في التاسع والعشرين من سبتمبر (أيلول) 2020م، حلم جمال خاشقجي الذي وضع لبنته الأساسية بنفسه قبل موته بأشهر، يبدأ الآن بالتحقق بإذن الله تعالى! منظمة «الديمقراطية الآن للعالم العربي» تدشّن مشروعها لتكون صوت المهمشين والمنفيين والمحرومين، صوت ضحايا القمع والاستبداد في العالم العربي. صوتًا للمعتقلات والمعتقلين بسبب رأيهم وموقفهم السياسي، ووبالًا على الذين مارسوا هذه الاعتقالات، وعلى الذين تحرشوا بدعاة الحقوق والحريات والديمقراطية في العالم العربي عمومًا وفي السعودية خصوصًا.

الفكرة هنا هو أن يملك هؤلاء المؤثرون المنفيون روح المبادرة عوضًا عن أن يكونوا مجرد ردة فعل للأنظمة القمعية، وأن يبادروا بالفعل المدني وبالملاحقة القانونية والإعلامية، ليس فقط لهؤلاء الذين قتلوا جمال خاشقجي -مثلاً- بشكل مباشر وتولّوا مهمّة تقطيعه، وليس فقط أولئك الذين أهانوا والدي الدكتور سلمان العودة في سجنه وحرموه من النوم والعلاج وأقاموا له محاكمة هزلية، وليس فقط أولئك الذين تحرشوا بلجين الهذلول وصعقوها كهربائيًا. وطاردوا عمر عبدالعزيز في منفاه واخترقوا أجهزته، بل أن نفضح -أيضًا- أولئك الذين جعلوا كل ذلك ممكنًا وسهّلوه ومنحوه صبغة قانونية وساهموا في تمرير أدوات القمع وتبريرها.

أعمال القمع هذه تبدأ من المستبدين على رأس السلطة، الذين يريد البعض التبرير لهم بأنهم لا يعلمون، أو بأن البطانة وراء ذلك، ثم تمرّ عبر مسؤولين يعرف الناس أسماءهم، وقد يحاول البعض أن يزعم أن الانتهاكات ليست منهم وأنها مبادرات فردية أو أعمال غير ممنهجة، وفي الوقت نفسه قد يصبح هؤلاء المسؤولون في حالات الفضائح والانتهاكات الكبرى كبش فداء للرؤوس الكبيرة التي تريد أن تحجب نفسها خلف الأجهزة البيروقراطية والقنوات الإدارية، ثم يمرّ القمع عبر موظفين ومسؤولين أصغر، ويمرّ عبر قانونيين وقضاة ومدّعين وإعلاميين وحرّاس سجن وغيرهم، الذين قد ينجون من المحاسبة والرقابة فقط لأن الناس لا تعرفهم، أو ربما لا تعرف دورهم الحاسم في تسهيل هذا القمع من جهة وتبريره ثم الترويج له إعلاميًا.

حان أوان فضح كل أولئك بطريقة تجعل كل من يمارس القمع أو يسهّله أو يبرره أو يروج له يضرب ألف حساب قبل أن يشارك في هذا القمع، وأن نجعلهم في كرسيّ المحكمة الشعبية والرقابة الإعلامية لكي يفكّر أولئك المنتهكون بعواقب القمع والإرهاب والتخويف والتحرش والتعذيب والظروف الأمنية المشبوهة والسجن التعسفي والمحاكمات التي لا تخضع للمعايير العادلة.

لأجل تغريدة واحدة، اعتقلوا والدي: هناك من أمر بهذا الاعتقال، وهناك من باشره، وهناك من ساعد على تنفيذه، وهناك من برّره وسعى له وحرّض عليه. ثم اعتقلوا عمي د. خالد العودة بعده بيومين.

ومرّت بتسلسل إداري وفريق قمعي، ثم منعوا ما مجموعه 19 شخصًا من عائلتي من السفر، ثم فتشوا البيت والمزرعة وفتشوا مكتبتي الخاصة وصادروا بعض كتبي، ثم لاحقوني في الخارج وأوقفوا جوازي وطلبوا عودتي للسعودية، ثم بدأوا محاكمة مشبوهة لوالدي ثم محاكمة شبيهة لعمي. في سجن ذهبان ثم الحائر، عانى والدي صنوفًا مختلفة من الضغط والحرمان ومحاولة الإهانة لدرجة أن يرمى له الأكل في أكياس وهو مقيّد اليدين والرجلين فيضطرّ أن يفتحها بفمه، ولا يزال في العزل الانفرادي إلى هذه اللحظة.

هذه الانتهاكات ليست عابرة أو جزئية أو معزولة، بل هي نتاج سلسلة مترابطة من التسهيل والتبرير جعلت كل ذلك ممكنًا بل وحتميًا، وهذا ما يمكن اعتباره انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان.

ثم في محاكمة والدي السرّية طالبوا بما سمّوه «القتل تعزيرًا» بناء على 37 تهمة فضفاضة وركيكة مثل «الإفساد في الأرض» و«التأليب على ولي الأمر» و«حيازة كتب محظورة» و«السخرية من منجزات الحكومة» وأشياء شبيهة.

في السجن، يقوم محققو أمن الدولة بالانتهاكات أثناء التحقيق دون توفّر أدنى معايير العدالة والحقوق وفي غياب لأي محامٍ أو رقابة، ثم في داخل المحكمة يمارس المدّعي العام والنيابة العامة دورًا محوريًا في مطالب القتل والإعدام هذه، ودورًا هامًّا في عمليات القمع والمحاكمة الظالمة المشبوهة وفي صياغة التهم والمذكرات.

تمامًا مثل السلسلة المشبوهة التي مرّت فيها الأوامر بقتل جمال خاشقجي في القنصلية وتقطيعه، وعملية التبرير لذلك وتسهيله، تمرّ أيضًا هذه الأوامر بملاحقة والدي وعمي وملاحقتي في المهجر، لأن هؤلاء الذين كانوا وما زالوا يمارسون القمع والانتهاك والاضطهاد، لم يدفعوا ثمن هذا القمع والانتهاكات ولم يحاسبهم أحد.

في السعودية، هؤلاء المنتهكون يبدأون رئاسة أمن الدولة والفريق القانوني المرتبط باللواء الذي يدير عمليات الاعتقال والتفتيش والتحقيق، مرورًا بالضباط الذين مارسوا الانتهاك إلى العميد (عادل الصبحي) الذي يدير سجن ذهبان بكل انتهاكاته، والعقيد (سعد السلّوم) في سجن الحائر وكل انتهاكاته، ومرورًا بالنائب العام (سعود المعجب) الذي يدير عمليات الادعاء المشبوهة بكل الخروقات القانونية والعدلية ويبرر لها في المحاكم، ووكيله الأمني في المحاكم السعودية المدّعي العام (محمد بن إبراهيم بن عتيق السبيت)، كل هؤلاء الذين وثّقت المنظمة دورهم في الخروقات والانتهاكات وآخرون كثر يجري رصد كل الأدوار المشبوهة لهم في الانتهاكات والخروقات والتعذيب والمحاكمات المشبوهة التي لا تتحقق فيها أي نسبة عدالة أو شفافية.

لقد حان أوان أن يدفعوا الثمن القانوني والإعلامي، وفضح هذه السلسلة، والكشف ليس فقط عن فِرَق الاغتيال، بل أيضًا الفِرَق التي تتعاون معها وتسهّل لها مهمّاتها، وتجعل كل ما حصل ممكنًا ويمكن تكراره كل مرّة!

لأجل ذلك، في منظمة «الديمقراطية الآن للعالم العربي» بإدارة «سارة لي ويتسون» -المديرة التنفيذية السابقة لقسم الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش- نفرد معرضًا إلكترونيًا لممارسي الانتهاكات، نقدّمهم كما هم دون رتوش ولا تزويق، ونسمّي الأشياء بمسمياتها الحقيقية، ونخرج للعلن تلك الوجوه المطمورة في أوحال الاضطهاد والقمع، والمختفية خلف المكاتب الصغيرة أو المتشبثة بأجهزتها الصغيرة والكبيرة لأجل أن تمارس قمعها، لأجل أن نقول بأنهم إذا لم يكونوا يخافون الله وحسابه، ولا يخافون العدالة المفقودة في نظام رأسه مقلوب، فإن الرقابة الشعبية ستبدأ من هنا، ستبدأ من الناس، وسنجعل كل فعل قمعي له ثمن شعبي يدفعه هؤلاء القامعون.

*د. عبدالله العودة: رئيس قسم أبحاث الخليج بمنظمة «الديمقراطية الآن للعالم العربي» (DAWN)

عرض التعليقات
تحميل المزيد