أحيانًا كنت أسأل نفسي ما إذا كانت سعادتي كلها ترتكز على كذبة هائلة. *سيمون دي بوفوار لهازل رولي

دُفنا في قبرٍ مشترك، وارتبط اسماهما معًا إلى الأبد، فلا يمكننا أن نفكِّر بواحد منهما من دون التفكير بالآخر: سيمون دي بوفوار، وجان بول سارتر. وجوديَّان آمنا أن شخصيتيهما ليستا أكثر أو أقل من مجموع أفعالهما، ووضعا نفسيهما، طواعية، في مواجهة حكم الأجيال القادمة.

لم يحكِ الثنائي كل شيء لبعضيهما، وبالتالي لنا، حكايتهما التي عرفناها من رسائلهما، التي نُشرت بعد وفاتهما في وقتٍ متأخر، ولكن في المقابلات التي أجرياها أشارا إلى أنَّهما أرادا أن يكونا أكثر انفتاحًا حول نوازعهما الجنسية، والشيء الوحيد الذي منعهما من ذلك تورط أناس آخرين. وقالت بوفوار في حديثها حين كانت في السبعين مع أليس شفايتزر، المناصرة لحقوق المرأة إنها تمنَّت لو كانت صريحة في مذكراتها، لأن الموضوع لم يعد شخصيًّا وتخشى أن تخبر النساء به.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1976 قابلت سيمون دي بوفوار في شقتها، في شارع شولشر المواجه لقبر مونتبارناس، هازل رولي، طالبة متخرجة تكتب عن سيمون دي بوفوار الوجودية والنشطة في الحركة النسائية، وسألتها أسئلة ساخنة حول علاقتها بسارتر، والمعايير المزدوجة بين النساء والرجال. لتسجل الطالبة السيرة الأخيرة من حياة سارتر وبوفوار، وتقدمها لنا في رغبة منها لتصوير هذين الشخصين عن قرب في لحظاتهما الحميمية، في كتابها «سيمون دو بوفوار وجان بول سارتر وجهًا لوجه (الحياة والحب)» والذي صدرت الطبعة الأولى لترجمته عن دار المدى في 31 من أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي 2017.

دي بوفوار

غلاف النسخة العربية من كتاب «سيمون دو بوفوار وجان بول سارتر وجهًا لوجه (الحياة والحب)» لهازل رولي

لقاؤنا الأول

كنتُ أعاني الكآبة بسبب قبحي، وهذا ما جعلني أتألَّم. كان عليَ أن أحرر نفسي تمامًا، لأن ذلك ضعف، ينبغي على أي شخص يعرف قوته أن يكون فرحًا، وأنا أدعو ذلك صحة معنوية؛ لأنه حين يكون أحدهم في صحة جسدية ممتازة، فهو يشعر بالقوة الكافية لثني أعمدة مصابيح الشارع بيدٍ واحدة. *جان بول سارتر

حكت هازل رولي كيف كانت بوفوار محط اهتمام سارتر، كانت في الحادية والعشرين من عمرها، الأصغر سنًا بين طالبات السوربون، عندما اتخذ سارتر الخطوة الأولى. فخلال المحاضرات المملة دأب سارتر ورفاقه على تسلية أنفسهم برسم اسكتشات ساخرة، وقد اختار سارتر رسمًا وقحًا وكتب عليه «إلى مدموزيل دي بوفوار»، لكن بوفوار لم تر سارتر إلا رجلًا قصيرًا جدًّا، أحول يضع على عينيه نظارتين، وقبيحًا جدًّا، كما أخبرت أختها هيلين. وكان إدراك سارتر بأنه قبيح قد صدمه بقسوة كصدمة حجر أُطلق من منجنيق، وعاش بسبب ذلك معذبًا لا يحتمل أن ترفضه امرأة؛ لذا قرر إغواء النساء بالكلمات.

بدأ الحوار بين بوفوار وسارتر عندما زارت غرفته في المدينة الجامعية مع أصدقائها، ووجدتها غرفة قذرة، هواؤها مثقل برائحة الجسم البائتة ودخان التبغ، وكانت الزيارة من أجل تبادل القراءات لأبحاث الفلاسفة حول الميتافيزيقا والعقد الاجتماعي، وفيها تفوَّقت بوفوار على سارتر، إذ أشارت إلى بعض العيوب في حججه، والتي نتجت عن حبه لفك الأفكار المعقدة، وجعلها مفهومة ومثيرة.

في يومياتها عن هذه الليلة، كتبت بوفوار: «بدا لي عقله جبارًا على نحوٍ مميز، إني معجبة به وأشعر أيضًا بالامتنان الكبير للطريقة السخية التي قدم بها نفسه».

حكت بوفوار عن بداية تحدثهما بعضهما لبعض وتبيَّن لبوفوار أنها لا تجادله إلا بقصد اللهو، حتى كان سارتر وبوفوار وحدهما من بين أصدقائهما، ضمن الـ26 طالبًا الناجحين في الامتحانات التنافسية للحصول على صفة مدرِّس في المدارس الثانوية التابعة للدولة، وفي ليلة إعلان النتيجة أخذ سارتر بوفوار للاحتفال بنجاحهما، وقال لها: «من الآن فصاعدًا، سآخذك باليد»، ومنذ ذلك الوقت كانا نادرًا ما يفترقان، وبين جلسات أصدقائهما كانا يفضِّلان البقاء وحدهما، يتحدثان في البارات والمقاهي التي كانت محظورة على بوفوار، ولكن لم يكن الأمر كما يميل الناس لاعتقاد أن سارتر هو الذي حوَّل بوفوار من مطيعة برجوازية إلى متحررة، فلقد شجع سارتر بوفوار على المضي في الطريق الذي كانت صممت على المضي فيه، كما أظهرت يومياتها.

كيف يرى الفلاسفة الحُب؟ بين اختيار الوحدة وتعدّد العلاقات

بوفوار تفقد عذرية الجسد والقلب

ما أضيق عالمي الصغير إذا ما قيس بعالم سارتر الغني. *بوفوار في يومياتها عن هذا الوقت.

كما حكت لها بوفوار – ووصفت هازل رولي في كتابها- كيف كانت بوفوار ابنة لمجتمع لا يُسمح فيه للنساء بالتحدُّث، ولا التصويت بالانتخابات، ولا التنزُّه بمفردهنّ، ويُنظر فيه بشفقة إلى الفتاة غير المتزوجة، في حين يشرب الرجال الخمر، ويتسكَّعون مع العاهرات، أما سارتر فقد غيرت قسوة والدته وزواجها الثاني من نظرته، فانفصلت حياته الجنسية عن أحلامه عن الحب، فكان رومانتيكيًّا يمارس الجنس مع المومسات، وارتبط في خطبة بفتاة برجوازية في فترة الجامعة وانفصلا، ثم تمتَّع بعلاقة عاصفة مع سيمون جوليفيه، شقراء تعمل بالبغاء منذ مراهقتها، يجدها زبائنها إلى جوار الموقد تقرأ وهي عارية، فكانت لها طموحات في أن تغدو كاتبة.

كتبت عنها بوفوار في يومياتها: «إن ثقافتها ومشيتها الفخورة، وتقنيتها المصقولة التي استخدمتها في أداء مهمتها، لفتت إليها أنظار كبار موظفي المدينة ومحاميها».

دي بوفوار

بوفوار وجان بول سارتر في مرحلة الشباب

في إحدى ليالي عام 1929 الصيفية قضى سارتر مع دي بوفوار بعض الوقت، في قرية سافرت لها مع أهلها بينما كانا ما يزالان طالبين، وكان سارتر مستمعًا جيدًا، فحكت له سيمون عن أسرتها وحياتها وأزمتها مع الزواج، أما هو فكان لديه مشاريع وخطط من أجل حياتهما المستقبلية، سيقومان برحلات ومغامرات، سوف يقدم لها كل ما يستطيعه، إلا شخصه، إنه بحاجة لأن يكون حرًا، وأقنعها هو بذلك، بالحرية الفردية، وظلا يتقابلان كل صباح في القرية، وللهرب من أعين الناس اختارا مكانًا منعزلًا، قبلها فيه سارتر لأول مرة، وتملك بوفوار الارتباك، حتى استمتعت بعناقاته الرقيقة، وقبلاته في مروج ليموزين طوقتها أغاني الطير.

الآن تقبلت من دون إرباك الإحساس المقلق بكوني بين ذراعيه شاعرة بقوته، أشعر بحنان لا حدود له نحوه. هي ذي الحياة التي كنت أنتظرها. *بوفوار عن هذا الوقت.

في الرابع من أكتوبر عام 1929، وفي غرفة بوفوار الواقعة في الطابق الخامس، المطلَّة على أشجار الدلب في جادة دنفرت- روشيرو، فقدت بوفوار عذريتها. فمنذ انفصلت بوفوار عن سكن أسرتها أدركت أنها بحاجة إلى سارتر، وليس إلى إنسانٍ آخر، قد يكون ضئيلًا، لكنه إنسان لا يخشى من الحكم، وأراد لها أن تعانق حريتها.

تحدَّث العاشقان مطولًا حول المستقبل، واقترح سارتر بدلًا من الزواج، «عقد تعايش مدته سنتين»، مرا خلاله بالخدمة العسكرية الإلزامية لسارتر وكتابة دي بوفوار لروايتها، ولكن بعد انقضاء العامين، ورغبة سارتر في السفر والانفصال لسنوات ثم العودة، كانت سيمون ترغب في مغامرة عاطفية قوية، وتتخيل أن تصبح زوجة وأمًا وكاتبة أيضًا، وتغار عليه من إقامته علاقات جنسية مع نساء أخريات، فكان يرى أن علاقتهما ينبغي أن تستمر مدى الحياة مهما تخللتها سنوات البعد، لكن لا ينبغي عليهما حرمان نفسيهما من علاقات «عرضية». وطوال سنوات عدة، استمتع سارتر بحرية في وقت لم تتخيل فيه سيمون حريتها، فكانت غزالة محتقرة، فتاة عانسًا.

تحب الفلسفة ولا تستطيع قراءتها؟.. إذًا شاهدها

دي بوفوار تستسلم للحب ورغباته ولا تدركها

لم أحرر نفسي من محرمات الجنس. ما زال تعدد علاقات المرأة الجنسية يصدمني. *سيمون دي بوفوار عن تلك السنوات.

بعد فترة من الغياب، عاد سارتر إلى باريس ساكنًا مع شابين لا يفضّلهما، يعمل ويمضي وقته الفائض مع الأصدقاء، ويقابل دي بوفوار مرة كل أسبوع، وحين يفترقان بعضهما عن بعض يكتبان لبعضهما في معظم الأيام. كان سارتر يدعوها بـ«زوجتي الصغيرة»، وكانت تدعوه «زوجي الصغير العذب». وقد كتب لها سارتر بعد أسبوعه الأول من عودته إلى باريس: «محبوبتي الغالية، إنها ترعد، وأنا أنظر باستمرار إلى الماضي، إلى تلك الأيام الرائعة التي قضيتها معك»، ولكن كتبت بوفوار في يومياتها ملاحظات مضطربة حول فقدانها كبرياءها، وتعامل سارتر معها معاملته فتاةً صغيرة، ترى الحياة من منظوره، في وقتٍ تحتاج هي فيه لأن تتصالح مع حياتها، إن لم يكن هناك هدفٌ بها، وبدأت تدرك مخاطر وقوعها في حبه، فحسب تعبيره عن نفسه: «عبقريًا غدا جميع أصدقائه شمّاسيه».

دي بوفوار

بوفوار في سن الثلاثين

أصبح سارتر يقلل من نقد بوفوار لنظرياته، ويقارنها ببطلات روايات جورج ميريديث اللواتي بعدما ناضلن من أجل استقلالهنّ، انتهين للاستسلام للحب، ووجدت بوفوار نفسها هكذا معه في الحب، فباستثناء وجوده في باريس تفتقد الفرص لممارسة الجنس والتفكير برجلٍ آخر، وفي وجوده لا تقدر على التحكُّم في رغبتها في الوقت الذي لم يعانِ سارتر فيه المشكلة ذاتها، ما جعلها أكثر خجلًا من شهوتها لتخفيها عنه، حتى وإن بدت عليها، وهو ما وصفته بعد 20 عامًا في كتابها «الجنس الآخر» بالمرأة التي تُقدِّم حياتها حتى يوم حسابها لرجلها الذي تحبه، ترى بعينيه، تتبنى صداقاته وعداواته، وحين تسأل نفسها، تحاول أن تسمع إجابته.

فقدت دي بوفوار انتماءها لأسرتها بعد زواج أمّها، ونعت زوج أمها لها بالمومس؛ بسبب زيارات سارتر لها في منزل الأسرة، ومن ناحية أخرى أصبح أصدقاء سارتر يشعرونها بأنها ساذجة وخرقاء، وساهم سارتر في ذلك بزعزعة ثقتها بنفسها على وجهٍ مؤلم، عند حكيه عن عشيقته السابقة، سيمون جوليفيه، بعدما تحدَّت جوليفيه سارتر بأن تغوي ممثِّل مسرح شهير ومتزوجًا، حتى أصبحت خليلته وشرعت في كتابة مسرحية، وكان يذكر سارتر هذا كمثال على دي بوفوار احتذاؤه، وبعد سنوات، وهو الذي يحتقر الغيرة، أخبر سارتر محاوره، بأنَّ سيمون جوليفيه كانت «علاقته الأولى الجدية»، وأنه خبر معها «أكثر الإنفعالات ألمًا، وأعتقد أنه يمكن وصفها بالغيرة، فعندما طلبت منها الكف عن مضاجعة رجال آخرين، ردت بحسم: هل تمتلكني؟».

كان على بوفوار أن تعيش صراعًا يستمر طوال حياتها مع الغيرة، لكنها روَّضت نفسها بقسوة. الأمر الذي جعلها بَرِمة من غيرة الآخرين. وفي السنوات العشر التي تلت، حافظ سارتر وبوفوار على معتقديهما في الحرية الفردية، حتى كارثة الحرب العالمية الثانية، وإدراكهما أنه بسبب انتمائهما للبرجوازية ذات الامتياز، كانا قادرين على الاحتفاء بوهمهما الكبير لأمدٍ طويل. وخبرا الوهم عندما انحسر مستقبلهما في وزارة التربية الفرنسية، وعينا في مدرستين ببلدتين بعيدتين كالمنفى.

انحسر حلم سارتر في العمل بمكان أجنبي، ليقترح سارتر أن يتزوَّجا ليحصلا على وظيفة في البلدة ذاتها، وأنه من العبث أن يضحيا بنفسيهما من أجل مبدأ، فالزواج لن يكون سوى شكلانيَّة قانونية، ومع إدراك بوفوار فرق معنى الزواج بينهما، رفضت، وبدأت فترة من الوحدة ومكافحة الكآبة والحزن بإجهاد الجسد والقراءة، وكانت تكتب رواية تستكشف فيها الصراع بين الحب والاستقلالية، وفقدت ثقتها بسارتر تمامًا، بعدما أقام علاقة قصيرة مع صديقة دي بفوار المقربة في هذا الوقت، ثم مع امرأة ألمانية متزوجة لزميلٍ له في العمل.

السنوات الكئيبة تأتي

ميدان الإغواء يشبه «النشاط الأدبي»، مع أن إغواء النساء لا يجعلني أشعر بالنبالة. *جان بول سارتر في خطابه لبوفوار.

قضى سارتر فترة من حياته في برلين وصفها بـ«السنوات الكئيبة»، وعاد أقصر وأكثر سمنة، كان «بوذا حقيقيًا»، وكانت بوفوار أسعد مما كانت سابقًا، لكنه لم يكن كذلك، فكان مدركًا على نحوٍ مؤلم أن الزمن يتقدَّم، ولا أحد سمع به، ففي يوميات شبابه كتب: «إن لم أصبح شهيرًا في الثامنة والعشرين ينبغي أن أتخلَّى عن حقي في المجد للأبد»، وحتى ذلك الوقت لم يكتب سوى رواية يراها أصدقاؤه غير مرضية، ويشعر بالإحباط بشأن حياته وعلاقته ببوفوار، بعدما شعرت عشيقته ببرلين أنه يجعل حياتها صعبة دون داعٍ.

دي بوفوار

النسخة الفرنسية من رواية سيمون دو بوفوار «المرأة المحطمة»

أدرك سارتر وبوفوار أنّ اعتقادهما ببنائهما للحب الدائم كان وهمًا، وأن ما كانا يسعيان نحوه كان حياة الفوضى، وفي هذا الوقت صارع سارتر حالة اكتئاب جدية؛ بسبب تناوله لحبوب الهلوسة، ولم تعد بوفوار التي اعتادت إصرار سارتر أنَّ العقل يتحكم بالجسد، تحتمل أفعاله، وأخبرته قائلة: «الجنون الوحيد الذي لديك هو قناعتك بجنونك». وانجلت عن سارتر مشاعر الكآبة، وعاد يسلك سلوك الأطفال -كما عبَّرت دي بوفوار- عندما أقام علاقة مع فتاةٍ طلب منها تبنّيها والإنفاق عليها، وأصبحت الغيرة عند دي بوفوار شعورًا عميقًا، وأصابت الغيرة سارتر أيضًا بعد ما عاش الحب مع شابة صغيرة، يستشيط غضبًا كلما نظرت إلى شاب، وهو الأصلع ذو الكرش، وما جعله يبكي لليالٍ أيضًا كان رفض الناشرين المستمر لمؤلفاته.

انفصل سارتر عن الشابة الصغيرة التي أحبها بعدما تركته من أجل شابٍ في عمرها، ولكي يعالج سارتر نفسه، أقام علاقة مع شقيقتها الأصغر، وكان يكتب لدي بوفوار كل ما يدور بينهما، ثم يكتب لها عن علاقته بممثلةٍ شابة أفقدها عذريتها، ولكن تركته الشابتان بسبب عاداته الغذائية السيئة التي جعلته منفّرًا، وهو ما كان يدفعه كل مرة للإصرار على ملاحقة الفتيات، أمَّا بمرور السنوات عندما أقامت بوفوار علاقة قصيرة مع الشاب عشيق الفتاة التي هجرت سارتر، وصفها بأنها «خسيسة تمارس الجنس مع شاب عشريني».

في طريقنا باتجاه الفندق قال إن خادمة غرفة الفندق تنتظرها مفاجأة، فقد فض بكارة فتاة أخرى في اليوم السابق، ارتعدتُ من الداخل ولم أقل شيئًا، وعندما خلعت ملابسي عدا عقد اللؤلؤ سخر مني، كنت محزونة ولم أفهم لِمَ لَمْ يكن كعادته لطيفًا، كان كمن يريد أن يتوحَّش معي، لكن مع نفسه أيضًا، وكان مسوقًا بدافعٍ مدمِّر. *بيانكا بنيفيلد إحدى عشيقات سارتر في مذكراتها «علاقة شائنة» عن علاقتها به.

بوفوار: أنا أنا؟ أم أنا سارتر؟

إنّ أساس الفلسفة الوجودية لمذكرات بوفوار، كان أيضًا الأساس الفلسفي لعلاقتها بسارتر، وهو أن «المعتقد الفاسد» هو أن تنظر إلى آخر كائن إنساني أو إله على أنه الخلاص، وفي كتاباتها وبالعودة إلى الثمانية عشر شهرًا الأولى من علاقتهما، كتبت بوفوار أنَّ سارتر أصبح عالمها كله، وبفضله أصبحت أكثر فتنة، حتى إنها نسيت نفسها، وكفت عن أن تحيا لمصلحتها الخاصة. كتبت دي بفوار رسالة لسارتر بعد انضمامه للحرب وانفصالهما لفترة: «سنعود كلانا إلى فندق ميسترال، يا حبي أليس كذلك؟ هل سنعيش معًا ثانية؟ وبفجور؟ أيها الكائن الصغير، أحبك كثيرًا، لم أستطع يومًا الكفَّ عن البكاء».

دي بوفوار

صورة لسيمون دو بوفوار عام 1948

لم يكن لدى بوفوار أي شكوك حول اشتهائها الجنس الآخر، فلقد أثارت بوفوار كمعلمة، افتتان عدد استثنائي من التلميذات. وكانت النساء يخبرنها بأنَّها جميلة. أما الرجال فنادرًا ما أخبروها بذلك، وسارتر لم يشعرها أبدًا بأنَّها مشتهاة على نحوٍ خاص. كانت بوفوار تتمتَّع بممارسة الجنس مع الشابات الجميلات، لكنها كانت تقول دائمًا بأن النساء بديلٌ هزيل عن الشيء الحقيقي، وحين كتبت لسارتر حول علاقاتها الغرامية مع النساء تشابه أسلوبها مع أسلوبه، وكان جزءًا من متعتها أنها شعرت كأنما كانت سارتر، وكانت تؤكد معه على الجانب الجنسي لعلاقاتها السحاقية، في الوقت الذي تقلل من أهميته مع الشاب الذي أحبته وما زالت تراسله، والذي أخبرته قائلة: «كان غريبًا أن أكون محبوبة وموضع إعجاب من قبل تلك الشابات، ولكن في أعماقي السحيقة أعلم بأنهن لم يحببنني». وكتبت دي بوفوار: «تلك الليلة، واليوم الذي تلاها، ثم الأيام التي تلت، أربكني سارتر على نحو كامل. شعرنا كلانا بأن كل واحد منا يتحدث بلغة مختلفة تمامًا».

كانت علاقة بوفوار الجنسية مع سارتر قد انتهت. وقد حاولت بوفوار أن تعقلن ذلك. «إنه لمن المستحسن التسليم بأنَّ في الرجال طبعًا يقتل الرغبة». وحين عاد سارتر من الحرب كان على سيمون القبول مرة وإلى الأبد بأنَّ الرجل الذي أحبته إلى أبعدِ حدّ لم يعد يرغب فيها، ولسنواتٍ فقدت حياتها الجنسية توهُّجها، وقد أرجعا ذلك إلى عدم قدرة سارتر على التخلُّص من خجله من جسده. وفي التاسعة والستين من عمره، وفي محادثة مسجَّلة مع بوفوار أُعدَّت للإذاعة، كان سارتر صريحًا تمامًا حين تحدَّث عن نقص الفحولة لديه. وفي صيف عام 1946 تساءلت بوفوار عما ستكتب لاحقًا. أرادت أن تكتب حول نفسها، وقد شجعها سارتر على ذلك حين سألها ذات مرة: «ما الذي يعنيه لك كونك امرأة؟». كانت بوفوار على قناعة بأنَّها ستتخلص من السؤال بسرعة، وشرعت بكتابة ما اعتقدت بأنه لن يتعدى مقالة طويلة. لكن ما أنجزته غدا كتابًا سميكًا، شكل حدثًا تاريخيًّا في القرن العشرين، وقد دعته «الجنس الآخر».

مترجم: الفلسفة والسينما.. كيف تتجرد الحياة المعاصرة من المعنى؟

بوفوار: سارتر.. عزيزي.. هل تتذكرني؟

هل تذكر تلك القاعة بجدرانها الزرقاء الشاحبة حيث كنت أكتب لك؟ أجد آثارك في كل مكان، وتلك طريقة أخرى للإحساس بارتباطنا القوي.. أشعر بأني لن أنفصل عنك للحظة- لا شيء يستطيع أن يفرقنا.»* رسالة بوفوار إلى سارتر في رحلتها لنيويورك عام 1947

تلقت رسالة بوفوار ردًّا وديًّا غير عادي من سارتر قال فيها إنه حجز من أجل عودتها من نيويورك غرفتها الوردية في فندق لويزيانا، وسيكون في انتظارها في محطة باصات القطار. «سنعود معًا وكأننا افترقنا قبل ليلة. سعيد أنا لأني سأكون معك». شعرت بوفوار بنشوةٍ وسعادة، وكتبت إلى سارتر تصفه بالتجربة الأكثر إدهاشًا في حياتها، التجربة الأقوى والأعمق والأصدق. ولكن قبل سفر بوفوار بساعات تلقَّت برقية أخرى من سارتر يطلب منها تأجيل عودتها مدة أسبوع؛ لأن الوضع كان صعبًا مع الفتاة التي كان يواعدها، فكانت تطلب منه الزواج، البرقية التي حطمت بوفوار وعانت بسببها انهيارًا بغيضًا، وبكت طوال أيام، حتى مرضت، ثم عادت إلى باريس بعد ذلك، وكانت عودتها مؤلمة.

دي بوفوار

صورة لسيمون دو بوفوار في شوارع باريس

لأوَّل مرة في حياتها تعاطت بوفوار المخدَّرات لتجابه الاكتئاب، فكانت عواصفها العاطفية تدوم أكثر مما تعترف به، فقد رفضت عرض رجل أمريكي أحبَّته بالزواج؛ لقلقها حول العيش في شيكاغو ورغبتها في العودة إلى باريس، تتحمَّل مع سارتر ألمه لفراق محبوبته، ولكن سرعان ما يقابل فتاة صحافية في الرابعة والعشرين من عمرها في عرض فيلم كتب له السيناريو، وكان فيلم «Chips are down».

كان على بوفوار أن تتنفس الصعداء، فقد انتهى أخيرًا من سلطة محبوبته السابقة عليه، لم يعد مخلصًا لها، ومرة ثانية أصبحت بوفوار على ثقة من وفاء سارتر لها، لكنها وجدت الصحافية الشابة مدرجة في جدول أعمال سارتر في أمسياته وصباحاته. تقول سالي سوينغ، الصحافية الصغيرة: «كان سارتر يعامل النساء كخزانة بأدراج. أنتِ في الدرج الأعلى، هي في الدرج الأسفل. كرهت ذلك. جعلني ذلك مجنونة».

وداعًا حبي الكبير

نعم أزفت اللحظة لأقول: أبدًا، أبدًا لن أحظى برجل.. الشيء الوحيد المهم الذي يمكن أن يحدث الآن هو إما أن أرى سارتر ميتًا، وإما أن أموت قبله. أحيانًا أرغب في إنهاء ذلك كله بسرعة لكي أقلص رعب الانتظار. *بوفوار في يومياتها وهي في سن 55 عامًا

كانت حبوب الكوريدان المنشّطة واسعة الاستخدام في خمسينيات القرن العشرين، ولكن في حين يأخذ منها الصحافيون حبَّة أو نصف حبة ليستمروا في نشاطهم، كان سارتر يأخذ أربعة منها، كان يقضمها قضمًا، ويشرب معها نصف زجاجة من الويسكي، ثم يتناول ليلًا خمس حبَّات منومة حتَّى يفقد الوعي، وفي الوقت ذاته بعدما استقرّ سارتر في شقة مع معشوقة جديدة، وتزوج حبيب بوفوار الأمريكي، كانت بوفوار تشيخ في غرفتها أيضًا، وكانت على قناعة أنها باتت مُبعدة في أرض الظلال، لا تستطيع قبول فكرة أنها لن تستريح ثانية بين ذراعي رجل. وقد قالت في نفسها إنَّه ينبغي عليها أن تحظى بذلك من أجل الكرامة، وفي الوقت الذي قابلت فيه فتاة وأحبَّتها نشرت مجموعة من ثلاث قصص تحت عنوان «المرأة المحطمة»، مدركة فيها على نحوٍ مؤلم جسدها المسنّ، وبعد ذلك بدأت البحث بشأن دراسة شاملة حول الشيخوخة.

دي بوفوار

مصدر الصورة moazedi.blogspot

كانت بوفوار تتعرض لساعات لنوع من الإعصار يعتريها، لا تدرك معه هل استيقظت من كابوس أم هي ميتة حقًا، كانت تفضِّل ألا تطيل التفكير بالهموم التي كمنت بوضوح تحت سطح كتابتها: خوفها من الوحدة، الاستسلام، فقدان الحب. لكنها اعترفت صراحة أنها كانت مسكونة بما وجدته كابوسًا: موت سارتر.

بدأ الفزع قبل موت سارتر بتسع سنوات، عندما وصل إلى شقة بوفوار وهو نصف مشلول، فقد أصيب بسكتةٍ دماغية خفيفة، تكرَّرت بعد ثلاث سنوات حتى أصيب بداء السكري الذي أقعده، وكانت بوفوار تقرأ له كل يوم، وتمسح له بمنديله وجهه بعدما يأكل المعكرونة والأيس كريم، ويتجمَّع الأكل حول فمه، هو الذي أمضى حياته خجولًا، لكنه لم يكن يحتمَّل العناية المفرطة بشخصه، وكان يكره الإمساك بذراعه كأنه أعمى. مع أنه فقد بصره، ولم يعد يستطيع القراءة، كان الحال يمزِّق فؤاد بوفوار.

في روما، في الصيف الأخير، سجَّلا أحاديثهما على شريط، بوفوار تسأل سارتر حول ماضيه. في الأصائل والأمسيات كانا يتمشيان قليلًا. ثم تقرأ له، وفي عيد ميلاده السبعين في عام 1975، نشرت «لونوفيل أبزرفاتور» مقابلة معه قال فيها: «في حياتي عدة نساء. على الرغم من أن هناك، كما هو معروف، واحدة فقط هي سيمون دو بوفوار، ولكن الحقيقة أن هناك عدة».

 

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!