقبلة. ولا أحد يستطيع الإجابة عن سؤال ما إذا كان هؤلاء الصغار سينتفعون من وجودهم في مثل هذه الأفلام»

الشهرة.. إدمان من نوع آخر

ببريقها الذي أغرى الكثير من الراشدين، تصبح الشهرة مشكلة كبيرة تواجه النجوم الصغار، ممثلة لجزء أساسي من تكوينهم النفسي والعصبي، والذي ربما لا يسعفهم الحظ بالاستمتاع بها لفترة طويلة. فالنجومية فتحت أبوابها لهم صغارًا بسبب ملامحهم الظريفة والتي ستختفي بعد سنوات قليلة.

الاعتياد على جذب الأنظار المصاحب للشهرة، وما تغذيه من شعور بالأنا، تلقي الهدايا من المعجبين والهتاف باسمهم، والعالم الخيالي الذي يحيا فيه الصغار حيث كل ما هناك يدور حولهم هو الباعث الأساسي للانهيار بعد أن يخفت بريق النجومية، ولا يستطيع الصغار التعامل مع هذه الخسارة، فيلجأون للمخدرات والكحول.

تقول د. دونا روكويل: «أجد الشهرة نوعًا من الإدمان، فالناس يدمنون عليها بنفس الطريقة التي يدمن بها الناس على المواد المخدرة. تعمل على نفس مراكز المخ التي تثيرها المواد المخدرة مسببة الشعور بالنشوة والسعادة».

Embed from Getty Images

وتنقل عن داني بونادوس الممثل الصغير السابق قوله: «أدمنت كل أنواع المخدرات التي عرفها البشر في مرحلة ما من حياتي، ووجدت الشهرة هي أكثر ما يسبب الإدمان».

وحول ما إذا كان التعرض للشهرة في سن مبكرة يمهد الطريق لأنواع أخرى من الإدمان تقول د.دونا: «قد يدمن النجوم لأي سبب من الأسباب التي يدمن معها غيرهم مثل: التعرض للإساءة، أو التجارب القاسية.

ولكن مع النجوم الصغار فإن أدمغتهم تكيفت مع القدر الكبير من الإعجاب والاهتمام وأصبحت جزءًا من تركيبها العصبي. الأمر الذي يمهد الطريق لأنواع أخرى من الإدمان كالكحول والمخدرات.

فخ الشهرة التي قد تصبح قاتلة

تقول د.دونا: «الوعي بمخاطر الشهرة يجب أن يكون محط اهتمام من يعتني بالأطفال من أباء ومعلمين، فالشهرة لم تعد بعيدة المنال كما في السابق، بل أصبحت قريبة مع كل وسائل التواصل الاجتماعي، ويوتيوب، وبرامج الواقع التي خلقت نجومًا بين ليلة وضحاها».

مع كل ما يتكشف يومًا بعد يوم من قصص وحكايا مخيفة، يبقى إغراء النجومية والشهرة دافعًا للكثير من الأهل للزج بأبنائهم في مثل هذه المغامرة التي تحفها المخاطر من كل صوب. ومع حاجة المنتجين للأطفال في الشاشة الفضية يبقى هؤلاء الصغار معلقين بين رغبات الكبار، ومجبرين على المضي قدمًا، واتخاذ قرارات لم تُصمم لمن هم في أعمارهم.

هارفي وينشتاين ليس المتحرش الوحيد.. هل هوليوود «بيت دعارة مزدحم»؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد