ترك الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين إرثًا كبيرًا في التاريخ العالمي، بعد أن حكم الاتحاد السوفيتي بالحديد والنار لفترة طويلة بلغت 30 عامًا تقريبًا، منذ عام 1924 وحتى وفاته عام 1953، شغل حينها منصب الأمين العام للحزب الشيوعي ورئيس الوزراء أيضًا، وكان له تأثير كبير في العالم من خلال «الكومتنرن» (الأممية الثالثة) التي أخضعت الأحزاب الشيوعية في العالم لسلطة السوفيت، ودعمت الحركات القومية في العالم الثالث في مواجهة الغرب.

لم يخل هذا الإرث من إشكاليات سببت انقسامًا حادًّا حول ستالين؛ إذ يرى المدافعون عنه أنه كان حاكمًا قويًّا وضع الاتحاد السوفيتي في قلب الحركات الشيوعية واليسارية حول العالم، وأن له العديد من الإنجازات؛ إذ حوَّل روسيا من بلد زراعي متأخر إلى بلد صناعي وأدخلها إلى العصر النووي، كما هزم ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، ووقف في وجه التمدد الأمريكي، ونجح في السيطرة على حافة كاملة من أوروبا الشرقية.

فيما يرى منتقدوه أنه صادر الحريات السياسية في بلاده وفي أوروبا الشرقية، وحكم الملايين بالحديد والنار والإرهاب والشرطة السرية، وقتل أعدادًا كبيرة من المعارضين أثناء سنوات «التطهير العظيم» وغيرها من المراحل.

ناديا أليلوييفا: زوجة ستالين التي انتحرت رفضًا لـ«الإرهاب العظيم» 

تمتع الزعيم السوفيتي بشخصية سلطوية أثرت في الجو السياسي للعالم كله، كما أثرت في الحياة اليومية لأسرته الصغيرة، فقد كان له أثر سلبي كبير في عائلته، وتسبب جوزيف في العديد من المآسي والآلام لزوجاته وأبنائه.

تزوج جوزيف مرتين، الأولى كانت الجورجية كاتو سفانيدزي، عام 1908 التي توفيت بعد إنجاب ابنه الأكبر ياكوف جوجاشفيلي، والثانية كانت الروسية ناديجدا أو ناديا أليلوييفا عام 1918، وكان والدها سيرجي أليلوييفا الرجل الثوري الذي اعتنى هو وزوجته أولجا بستالين، عندما هرب من السجن في سيبيريا عام 1911، وأنجبت له ناديا ابنة واحدة هي سفيتلانا أليلوييفا، والابن الأصغر فاسيلي، وتبنى الزعيم السوفيتي ابنًا آخر هو أرتيوم سيرجييف، ابن أحد أصدقائه المتوفين.

Embed from Getty Images

زوجته ناديا وابنته سفيتلانا

انتحرت ناديا عام 1932 عندما كان جوزيف في أوج قوته، تقول الروايات إنها انتحرت عبر إطلاق الرصاص على نفسها في إحدى ليالي نوفمبر (تشرين الثاني) 1932، إثر مشاجرة مع الزعيم؛ إذ لم تتأقلم مع طبيعة حياته وشخصيته الصعبة يومًا، ولم يكن جوزيف مرشدًا لجنازتها (على عادة التقاليد الروسية الرسمية)، بل اكتفى بالحضور.

يقول الكاتب التروتسكي، إسحاق دويتشر، كاتب سيرة ستالين، إن انتحار ناديا زوجة الزعيم عام 1932، كان بسبب حديثها عن رأيها حول عمليات «الإرهاب العظيم» التي نفذها الحزب الشيوعي بقيادة جوزيف، والمجاعة التي تضرب الاتحاد السوفيتي نتيجة سياسات الزراعة، والضغط المستمر على الشعب من أجل النهضة الصناعية، وقد قوبل رأي ناديا بفيض من الإساءات المبتذلة والمعاملة القاسية من قبل زوجها؛ مما دفعها للانتحار.

سفيتلانا أليلوييفا: العصفور الصغير الذي هرب إلى أمريكا

تعكس حياة أبناء ستالين تقلبات الاتحاد السوفيتي وقسوة والدهم أيضًا، فقد عانت ابنته الوحيدة سفيتلانا أليلوييفا بسبب طبيعة والدها منذ الصغر، بدأ الأمر بالمعاناة التي أصابتها في عمر السادسة نتيجة موت أمها بمرض الدودة الزائدة كما أخبروها، والذي تبين بعد ذلك أنه كذب، وأنها ماتت منتحرة بسبب معاملة والدها القاسية، كما أمر الزعيم أيضًا بالقبض على خالتها وعمها المحبوبين لديها لكونهما أعداء للشعب في فترة التطهير العظيم، وجرى إعدامهما مع آخرين من أقارب وأصدقاء عائلة أمها.

Embed from Getty Images

سفيتلانا أليلوييفا

تدخل ستالين في حياة ابنته الشابة مرات عديدة وعلى كافة المستويات، في الحياة الشخصية والعمل وحتى الدراسة، فقد رفض دراستها للأدب في جامعة موسكو الحكومية، ومنعها من رؤية حبيبها اليهودي وأرسله لمعسكرات الاعتقال للعمل، كما ظل رافضًا زواجها من يهودي آخر ولم يقابله أبدًا حتى انفصلت عنه، وتزوجت أحد المقربين من أبيها والذي سريعًا ما انفصلت عنه أيضًا.

وحتى بعد موت والدها تدخلت الدولة في شؤونها ومنعتها الحكومة من الزواج من حبيبها الشيوعي الهندي، براجيش سينج، فأقدمت على تغيير لقبها من اسم والدها إلى اسم والدتها قبل الزواج من أبيها (ناديا أليلوييفا) للتملص من سيرة ستالين التي تلاحقها.

وجدت الابنة الوحيدة لستالين صعوبة بالغة أثناء نشأتها في الكرملين تحت رعاية والدها، على الرغم من أنه كان يحبها بشدة، ودائمًا ما قدم لها الهدايا، وأطلق عليها لقب العصفور الصغير، فإنها لم تكن سعيدة أبدًا وانتظرت طويلًا الفرصة للهروب.

تاريخ

منذ 4 شهور
«جزيرة نازينو».. هنا أكل السجناء بعضهم بعضًا أحياءً بمباركة نظام ستالين

سافرت سفيتلانا أليلوييفا إلى دلهي عام 1966 بحجة حضور جنازة حبيبها الهندي، حسب رواية «نيويورك تايمز»، وفي دلهي دخلت السفارة الأمريكية وقدمت طلب لجوء سياسي، ثم ذهبت للعيش في الولايات المتحدة، وحصلت على الجنسية الأمريكية وتزوجت من المهندس المعماري ويليام ويسلي بيترز، ثم اختارت اسم لانا بيترز بدلًا من اسمها الثاني لتنفي عن نفسها أي صلة بوالدها الزعيم.

وصلت أمريكا عام 1967 وعملت مؤتمرًا صحفيًّا تحدثت فيه عن والدها والنظام السوفيتي وفسادهما، ونشرت بعد ذلك كتابين من مذكراتها عن رحلتها إلى الحرية في أمريكا، الأول بعنوان «عشرون رسالة لصديق»، والثاني بعنوان «عام واحد فقط»، وصفت فيهما والدها بأنه «بشع أخلاقيًّا وروحيًّا»، ووصفت النظام السوفيتي بأنه «فاسد للغاية»، كما شبهت المخابرات السوفيتية بـ«الجستابو» (الأمن السري) الألماني في عهد هتلر.

سفيتلانا أليلوييفا تتحدث عن والدها

صدم هروبها الرأي العام السوفيتي في عهد بريجنيف، ووضع السوفيت في موقف حرج أمام العالم، وشكلت ورقة ضغط كبيرة لأمريكا في الحرب الباردة، وعادت إلى روسيا عام 1984 ثم رحلت بعد عام واحد فقط إلى أمريكا مرة أخرى، وتوفيت عام 2011 هناك بعمر 85 عامًا.

ياكوف جوجاشفيلي: الابن الأكبر الذي انتحر بالكهرباء في معتقل ألماني

بالرغم من كونه الابن الأكبر لستالين، فإن العلاقة بينهما لم تكن جيدة في أي مرحلة منها، وقد ولد ياكوف جوجاشفيلي في جورجيا، وانشغل عنه والده بعمله السياسي، فتربى على يد عمه، ولم يقابل والده أو يعرفه إلا بعد سن الرابعة عشرة حين سافر إلى موسكو بعد موت والدته في جورجيا.

بدأت العلاقة بين الأب وابنه في وقت متأخر؛ مما أفقد الأمور طبيعتها، كان الزعيم يحتقر ابنه ويراه ضعيفًا، وحاول ياكوف الانتحار في شبابه بعد رفض والده دراسته للقانون والزواج من حبيبته، وأجبره ستالين على دراسة هندسة التوربينات والبطاريات بدلًا من القانون، ودعم دخوله الجيش، وبالفعل التحق ياكوف بالمدفعية عام 1940، وشارك في الحرب العالمية الثانية ضد الألمان في الصفوف الأمامية.

وقع ياكوف في الأسر الألماني خلال معركة سمولينسك عام 1941، وأكد مفوض لواء ياكوف في رسالة إلى المدير السياسي للجيش الأحمر، أن ابن ستالين هو من استسلم للألمان ولم يقبضوا عليه رغمًا عنه، وأشارت مواد الأرشيف الروسي التي نشرتها الصحافة الألمانية إلى أن ياكوف لم يستسلم طواعية للألمان فحسب، بل انتقد بشدة أثناء الاستجواب الجيش الأحمر ووصف قادته بأنهم «غير حكيمين وأفعالهم غبية».

ياكوف جوجاشفيلي في معسكر اعتقال ألماني

استشاط ستالين غضبًا من تسليم ابنه الأكبر نفسه للألمان؛ إذ كان يعد الاستسلام خيانة للوطن، وأصدر الأمر العسكري رقم 270 في أغسطس (آب) 1941، وتضمن الأمر أن كل ضابط ومفوض من الجيش الأحمر السوفيتي جرى أسره أو استسلم يعد خائنًا للوطن الأم، ويجب أن يحكم عليهم بالإعدام عند عودتهم إلى الديار، وستعتقل الشرطة أقاربهم من الدرجة الأولى، ووفقًا لهذا الأمر العسكري، قبض على الزوجة الثانية لابنه ياكوف وسجنت لمدة عامين، ومن ثم ترك ابنه وحيدًا في معسكر الاعتقال.

انتصر السوفيت على النازيين في معركة ستالينجراد، وأراد الجانب الألماني تبادل ياكوف مع الجنرال فريدريك بولوس القائد النازي الذي استسلم بعد المعركة، ولكن الزعيم رفض بشدة، واشتهر عنه الرد غير الموثق تاريخيًّا (أنا لن أستبدل مارشال بملازم أول).

Embed from Getty Images

جثمان ياكوف عالقًا على السياج الكهربائي بمعتقل «زاكسينهاوزن» 

توفي ياكوف منتحرًا عام 1943 في معسكر اعتقال «زاكسينهاوزن» بالقرب من برلين، عن عمر يناهز 36 عامًا، وأفادت التحقيقات الخاصة برئاسة البروفيسور جون إريكسون عام 2009 إلى أن ياكوف انتحر بالقفز على السياج الكهربائي في المعسكر، وأطلقت الشرطة العسكرية الألمانية النار على جسده، وقد أقدم على ذلك متأثرًا بمشاجرة مع سجين بريطاني، وبخه هو وأباه بسبب قتل نظام ستالين 15 ألف جندي بولندي في غابة كاتين عام 1940.

فاسيلي: ترك ستالين يموت أمامه ولم يطلب له الإسعاف

منذ طفولته عاش فاسيلي ابن الزعيم الأصغر متأثرًا بانتحار والدته ناديا عام 1932 وهو في عمر الحادية عشرة، وظل مسكونًا بذكرى انتحار والدته طويلًا؛ مما جعله مدمنًا على الكحول منذ صغره، فضلًا عن شغبه الذي لم ينقطع.

تخرج فاسيلي من المدرسة التجريبية، والتحق بالجيش، وتسبب في العديد من الفضائح، مثل التحرش بالفتيات، والإقلاع بالطائرات في حالة سكر دون تدابير أو أي اعتبارات وقائية، وجرت ترقيته إلى رتبة رائد، ثم رتبة عقيد بعد بضعة أشهر فقط، وبعد الحرب حصل على رتبة لواء، ورغم ذلك تشير التقارير إلى أنه لم يظهر يومًا أي موهبة في القيادة.

Embed from Getty Images

ستالين مع ابنه فاسيلي وابنته سفيتلانا أليلوييفا

قبض علي فاسيلي بعد وفاة الزعيم مباشرة، للاشتباه به في القيام بعمليات تجسس لصالح الألمان أثناء الحرب، وهو ما لم يقدم عليه دليل حتى اليوم، وقضى في السجن نحو سبع سنوات وأطلق سراحه عام 1960 بعد مناشدته للزعيم الجديد للاتحاد السوفيتي، خروتشوف.

جرد فاسيلي من رتبته العسكرية وجرى تسريحه من الجيش، وسجن مرة أخرى لقيادته السيارة مخمورًا مما تسبب في وقوع حادث، وطلب منه تغيير لقبه حتى لا يشوه سمعة ستالين، ومنع تمامًا من دخول موسكو، وتوفي في قازان عن عمر يناهز 41 عامًا بسبب إدمان الكحول، وهناك رواية تقول إن فاسيلي قتل والده عمدًا، حين ترك والده مصابا بجلطة دماغية دون استدعاء سيارة إسعاف أو طبيب للمساعدة.

بالوصول إلى هنا، يكشف تتبع سيرة أسرة ستالين أن شخصية الزعيم الحديدية لم تؤثر في روسيا والعالم فقط، بل كان لها بالغ الأثر في حياة أفراد عائلته والمقربين، وتسبب لهم بالعديد من المآسي والأحزان والموت.

المصادر

تحميل المزيد