جلست كاتلين ميلر على حاسوبها الشخصي تنتظر البريد الإلكتروني التي كانت متشوقة لرؤيته كثيرًا، كانت تعمل محررة كتب، ويُعد الإنترنت محل إقامتها الدائم، والذي تعمل من خلاله على تحرير الكتب وتلقِّي الطلبات، فيما تعتمد على شبكات التواصل الاجتماعي للاطمئنان على الأهل والأصدقاء. ولأنها كانت تعمل على توليد الكثير من البيانات يوميًا، قررت أن تتعرف على ما يعرفه عنها الإنترنت؛ فأرسلت طلبًا لإحدى شركات جمع البيانات من أجل إعداد تقرير حول كل ما يعرفه الإنترنت عنها. 

«واو! كان ذلك سهلًا»

بدت الفكرة مخيفة؛ إذ تساءلت عما سيحدث إذا اشترت بيانات عن نفسها من «وسطاء البيانات». لكنها لم تبق أسيرة التفكير كثيرًا؛ إذ إنها من خلال بحث سريع على «جوجل» وجدت شركة توفر تفاصيل ومعلومات حول صافي ثروة أي شخص يطلبه العملاء، كما أنها توفر معلومات حول العمر، والرمز البريدي، والتعليم، ومجموعة من المعلومات الشخصية الأخرى. 

تقول كاتلين: «كل ما كان عليَّ فعله هو إعطاء الشركة عناوين البريد الإلكتروني للأشخاص الذين أرغب في الحصول على معلوماتهم، وقد كانت تلك المعلومات – في حالتي – بريدي الإلكتروني؛ للحصول على بياناتي الشخصية، وذلك مقابل رسوم قدرها 50 دولارًا».

Embed from Getty Images

وبينما تنتظر كاتلين البريد، وصل التقرير إلى صندوق الوارد الخاص بها، وذلك بعد ساعات قليلة من طلبها الذي أرسلته للشركة، وكان البريد المرسل معنونًا بعبارة «واو! كان ذلك سهلًا». تساءلت كاتلين داخل نفسها إن كان التقرير المعد يحمل بيانات لا تعرفها كاتلين عن نفسها؟ إلا أنها لم تنتظر كثيرًا، وانخرطت في فحص البريد بتمعن. 

في البريد المرسل من قبل الشركة وجدت كاتلين ملف «بي دي إف»، وجدول بيانات، وملف (txt). بدأت بجدول البيانات، لكنها لم تكن مثيرة للاهتمام، فتوجهت إلى ملف الـ«بي دي إف»، والذي كان يحتوي على مجموعة من المخططات الدائرية، والتي لم تحظ باهتمامها أيضًا، فشعرت بأنها أهدرت أموالها. 

أخيرًا فتحت ملف الـ«تكست»، والذي كان عبارة عن مستند (Notepad)، والأكثر فائدة من بين الثلاثة؛ إذ كان المستند يتضمن الكثير من البيانات حولها، مثل عنوان البريد الإلكتروني، والعمر، وصافي الثروة، والرمز البريدي، لكنَّ الكثير من البيانات كانت خاطئة تمامًا.

تقول كاتلين: «إذا كنتم تحبون النسب المئوية، فإن ما يقرب من 50٪ من البيانات الواردة في المستند عني كانت غير صحيحة»! فقد كانت العديد من البيانات قديمة جدًا؛ إذ ذكر التقرير في بند الوظيفة أنها طالبة، في حين أنها أصبحت محررة كتب، وبالتالي أصبحت تلك البيانات غير مجدية لأغراض التسويق، أو حتى للأغراض الشائنة.

وسطاء البيانات وسوق المعلومات الشخصية

لم تكن تجربة كاتلين للحصول على معلوماتها المسجلة في الإنترنت مثيرة لها كما كانت تعتقد، وهو ما يُعد بمثابة تجربة تكشف – عن قرب – عالَم بيع البيانات وتداولها عبر «سماسرة» يعملون على تجميعها وتقديمها للزبائن، كلٍّ حسب غرضه. 

