يبدو أن المهارات ليست هي كل ما يتطلبه الأمر للفوز بمباراة في عالم كرة القدم. لكن هناك عوامل أخرى أصبحت مهمة، وربما أكثر أهمية من المهارات وإبداع المدير الفني. إذ يلعب علم البيانات (Data Science) الآن أيضًا دورًا كبيرًا في عالم كرة القدم. قد يبدو من المستحيل إمكانية تصميم مباراة كرة قدم وتسييرها كما تريد مسبقًا بالضبط، ولكن مع البيانات الصحيحة وتوافر منصة تحليل قوية، بدأت الفرق حول العالم وخصوصًا الأوروبية في تطوير خوارزميات خاصة بها للنجاح واقتناص الفوز والبطولات.

إيان جراهام.. الجندي المجهول في ليفربول

التألق الكبير الذي يشهده فريق ليفربول لا يعود إلى تألق لاعبيه فقط، وعبقرية مديره الفني الفنية، الأمر أكثر من هذا بكثير، وهناك «جنود مجهولون» يعملون خلف الستار دون أن نعرف عنهم أو نسمع بهم. ربما يقول البعض: وما الجديد، دائمًا ما يوجد جنود مجهولون مثل مدرب اللياقة مثلًا؟ الأمر هذه المرة مختلف كثيرًا.

أحد الأسباب الرئيسية يعود إلى أحد المديرين في فريق عمل المدير الفني الألماني يورجن كلوب، وهو إيان جراهام الذي يعمل مديرًا للأبحاث بالفريق. هذا الرجل مهمته ما يسمى «علم البيانات» التي ترتبط بالإحصائيات وربط الأرقام واستنتاج فرضيات معينة منها تساعد في اتخاذ القرارات.

كان يورجن كلوب في أسبوعه الثالث بعد توليه مهام تدريب فريق ليفربول الإنجليزي عندما وصل جراهام، إلى مكتبه يحمل مطبوعات. أراد جراهام أن يُظهر لكلوب، الذي لم يكن قد التقى به بعد، ما الذي يمكن أن يحدثه عمله من فرق. ثم أعرب عن أمله في إقناع كلوب باستخدامه بالفعل.

نشر جراهام أوراقه على الطاولة أمام كلوب. وبدأ بالحديث عن مباراة قام خلالها فريق بروسيا دورتموند، النادي الألماني الذي دربه كلوب قبل انضمامه إلى ليفربول، في الموسم السابق. وأشار إلى أن دورتموند كانت لديه العديد من الفرص ضد فريق ماينز، وهو نادٍ أصغر سينتهي به المطاف في المركز الحادي عشر. لكن فريق كلوب خسر بهدفين مقابل لا شيء. بدأ جراهام في شرح ما أظهرته مطبوعاته عندما سأله كلوب عما إذا كان قد شاهد هذه المباراة الجنونية من وجهة نظره؟

لكن جراهام لم يكن قد شاهد المباراة. بل كان مشغولًا في ذلك الوقت بتغذية نموذج رياضي حاسوبي قام ببنائه بكل محاولة وتمريرة وتسديدة يقوم بها لاعبو دورتموند خلال فترة كلوب. ثم قام جراهام بتقييم كل مباراة من مباريات دورتموند بناءً على كيفية تقييم حساباته لأداء اللاعبين في ذلك اليوم. الفرق كان لافتًا للنظر.

Embed from Getty Images

(المدير الفني لفريق ليفربول يورجن كلوب)

كان دورتموند قد احتل المركز السابع خلال موسم كلوب الأخير مع هذا النادي، لكن النموذج الرياضي قرر أنه كان يجب أن يحتل المركز الثاني. كان استنتاج جراهام أن الموسم المخيب للآمال ليس له علاقة بكلوب، رغم أن سمعته تراجعت بسبب ذلك. لقد صادف أنه كان يدرب أحد أكثر الفرق قلة في الحظ في التاريخ الحديث.

أشارت البيانات إلى تفوق دورتموند في الاستحواذ، وفي التسديدات على خصمه، وتقدمه بشكل واضح في المنطقة الهجومية، لكن دورتموند خسر بسبب خطأين فادحين. وعندما جاء إيان جراهام مع بداية تولي كلوب لتدريب ليفربول، إذا بإحصائياته ومساهماته تغير وجه الفريق تمامًا وتضعه أفضل فريق في العالم حاليًا باعتراف الجميع.

ما لا يعرفه الكثيرون أن إيان جراهام حاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء النظرية، وقد عمل قاعدة بيانات خاصة به تضم 100 ألف لاعب حول العالم من أجل التوصية بأي منهم يجب على ليفربول محاولة اكتسابه، وكيف ينبغي استخدام الوافدين الجدد، وهو ما ساهم في إعادة ليفربول بالفعل إلى أمجاد الماضي.

اللاعب نابي كيتا هو أحد أبرز اكتشافات جراهام، من مواليد غينيا الغربية، وكان يلعب مع نادي ريد بول النمساوي منذ خمس سنوات عندما لاحظ جراهام البيانات التي كان يولدها؛ كان جراهام يرى فيه ما لم يره آخرون. في ذلك الوقت، كان كيتا لاعب خط وسط دفاعي وفي بعض الأحيان، يتطور لاعب خط الوسط المدافع إلى لاعب خط وسط مركزي، ويتقدم أكثر للأمام مثلما فعل كيتا، بل وصل الأمر إلى اللعب كلاعب خط وسط هجومي. كل ذلك أبرزته إحصائيات جراهام.

الإحصائيات.. كلمة السر في تألق ليفربول

يدمج ليفربول تحليل البيانات في القرارات التي يتخذها حاليًا أكثر من الأندية الكبرى الأخرى، سواء فيما يتعلق بالشراكات واستقطاب اللاعبين أو حتى أسلوب اللعب المتبع. ربما من الصعب قياس المقدار الذي ساهم به هذا في أدائه الحديث، لكن النتائج كلها تشير إلى نجاح هذا الأمر بشكل غير مسبوق.

الموسم الماضي، أنهى ليفربول موسمًا جيدًا للغاية في البطولة الإنجليزية. خسر مباراة واحدة فقط من مبارياته الـ38 في الدوري الإنجليزي الممتاز، لكنه احتل المركز الثاني خلف مانشستر سيتي بفارق نقطة واحدة في اليوم الأخير، وذلك بعد فوزه في كل مباراة من مباريات الدوري منذ يناير (كانون الثاني) 2019. سجل ليفربول الرقم القياسي لأكبر عدد من النقاط في موسم واحد (97 نقطة) من قبل الوصيف.

رياضة

منذ 7 شهور
«مكانهن ليس المطبخ».. كيف تطورت كرة القدم النسائية من الحظر إلى الازدهار؟

في الوقت نفسه الذي كان يطارد مانشستر سيتي في الدوري، كان ليفربول ينافس ضد أفضل الفرق من دول أخرى في دوري أبطال أوروبا ليحصد لقب البطولة أخيرًا على حساب توتنهام لأول مرة منذ عام 2005. في الدور نصف النهائي من هذه البطولة، قام الفريق بشيء أقرب للمعجزة عندما حول هزيمته من برشلونة في مباراة الذهاب بثلاثية نظيفة إلى فوز تاريخي بأربعة أهداف.

هذا الموسم يسير ليفربول بخطى ثابتة وواثقة نحو حصد لقب الدوري الإنجليزي لأول مرة منذ حوالي 30 سنة بعدما زاد الفرق كثيرًا بينه وبين أقرب منافسيه ليستر سيتي ومانشستر سيتي إلى ما فوق 15 نقطة. ونظرًا إلى أن المزيد من الأندية تفكر في توظيف محللين بدون خلفيات لعب كرة القدم لمحاولة الحصول على ميزة تنافسية، فقد كان موسم ليفربول الماضي والحالي بمثابة استفتاء على مدى نجاح هذه الممارسة.

ليفربول ليس وحيدًا.. أرسنال أيضًا

عام 2012، اشترى نادي أرسنال الإنجليزي شركة «StatDNA»، وهي شركة تحليل بيانات كرة القدم التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًّا لها، ولديها قوة عاملة ضخمة في شرق آسيا، مقابل 2.165 مليون جنيه إسترليني. ويتردد أرسنال فيما يتعلق بالكشف عن أي شيء عن أساليب «StatDNA»، إذ من الواضح أن الفريق يعدها سلاحه السري. أرسنال يعد من أوائل الأندية الإنجليزية التي استثمرت في مجال الإحصائيات والبيانات.

تعد هذه الشركة خبيرة في مجال تحليل أداء البيانات الرياضية، وكان يفترض أن تكون حاسمة بالنسبة لمركز أرسنال التنافسي. تستخدم الرؤى التي تنتجها الشركة على نطاق واسع في عمليات كرة القدم في أرسنال في الكشف وتحديد المواهب، وإعداد خطط اللعب، وتحليل ما بعد المباراة، واكتساب رؤى تكتيكية.

قاعدة بيانات «StatDNA» هي الآن قاعدة بيانات أرسنال، لذلك إذا أراد المدير الفني التوقيع مع مدافع، على سبيل المثال، طوله ستة أقدام وأربعة بوصات، وهو قارئ ممتاز للعبة وممرر دقيق للكرات، فإن ضغطة واحدة على زر ستظهر أفضل الخيارات المتاحة في عالم كرة القدم. في الوقت الذي جرت فيه عملية الاستحواذ على هذه الشركة كان آرسين فينجر هو المدير الفني، وهو شخص معروف بحبه للسيطرة ومقاومته العامة للتغيير، لكن بدا أنه قد قبل هذا الأمر مكرهًا بعض الشيء. عمومًا غادر فينجر الفريق عام 2018.

كيف تغير الإحصائيات كرة القدم؟

لقد أثرت الإحصائيات وعلوم البيانات في التكتيكات المستخدمة في ألعاب مثل البيسبول وكرة السلة في السنوات الأخيرة. وبالمثل، يبدو أنه سيكون لها تأثير كبير في كرة القدم، التي لم تكن تعتمد بشكل واضح وتقليدي على الإحصائيات.

تستخدم معظم الألعاب الرياضية مجموعة من الإحصائيات لتقييم الفرق واللاعبين. حتى وقت قريب، لم يهتم أحد في كرة القدم كثيرًا بأمور أخرى غير مَن سجَّل الأهداف. الآن نلاحظ أننا نحصل على إحصائيات حول عدد التسديدات التي قام بها اللاعبون المختلفون، والنسبة المئوية من الوقت الذي سيطر فيه كل فريق على الكرة، والكثير من المقاييس الأخرى. ولكن لا يبدو أن أيًّا من ذلك يقدم شرحًا أوضح لما يحدث في الميدان، بما في ذلك الفريق الذي يتمكن من الفوز بالنهاية.

على سبيل المثال، الكرة التي تنحرف من المدافع وتعبر خط نهاية الملعب تمنح الخصم ضربة ركنية، وهي تعد فرصة لتسجيل الأهداف. من الناحية النظرية، تعد الضربات الركنية جيدة، ويبدو أن الحصول على المزيد منها أكثر من خصمك يشير إلى استراتيجية ناجحة. إلا أن هذه الضربات الركنية تكون أكثر فائدة لبعض الفرق من غيرها. تعمل الفرق التي تضم مهاجمين يتمتعون بمهارة في اصطياد الكرات الركنية بالرأس وتسجيل الأهداف على محاولة الحصول على أكبر قدر من هذه الكرات مثلًا.

لكن في المقابل، فإن الفرق التي تضم لاعبين مهاجمين لديهم موهبة للهروب من المدافعين، غالبًا ما يفضلون استغلال فرصهم في اللعب المفتوح. لا تحاول هذه الفرق الحصول على ضربات ركنية، ولا تشعر بالسعادة بشكل خاص عند الحصول عليها، وربما يكون فريق برشلونة مثالًا واضحًا على هذا الأمر، بعكس فريق ريال مدريد الذي سبق وأن منحته هذه الركنيات بطولات بالفعل.

عصر التحليلات من البداية حتى اليوم

يقول تيد كنوتسون، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «StatsBomb»، المختصة في تحليلات كرة القدم «اعتدنا أن نسمع أن كرة القدم كانت معقدة للغاية، وتتدفق بشكل حر ولا يمكن أن نطبق البيانات والإحصائيات عليها، لكن هذا ليس ما يقال هذه الأيام». إذ أصبحت شركات الإحصائيات في قلب ثورة البيانات التي طال انتظارها في هذه الرياضة.

ليس استخدام الأرقام والإحصائيات أمرًا جديدًا تمامًا في هذه الرياضة. على مدى عقود، جمع المعلقون إحصائيات عن كل شيء، بدءًا من الفوز المتواصل إلى إجمالي عدد الكرات العرضية داخل منطقة الجزاء في مباراة واحدة. ولكن على مدار العقد الماضي، ظهرت هذه الإحصائيات ظهورًا علميًّا أكثر بكثير، وهو ما لم يغير فقط من نتائج الفرق، بل أيضًا كيفية توزيع الأموال على توظيف مواهب جديدة.

بدأ عصر التحليلات في كرة القدم بجدية مع ما يسمى «بيانات الحدث الحبيبية»، وهي عبارة عن سجلات مفصلة لكل حركة في المباراة. في عام 2006، كان فريق من مصممي البيانات في شركة «Opta Sports» ومقرها لندن، يقومون بالضغط على الأزرار لتسجيل وقت كل تمريرة وموقعها، وتسديدة. اليوم، تحتوي كل مباراة على «Opta» على حوالي ألفي نقطة بيانات مختلفة.

بعد ذلك جاء نظام «الأهداف المتوقعة»، وهو نظام لحساب احتمالية تسجيل أي تسديدة، على أساس المسافة والزاوية من المرمى. أصبح هذا المفهوم سائدًا عام 2017 عندما عرض على أبرز العروض التلفزيونية في الدوري الإنجليزي، «مباراة اليوم».

وكان التأثير الأكبر لهذه الثورة المفاجئة للبيانات على مستوى اللاعب ما يتعلق بالتوظيف والاحتفاظ باللاعب أم الاستغناء عن خدماته. يمكن للأندية الآن إعداد قائمة مختصرة من اللاعبين الذين تتطابق إحصائياتهم مع شروط التعاقد معهم، كل ذلك دون مغادرة الملعب. يمكن للكشافة بعد ذلك تقييم المباريات ولقطات الفيديو لمجموعة أصغر من اللاعبين، مما يوفر الوقت والمال.

تحسب بعض البرامج التقنية الصلة التاريخية بين تصرفات اللاعبين على أرض الملعب ومستوى الأداء العام لفريقهم، وتخصص لكل لاعب تصنيفًا. يمكن للأندية استخدام البيانات لمعرفة ما إذا كان اللاعب سيعزز، أو يضعف، أو يحدث فرقًا طفيفًا في مستوى الأداء العام لفريقه.

داخل الأندية، يقول الطاقم الفني للمدربين إن هذه التقنيات الجديدة تساعد وتمكّن المدربين والكشافة، وتساعدهم على أداء وظائفهم بشكل أفضل وأسرع وأكثر ذكاءً. يقول خافيير فرنانديز، عالم البيانات في نادي برشلونة لكرة القدم إن معظم الأسئلة المثيرة للاهتمام التي يتلقونها من المدربين هي أشياء لا تغطيها البيانات التقليدية. «يتحدث المدربون عن المساحات، خلق المساحات والدخول إلى المساحات. لذلك أدركنا أننا بحاجة إلى طرق أكثر دقة لفهم المساحة على أرض الملعب».

لذلك، في أحدث ما وصل إليه هذا المجال، طور علماء البيانات تقنية تسمى «الظلال»، حيث تتنبأ الخوارزميات بالإجراءات الأكثر احتمالاً التي سيتخذها اللاعبون في مواقف معينة. يمكنك هنا تحديد سيناريو محدد يميل إلى تعطيل الخصم، ويعطيك، على سبيل المثال، نافذة مدتها 30 ثانية حيث يكون الخصم غير منظم. هذه هي الثلاثين ثانية التي يركز عليها المدير الفني في تدريبات اللاعبين.

استثمارات كبيرة في عالم البيانات

ولأن كرة القدم أصبحت تعتمد اعتمادًا متزايدًا على البيانات، بدأت شركات بتطوير قواعد بيانات متخصصة في هذا المجال. النموذج الأبرز هو قاعدة بيانات «InStat» الواسعة لإحصائيات كرة القدم من شركة إنتل. يستخدم أكثر من 1500 نادي وفريق هذا النظام، والذي يتميز بمعلومات عن أكثر من 400 ألف لاعب. ووفقًا لموقع الشركة، يضاف أكثر من 6 آلاف تسجيل فيديو جديد إلى قاعدة البيانات كل شهر، وتوظف الشركة 500 شخص في مركز الإنتاج والبيانات الخاص بها لتحليل وتوثيق كل مباراة، بما فيها من تسديدات، وتمريرات، ونسب استحواذ، وغيرها الكثير.

رياضة

منذ سنة واحدة
لماذا أعلن نادي أرسنال أنه يبحث عن توظيف عالِم بيانات؟

وفي حين أن بيانات «InStat» يمكن أن تثبت أهميتها في مجالات مثل تحليل الخصوم، والإعداد للمباريات، والبحث عن اللاعبين المناسبين لشرائهم، فإن الأندية تقيِّم أيضًا أداء لاعبيها باستخدام أجهزة استشعار يمكن ارتداؤها. تستطيع سترة «Catapult Sports» النموذجية القابلة للارتداء مع جهاز «OptimEye S5»، على سبيل المثال، جمع ما يصل إلى ألف نقطة بيانات في الثانية. ويمكنها قياس مستويات اللياقة والمهارة، والاستجابة لأساليب التدريب المحددة، والأداء التكتيكي، وخطر الإصابة.

ويعد «STATsports Apex» أحد أقوى أجهزة الاستشعار القابلة للارتداء في الرياضة، ويمكنه حساب أكثر من 50 مقياسًا في الوقت الفعلي. بالإضافة إلى مؤشرات الأداء الأساسية مثل السرعة القصوى، والعصبية، ومعدل ضربات القلب، وتوازن الخطوات، يمكنه أيضًا ترقيم عدد العوامل المؤثرة، بما في ذلك ارتفاع معدل الأيض، وحمل الإجهاد الديناميكي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد