انطلقت، أمس، فعاليات النسخة الثالثة من مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في العاصمة السعودية الرياض، المعروف باسم «دافوس الصحراء»، وجاء المؤتمر بعد النسخة الأولى التي انعقدت في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، عندما وصل عدد الحضور إلى نحو ألفي مشارك، يديرون أصول حول العالم تصل قيمتها لأكثر من 22 تريليون دولار، ثم النسخة الثانية، بالعام الماضي، والتي قاطعها أبرز القيادات الدولية والاستثمارية على مستوى العالم، وذلك ردًّا على مقتل الكاتب والإعلامي السعودي جمال خاشقجي، في الشهر نفسه.

لكن هذه النسخة تبدو مختلفة، فبحسب ما يقول، الباحث في مؤسسة ستراتفور الأمريكية، راين بول، لوكالة «فرانس برس» إن نسخة العام الحالي من دافوس الصحراء «مغايرة جدًّا عن السنة الماضية»، إذ يشارك في هذه النسخة رؤساء أكبر المصارف العالمية وشركات إدارة الأصول وصناديق استثمار عالمية، بالإضافة إلى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ورئيس البرازيل جايير بولسونارو، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، الذي ألقى خطابًا في المؤتمر، وقادة أربع دول أفريقية أيضًا.

دافوس الصحراء 2019.. حضور لافت ولكن!

بحسب الموقع الرسمي لمبادرة مستقبل الاستثمار 2019، فإن مؤتمر دافوس الصحراء المقام في فندق الريتز كارلتون بالرياض، يحضره أكثر من 6 آلاف، من أكثر من 30 دولة، بينما يتجاوز عدد المتحدثين الـ275 شخصًا، لكن السؤال الآن، مع هذا الحضور القوي هل تتغير نظرة المستثمرين إلى المملكة؟

في الواقع ما يجعل نسخة دافوس الصحراء مختلفة هذه المرة، ليس أرقام الحضور فقط، ولكن المؤتمر يأتي في وقت بات الطرح المزمع لعملاق الطاقة «أرامكو» قريبًا جدًّا، فبحسب مصادر خاصة، قالت وكالة «رويترز» إنها على اطلاع مباشر، فإن «أرامكو» تستهدف الإعلان عن بدء طرحها العام الأولي في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) بعد إرجاء العملية في وقت سابق من الشهر الجاري؛ لإتاحة وقت للمستشارين لتأمين مستثمرين رئيسيين.

 

وهذا الطرح تترقبه الشركات الكبرى والمصارف العالمية للحصول على دور ما في عملية البيع التاريخية هذه، وهو ما جعل، الأستاذ المساعد في كلية لندن للاقتصاد، ستيفان هارتوغ، يتوقع أن الطرح سبب أساسي لهذا الحضور القوي، قائلًا إن «الحضور سيصبون اهتمامهم على الاكتتاب العام المؤجل لأرامكو بدل تبعات (قضية) خاشقجي».

وعلى المستوى الأمريكي، يترأس ستيفن منوتشين، وزير الخزانة الأمريكي، وفدًا يضم جاريد كوشنر، مستشار الرئيس دونالد ترامب، بالإضافة إلى الرؤساء التنفيذيين لكل من مؤسستي «بلاك ستون» و«سويفت بانك»، ومسؤولين كبار، من أكبر المصارف الأمريكية، منها «جي بي مورجان»، و«بانك أوف أمريكا»، في مساعٍ مباشرة للحصول على حصة، من أسهم «أرامكو».

وبالعودة للحديث عن نظرة المستثمرين، فإن الرياض تواجه صعوبات بالغة في جذب الاستثمارات الأجنبية، منذ منتصف 2014 بعد هبوط أسعار النفط، وهذه الصعوبات تضاعفت في 2017، بعد الحملة التي قادها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إذ تحول فندق ريتز كارلتون – مكان انعقاد المؤتمر- إلى سجن لمئات رجال الأعمال السعوديين وبعض أفراد العائلة الحاكمة.

«محلك سر».. الاستثمارات الأجنبية في السعودية من نصيب أرامكو فقط

عند النظر إلى أرقام الاستثمارات الأجنبية في السعودية، ربما لن نجد طفرة على أرض الواقع، خاصة خلال آخر ثلاث سنوات، بالرغم من أن صعود محمد بن سلمان، كتب نهاية وجود هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما رفع حظرًا على قيادة النساء للسيارات، وسمح بإقامة حفلات موسيقية، وفتح دور السينما التي أغلقت قبل 40 عامًا، كما تغير بشكل ملحوظ الشكل العام في العاصمة منذ صعود نجم الأمير.

كما بدأ اختلاط الشباب في الشوارع والمطاعم، وبدأت إذاعة الموسيقى في مكبرات الصوت، وبعض النساء يرتدين ثيابًا زاهية الألوان، ويحضرن مباريات كرة القدم، وكل هذه المظاهر لم تكن موجودة سابقًا بالمملكة.

على الجانب الآخر سعى الأمير كذلك إلى إصدار عدة قوانين، مثل قانوني الشركات والإفلاس الجديدين، وكذلك تبسيط الإجراءات الإدارية المعقدة، والتي قلصت الوقت اللازم لتسجيل الشركات الجديدة، وبالرغم من توفر فرص استثمارية مميزة في السعودية، ما زال إقناع المستثمرين بدخول المملكة في الوقت الحالي أمرًا صعبًا، وهو ما يهدد تحقيق أحلام ابن سلمان تحقيقًا مباشرًا، وكذلك يهدد مستقبل الاقتصاد السعودي، الذي ما زال يحاول الخروج من آثار هبوط أسعار النفط منتصف 2014، ويتمنى تنويع مصادر الدخل.

«توقيع الاتفاقات التجارية عظيم للعلاقات العامة، لكن ما تحتاجه السعودية حقًّا هو انتقال العديد من مبادراتها للتنمية الوطنية من حيز الفكرة إلى حيز التنفيذ بالتعاون مع شركاء أجانب من القطاع الخاص»

هكذا قال، الباحث المقيم بمعهد دول الخليج العربية في واشنطن، روبرت موجيلنيكي، في حديث له مع وكالة «رويترز»، فعندما ننظر إلى المؤتمر الأول الذي أقيم في 2017، كان مشروع «نيوم» هو جوهر المؤتمر، لكن لم يتحقق أي تقدم يُذكر بخصوص المدينة حتى الآن، عدا تشييد قصور ملكية ومطار.

أيضًا بالرغم من تعثر المؤتمر في نسخته بالعام الماضي، استطاعت السعودية توقيع صفقات بمليارات الدولارات، لكن معظمها كان من نصيب «أرامكو»، والتي هي محور المؤتمر الحالي كذلك.

 

ولكن صعوبات استقطاب الاستثمار الأجنبي في السعودية تخص المشروعات خارج قطاع النفط، بما في ذلك الصناعات التحويلية، وذلك بهدف خلق ملايين الوظائف للسعوديين، بينما رقميًّا نجد أن تقرير حديث صادر عن الهيئة العامة للاستثمار، كشف عن إصدار 291 رخصة استثمار أجنبي خلال الربع الثاني من عام 2019، وما يعادل أكثر من الضعف مقارنة بالفترة نفسها من عام 2018، وبزيادة نسبتها 103% مقارنة مع الربع الأول من عام 2019.

التقرير قال إن خمس رخص استثمار أجنبية تصدر يوميًّا، تشمل كافة القطاعات، إذ شهد قطاع البناء إصدار 61 رخصة، إضافة إلى القطاعات الأخرى مثل قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات الذي شهد إصدار 51 رخصة، وقطاع التصنيع الذي شهد إصدار 45 رخصة، بالإضافة إلى عدد التراخيص المتنامي في القطاعات الأخرى.

في المقابل، تظل الاستثمارات الضخمة التي كانت محور الحديث منذ 2017، غائبة؛ فبحسب ريتشارد سيجال، من مانولايف لإدارة الاستثمار فإن «الفرص المتاحة حتى الآن تتركز في الأسهم المدرجة والاستثمار المباشر، أما الخصخصة أو الطروح العامة الأولية فظلت تقتصر على قطاع النفط والغاز».

بينما نقلت وكالة «رويترز» عن أحد الحضور، الذي طلب عدم ذكر اسمه، قوله «إنه رغم أن المؤتمر اجتذب مزيدًا من المشاركين هذا العام، فإن التحدي هو أن نرى ما إذا كان الناس سيواصلون القدوم بعد ذلك، لاسيما بعد إتمام صفقة أرامكو».

ولمحاولة تجنب أن يكون المحور هو «أرامكو» فقط، تأتي مساعي الأمير محمد، خلال آخر ثلاث سنوات، لجذب رواد وادي السليكون مثل شركات «فيسبوك» و«مايكروسوفت» و«أبل» و«أمازون»، للسعودية لم تنجح حتى الآن، ناهيك عن أن التحدي الآن في السعودية هو: كيف تتخطى أزمة النمو الحالية.

0.7 % انكماش في 2017.. شبح الانكماش يقوض الفوائد

في 2017، خلال أول نسخة لمؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» حدث انكماش بالاقتصاد السعودي بواقع 0.7%، والآن رغم أن النسخة الحالية تبدو واعدة، فإن المحللين يتوقعون أن يشهد العام الجاري انكماشًا جديدًا، إذ تقول الخبيرة الاقتصادية ببنك «أبوظبي» التجاري، مونيكا مالك، إن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة قد ينكمش بنسبة 0.2% استنادًا إلى تخفيضات إنتاج النفط.

بينما كشفت بيانات رسمية سعودية أن اقتصاد البلاد شهد تباطؤًا حادًّا في الربع الثاني من العام الجاري، إذ نما بنسبة 0.5% في الربع الثاني مقارنة به قبل عام، انخفاضًا من نمو سنوي بلغ 1.66% في الربع الأول من 2019، فيما يشير إلى أن الاقتصاد السعودي يمر بما يمكن وصفه بالانتكاسة.

قبل أن تنبهر بالموازنة «التريليونية» للسعودية.. يجب أن تعرف إجابة هذه الأسئلة

المفارقة هنا أنه في الربع نفسه، بحسب البيانات الرسمية أيضًا كما ذكرنا، شهدت البلاد طفرة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لكن لم يكن هناك أي أثر حقيقي في أرض الواقع لهذه الطفرة، وهو أمر غريب بعض الشيء.

على الجانب الآخر، يرى كبير خبراء الأسواق الناشئة لدى «كابيتال إيكونوميكس»، جيسون توفي، أن «الاقتصاد السعودي رسميًّا في حالة ركود الآن»، وذلك استنادًا إلى أن البيانات الرسمية تشير إلى أنه على أساس معدل في ضوء العوامل الموسمية، فقد حدث انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 0.64% في الربع الثاني مقارنة بالربع الأول.

 

في المقابل تتوقع وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسعودية نحو 0.4% هذا العام، فيما توقعت «موديز» نموًّا اقتصاديًّا في 2019 بنحو 0.3%، بعد أن كانت تتوقع نموًّا قدره 1.5%، بينما يتوقع صندوق النقد الدولي تسجيل البلاد عجزًا ماليًّا بنسبة 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2019.

كل هذه المعطيات توضح أن أي مكاسب حقيقية قد تحدث من مؤتمر دافوس الصحراء من الصعب أن نجد لها صدى على أرض الواقع، فمن ناحية معظم الاتفاقات عبارة عن مذكرات تفاهم وليست عقودًا ملزمة، ومن ناحية أخرى فإن الانكماش يعقد المعادلة أكثر. جدير بالذكر أن السعودية أعلنت أنها وقعت أكثر من 20 اتفاقًا استثماريًّا باليوم الأول من مؤتمر دافوس بقيمة 15 مليار دولار، أغلبها في قطاع التصنيع.

هبوط حاد في أول يوم! الأسهم السعودية تتجاهل «دافوس الصحراء»

فيما يمكن عدها مفاجأة، تجاهلت البورصة السعودية الصخب الحادث في «الريتز كارلتون» ودافوس الصحراء، إذ تراجعت الأسهم السعودية تراجعًا حادًّا، أمس؛ إذ دفعت البنوك مؤشر البورصة للانخفاض، إذ فقد المؤشر الرئيسي 1.2%، منخفضًا لليوم الثالث على التوالي.

وسجلت أسهم البنوك هبوطًا ملحوظًا، إذ تراجع سهم مصرف الراجحي 1% وبنك الرياض 1.4%، فيما هوى سهم شركة الخزف السعودي 5.9%، ونزلت أسهم شركة الأسمنت السعودية 5.2%، كل هذه النسب من الهبوط حدثت في حين أن المؤتمر في الوقت نفسه كان يعلن اتفاقات جديدة بنحو 15 مليار دولار.

هذا الهبوط جاء استمرارًا للهبوط الذي سجلته السوق في ثاني جلسات الأسبوع، أول أمس، عندما نزل المؤشر 1.4%؛ إذ فقد سهم مصرف الراجحي 2.9% وتراجع سهم البنك الأهلي التجاري 3.8%، بينما فقد المؤشر كذلك في أولى جلسات الأسبوع، الأحد، نحو 0.3%، وهو ما يوضح أن هناك انفصالًا شبه كامل بين ما يحدث في المؤتمر وما يحدث في سوق الأسهم.

شبح «0%» يطارد نمو اقتصاد السعودية.. هل بات الانكماش أمرًا واقعًا؟

المصادر

تحميل المزيد