فبالرغم من أن تجربة كاتلين أظهرت أن سوق جمع البيانات لم تزل تعاني من مشاكل في عدم دقة تلك البيانات، إلا أن هذا العالم في تطور مستمر؛ ما يعني أنه سيكون أكثر دقة في المستقبل، وسيكون قادرًا على تهديد خصوصيتنا بشكل أكبر. 

ففي عالم اليوم، والذي تعد «البيانات الضخمة» إحدى سماته الأساسية، باتت البيانات إحدى أهم منتجات العصر التي يجري تداولها لأغراض التسويق، والأعمال الإجرامية، والتجسس، وفي عوالم الاستخبارات؛ إذ أصبحت البيانات سلعة يجني بائعوها أرباحًا طائلة. ويأتي وسطاء البيانات وسماسرتها كأحد أهم الروافد التي تجمع وتبيع البيانات؛ ما جعل سوق البيانات تنمو بسرعة، كما جعلها سوقًا رائجة.

يُعرِّف «نورتون» – أحد أبرز مضادات الفيروسات – وسطاء البيانات على أنهم: «أشخاص وشركات تجمع معلومات عنك، ثم تبيع تلك البيانات للآخرين. ويمكن أن تكون المعلومات التي يجمعها وسطاء البيانات واسعة النطاق، بدءًا من تاريخ ميلادك، وعنوان منزلك، والمسمى الوظيفي، وعدد الأطفال، وحتى اهتماماتك، والأماكن التي ترتادها». 

وطبقًا لـ«WebFX» هناك أكثر من 4 آلاف شركة وساطة بيانات تعمل في جميع أنحاء العالم عام 2019. من بين تلك الشركات «Acxiom»، إحدى أكبر الشركات في هذا القطاع، والتي لديها 23 ألف خادم يجمع ويحلل بيانات مستهلكي الإنترنت. كما تمتلك الشركة بيانات 500 مليون مستهلك للإنترنت حول العالم.

Embed from Getty Images

وتذكر «WebFX» أنه في عام 2012 حققت شركات وساطة البيانات أرباحًا بقيمة 150 مليار دولار. فبالرغم من أن سوق بيع البيانات جديدة إلى حد كبير، إلا أن كبار الوسطاء في هذه السوق باتوا يمتلكون بيانات ملايين البشر حول العالم. ففي الولايات المتحدة وحدها يُذكر أن 80٪ من عناوين البريد الإلكتروني مسجلة على منصة «Towerdata»، والتي يوجد من زبائنها المُعلَنِين كبار الشركات في العالم، والتي من بينها شركة السيارات «تويوتا».

كما تحتوي قواعد بيانات مثل «ProPublica» على معلومات سياسية لـ80٪ من الناخبين الأمريكيين المسجلين، بما في ذلك الانتماء الحزبي والمساهمات المالية من قبل الأشخاص في الحملات الانتخابية.

يبيع سماسرة البيانات المعلومات بشكل عام في شكل قوائم معلومات للأشخاص في فئات محددة، ففي معظم الأحيان تُفرز هذه القوائم حسب الاهتمامات والخصائص، مثل «عشاق اللياقة البدنية»، أو «الآباء الجدد»، أو «النباتيين»، أو «محبي القطط»، إلا أن بعض القوائم تكون مثيرة للتساؤل؛ إذ باعت إحدى الشركات قوائم لأشخاص يعانون من حالات صحية، مثل: فقدان الشهية، وتعاطي المخدرات، والاكتئاب، مقابل بضع عشرات من الدولارات. 

ففي فضيحة كبرى كُشِفَت عبر جلسة استماع في الكونجرس الأمريكي حول وسطاء البيانات، أظهرت الجلسة أن شركة تسمى «MEDbase 200» رَوَّجت قوائم تضم معلومات تندرج تحت فئة ضحايا الاغتصاب، ومدمني الكحول، والمصابين بأمراض جنسية، وذلك مقابل 79 دولارًا لكل ألف جهة اتصال. وفي خطوة منها – واستجابةً لردود فعل أعضاء الكونجرس المستهجنة لما فعلته – حذفت الشركة بعض هذه القوائم، في الوقت الذي كانت قد حققت فيه أرباحًا كبيرة من بيع تلك القوائم لشركات الصناعات الطبية.

وأمام هذه الماكينة الهائلة التي تعمل على جمع وبيع بياناتنا، ليس لدينا نحن الأفراد فرص لوقف بيع بياناتنا، أو حتى الحصول عليها، من دون شرائها، إلا أن بعض المنصات أصبحت توفر البيانات لأصحابها لإلقاء نظرة عليها مجانًا. فعلى سبيل المثال تسمح شركة «Acxiom» للمستهلكين بإلقاء نظرة خاطفة على ملفاتهم من خلال موقع ويب يسمى «About The Data». والذي وجد الكثيرون فيه أن ملفاتهم مليئة بالبيانات الخاطئة.

وبالرغم من أن سوق بيع البيانات تعتمد كليًا على وسطاء البيانات؛ إذ لا يجنى المكاسب من وراء بيع البيانات سواهم، ولا يستطيع الأشخاص أصحاب البيانات – مستهلكو الإنترنت – تحقيق أي مكاسب من بيع بياناتهم، فإنه عن طريق بعض وسطاء البيانات بات بإمكان الأفراد الحصول على بعض المكاسب، وذلك عن طريق إحدى طريقتين: 

  1.  منع منصات بيع البيانات من استخدام بياناتك الشخصية وبيعها للعملاء، من خلال تقديم طلب لمنصة البيانات بمنع بيع المعلومات التي تخصك، إلا أن ذلك يأخذ الكثير من الوقت. في حين توفر بعض المنصات خدمة للاشتراك السنوي مقابل عدم تداول بياناتك وتزويد العملاء بها فور دفع الاشتراك.
  2. توفر بعض المنصات الأخرى مثل «Datacoup» إمكانية تحقيق الأرباح عبر السماح بالوصول إلى حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وبيانات معاملات بطاقاتهم الائتمانية مقابل أرباح شهرية يحصل عليها صاحب البيانات، والتي تُقدر في «Datacoup» بثمانية دولارات شهريًا.

لكن.. كيف يحصلون على بياناتنا؟

تبيع أكثر من 1400 علامة تجارية رائدة – في الولايات المتحدة وحدها – بيانات ومعلومات زبائنها إلى وسطاء البيانات، فاعتمادًا على المتجر الذي تتعامل معه، وعبر حساباتك على شبكات التواصل الاجتماعي، وبطاقة الائتمان، يمكن إضافتك إلى مجموعة متنوعة من قواعد البيانات المختلفة. 

فعلى سبيل المثال إذا قمت بشراء هاتف جديد من أحد المتاجر الإلكترونية، فقد تباع معلوماتك لشركات تتطلّع إلى التسويق لمحبي تحديث هواتفهم باستمرار، وهكذا في كل مرة نقوم فيها بشراء شيء ما، يحصل المتجر الذي نشتري منه على بياناتنا، والتي تباع لسمسار بيانات، وبهذا أصبحت بياناتنا عالية القيمة، وتحقق لوسطاء البيانات الكثير من الأرباح. 

Embed from Getty Images

في المقابل لا تحتاج شركات سمسرة البيانات إلى العمل بجهد مفرط، أو لدفع الكثير من المال للعثور على بياناتنا؛ إذ يقوم وسطاء البيانات بجمع الكثير من معلوماتهم من السجلات العامة. ويشمل ذلك سجلات المحكمة، وسجلات المرور، وشهادات الميلاد، وتراخيص الزواج، ومعلومات تسجيل الناخبين، وسجلات الإفلاس، وسجلات الطلاق!

كيف نحمي معلوماتنا؟ أدوات التعمية هي الحل

في الولايات المتحدة لا يعتبر بيع البيانات أمرًا مجرَّمًا قانونًا طالما يستمدون معلوماتهم من السجلات العامة المتاحة، إلا أن العديد من الولايات تتابع عن كثب نشاط أولئك السماسرة، وتشرِّع قوانين لضبط عملية جمع وبيع البيانات. 

ففي ولاية كاليفورنيا يحق لقاطنيها الحصول على نُسَخ من المعلومات التي تخصهم، والتي يبيعها وسطاء البيانات، كما يمكنهم طلب محو المعلومات، وعدم بيع بياناتهم. كما تلزم ولاية فيرمونت وسطاء البيانات وجميع الشركات التي تبيع أو تشارك البيانات عن سكان الولاية بالتسجيل في قاعدة بيانات عامة، ومشاركة المعلومات حول كيفية عملهم؛ وذلك لضمان عدم العبث ببيانات سكان الولاية.

Embed from Getty Images

في هذا السياق وفي المقابل ظهرت خدمات تعمل على الحفاظ على معلومات الأشخاص بعيدةً عن وسطاء البيانات، مثل منصتي «DeleteMe»، و«PrivacyDuck»، واللتين تعملان على حجب بيانات عملائها عن سماسرة البيانات، لكن مقابل اشتراك سنوي بمئات الدولارات. 

ولحل لهذه المعضلة أصبحت ثقافة الحفاظ على الخصوصية هي الحل الأمثل في العصر الحالي، والتي تعمل على رفع الوعي بكيفية استخدام الإنترنت، وعدم إعطاء بياناتنا بقصد أو بدون قصد لشبكات التواصل الاجتماعي ووسطاء البيانات. وتتمثل هذه الإجراءات في عدم نشر معلومات على شبكات التواصل، والتي قد تضر بنا، أو تُستخدم من قبل سماسرة البيانات بشكل لا نرغبه، حيث توفر كل شبكات التواصل البيانات للسماسرة، والتي تعتبر مصدرًا غنيًا بالمعلومات لهم. 

كما أن استخدام أدوات التعمية، التي لا تُظهر بياناتنا – مثل متصفح «Tor» الذي يسمح باستخدام الإنترنت بشكل مجهول الهوية أثناء تصفح «الويب» – يساعدنا في الحفاظ على بياناتنا، وإبقائها سرية، ومخفية عن الآخرين، ومن بينهم سماسرة البيانات.

إن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة أصبح أمرًا اعتياديًا في عالم اليوم، أما عن المستقبل فهو يبشر بزيادة حجم البيانات التي نشاركها مع «الآخرين» الذين لا نعلم من هم، ولا كيف يستخدمون بياناتنا. المستقبل الذي يبشر بزراعة الرقائق في أجسامنا وأدمغتنا، والتي ستجمع بدورها بيانات حول طريقة عمل أجسامنا وتُؤرشفها للوصول إليها طوال الوقت. 

ستصبح عملية مشاركة البيانات غير مقتصرة على المعلومات التي ننشرها على شبكات التواصل، أو تفاصيل بطاقة الائتمان، أو المعلومات الشخصية التي تحصل عليها المتاجر التي نتعامل معها، بل سيتعدى الأمر إلى مشاركة معلومات حول حرارة أجسادنا، نبضات قلوبنا، والأمراض التي تقيسها الأجهزة الذكية، والتي تسجلها وتحللها، ستتداخل التكنولوجيا لتشكل جزءًا من أجسامنا. لذا يجب علينا التحلي بالمعرفة، وتعلُّم الحفاظ على بياناتنا لكي لا يحصل غيرنا – في المستقبل – على بيانات ربما لا نعرفها نحن عن أنفسنا.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد