بدت عشية الخميس الرابع من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي هادئة وباردة للغاية في شوارع مقاطعة هيل بولاية تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية، تجتمع الأسرة بجميع أفرادها من أم وأب وأبناء حول مائدة الطعام، ينتظر الأبناء حضور الأب للمائدة، التي لم تتغير في محتواها عن العيد الماضي، أو غيره من الأعياد. مائدة شهية يتوسطها بالطبع الديك الرومي العملاق، ينتظر الولدان أن يحضر الأب للمائدة ليتلو صلاة الشكر، يجلس الأب إلى المائدة أخيرًا ويتلو الصلاة، وما إن ينتهي منها حتى يردد الباقون آمين، فهذه الليلة هي ليلة عيد الشكر.

مشهد يبدو حتى الآن طبيعيًا ومألوفًا للغاية، لكن لنا أن نتصور إذا كان بقية المشهد كالتالي: يهم أحد الأبناء بالانقضاض على الديك الرومي، فيستوقفه أبوه في حزم، يتناول الأب سكينًا من فوق المائدة، ويعالج مؤخرة الديك الرومي فيقتطعها باحتراف، ثم يلقيها في سلة المهملات، فتلتقطها يد شخص آخر في بلد آخر وبالتحديد في مقاطعة آنا، إحدى مقاطعات جزر الساموا أو دولة ساموا المستقلة كما تُعرف رسميًا، ثم يأكلها في نهم. والسبب؟ قصة طويلة من ملايين الدولارات التي تأتي على حساب صحة مواطني تلك الدولة.

البداية.. يأكلون كل شيء إلا المؤخرة

«لا يجوز لمواطن أمريكي أن يمتنع عن أكل الديك الرومي في عيد الشكر» *ألكسندر هاميلتون، أحد الأباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية.

تُعد وجبة الديك الرومي في عيد الشكر عادة قديمة لدى الشعب الأمريكي، يُرجعها البعض إلى وليمة الثلاث أيام التي عقدها الحجاج وقبائل وامبانواج في عام 1621، وبالرغم من تشكيك العديد من الباحثين والمؤرخين في أصل تلك العادة، إلا أنها أخذت في الانتشار والرسوخ في ثقافة الشعب الأمريكي، حتى آلت لما عليه الآن.

فمائدة يتوسطها الديك الرومي في عيد الشكر هي عادة أمريكية أصيلة في الوقت الحالي، تحضرها كافة العائلات الأمريكية حتى المهاجرين، ويمكنك أن تجد لها عشرات وصفات التحضير الشهية موجودة على الإنترنت. بل إن هناك تقليدًا سنويًا يظهر فيه رئيس الولايات المتحدة وهو يعفو عن ديك رومي في البيت الأبيض كي لا يتم ذبحه مطلقًا، إذ إن بقية الشعب يأكلون الكثير منه.

2018 National Thanksgiving Turkey Pardon | President Donald … | Flickr

دونالد ترامب يقوم بالعفو عن ديك رومي في عيد الشكر

على إثر تلك العادة يستهلك الشعب الأمريكي في عيد الشكر وحده ملايين الديكة الرومية سنويًا وصلت في 2019 إلى ما يقدر بـ46 مليون ديك رومي أي ما يعادل حوالي 1.4 بليون باوند من اللحم. أيضًا فإنه وإن كان عيد الشكر هو المناسبة الأهم والأكبر لدى الشعب الأمريكي لأكل الديك الرومي، ولكنها ليست المناسبة الوحيدة، بل هناك أيضًا عيد الميلاد والذي يأكل فيه الشعب الأمريكي ما يقدر بحوالي 22 مليون ديك رومي، أيضًا عيد الفصح وفيه يأكل الشعب الأمريكي حوالي 19 مليون ديك رومي. اللافت للنظر في هذا الأمر أن كل تلك الكميات من الديوك التي تُذبح على مدار العام تقدم كلها مقطوعة المؤخرة، بما يعني أن هناك ما يقدر بـ87 مليون مؤخرة مفقودة سنويًا، إذًا أين تذهب كل تلك الملايين من المؤخرات؟

مؤخرة الديك الرومي.. وجبة شعبية شهية وقاتلة

بُعيد الحرب العالمية الثانية، بدأت الشركات الأمريكية في اتباع فكرة تصدير الأجزاء غير المرغوبة من قبل الشعب الأمريكي من الطعام للدول النامية والفقيرة، ومن تلك الأجزاء بالطبع مؤخرات الديوك الرومي، لتحوِّل بذلك نفايات طعام الشعب الأمريكي إلى ذهب، ولتبدأ منذ ذلك التاريخ مؤخرات الديوك الرومي بغزو الأسواق في جزر الساموا، لتصبح اليوم أحد أكثر الوجبات شعبية هناك، لانخفاض سعرها.

منذ ذلك التاريخ قامت تلك الشركات بحملات دعائية مكثفة لوجبة مؤخرة الديك الرومي، تسوق لها باعتبارها وجبة شهية مشبعة، وتحفز على شرائها، وتقدمها بوصفات ونكهات مختلفة، حتى أصبحت اليوم أحد أهم الوجبات الشعبية في جزر الساموا لتحقق الشركات العاملة في هذا المجال ملايين الدولارات ولكن على حساب صحة الآخرين.

Smoked Turkey Tails | Turkey tails? Really? My mother called… | Flickr

مؤخرات الديك الرومي معلبة في مظهر شهي

يأتي طعم الوجبة الشهي وسعرها المنخفض بثمن باهظ يدفعة شعب الساموا من صحته، إذ تحتوي مؤخرة الديك الرومي الواحدة على 197 سعرًا حراريًا، و15.69 جرامًا من الدهون الضارة، والذي يعني أن ما يعادل 75% من وزن المؤخرة عبارة عن دهون، في حين أن 84 جرامًا كاملين من لحم الديك الرومي الصافي تحمل فقط جرامين من الدهون.

بحسبة بسيطة نجد أن ديكًا روميًا بالحجم المتوسط أي حوالي 13.5 كيلو جرام يحتوي على ما مقداره 330 جرامًا من الدهون، وهو قدر الدهون الموجود في 21 مؤخرة ديك تزن الواحدة 100 جرام فقط، وتزن تلك الـ21 مؤخرة مجتمعين 2.100 جرام أي أن اثنين ونصف كيلو جرام من لحم مؤخرات الديك الرومي يحوي دهونًا تساوي القدر الموجود في 13 كيلو ونصف من لحم الديك الرومي الصافي، وبالتالي؟ 

8 من كل 10 من سكان جزر الساموا يعانون من السمنة

يقدر عدد سكان جزر الساموا بـ 199.955 نسمة ومن اللافت للنظر أن 8 من كل 10 من أولئك السكان يعانون من السمنة، نسبة خطيرة بالطبع لكنها متوقعة في ظل ما يحويه الغذاء الشعبي هناك، وعلى رأسة مؤخرات الديك الرومي من دهون وكوليسترول. تتضح خطورة الأمر أكثر بمعرفة الأمراض الخطيرة التي تتسبب بها السمنة، والتي تتنوع بين 50 مرضًا مختلفًا كالسكر وأنواع عدة من السرطان، وأمراض القلب والدم والسكتة الدماغية، مرورًا بالأمراض النفسية والاضطرابات المزاجية التي يعاني منها أصحاب الوزن الزائد.

سياسة

منذ سنة واحدة
جزر تحت «الاستعمار الأمريكي».. حين انتهت ديمقراطية الولايات المتحدة عند المحيط

وبلغة الطب فإن استمرار ذلك المعدل في الارتفاع، يهدد بكارثة صحية في جزر الساموا، قد تكون أكبر من قدرات الحكومة على التحمل أو الاحتواء، خصوصًا في ظل معاناة العالم من وباء قد استنزف قدراته الصحية حتى في أكثر الدول تطورًا، الأمر الذي يجعل من عملية تصدير تلك الأطعمة لجزر الساموا بالنسبة لبعض النقاد موتًا بطيئًا يباع في الأسواق. بالطبع لا يمكن الحديث عن مؤخرات الديك الرومي باعتبارها عاملًا وحيدًا لزيادة السمنة إلى هذا المنحنى في البلاد، إذ تشير أبحاث أخرى إلى أسباب أخرى مثل الطفرة الاقتصادية بسبب تصدير المواد الخام بعد الاستقلال، وما تبعها من إفراط في الطعام، لكن تظل تلك العادة الجديدة، واحدة من أهم المسببات.

جزر الساموا تنضم لمنظمة التجارة العالمية لكن بأي ثمن؟

مع كل ما سبق يثور تساؤل هام، لماذا لا يفرض المسؤولون المحليون إجراءات اقتصادية صارمة تمنع استيراد تلك المؤخرات وتحمي بها شعوبها من خطر تلك الأطعمة؟ لا تبدو الإجابة عن هذا السؤال بسيطة مثل طرحه، إذ إن منع استيراد الأطعمة الضارة يقابله العديد من العقبات، فالشركات العاملة في تلك المجالات هي شركات عملاقة، نافذة القوى وتدر ملايين الدولارات من تلك التجارة، ما يعني أنها لن تسمح بفرض مثل تلك الإجراءات المهددة لمصالحها واقتصادها وبالتبعية اقتصاد الولايات المتحدة بأسرها. 

Native Peoples - Oceans, Coasts & Seashores (U.S. National Park ...

سكان من جزر الساموا

وبالفعل فقد حاولت بعض الدول التي تستخدمها أمريكا مكبًا لنفايات طعامها ومنها الساموا أن تفرض بعض تلك الإجراءات، إلا أنها تعرضت لحرب شرسة من تلك الشركات، وعلى إثر ذلك قامت حكومة جزر الساموا برفع تلك الإجراءات في سبيل إنهاء تلك الحرب، وأيضًا ثمنًا للانضمام لمنظمة التجارة العالمية، للاستفادة من تلك العضوية وما تخولة من امتيازات تمنحها للدول الأعضاء، من ائتمان اقتصادي، وحرية للحركة التجارية، وانفتاح اقتصادي على الدول الأخرى وغيره.

أما الوجه الثاني، فهو ما أصبحت تشكله تلك الأطعمة باعتبارها جزءًا من الثقافة الغذائية لتلك الشعوب، بفضل ما تقوم به تلك الشركات من دعاية وإعلانات، وبفضل ما تتمتع به تلك الوجبات من أسعار زهيدة تجعلها خيارًا مناسبًا لأغلب فئات الشعب، أصبحت معها تلك الوجبات، جزءًا من البنية الغذائية، والعادات اليومية الراسخة لدى شعب الساموا، ولعل أبرز دليل على ذلك ما شهدته السوق السوداء من أقبال على شراء مؤخرات الديك الرومي في الفترة التي منعت فيه الحكومة استيرادها، بل وصل الأمر إلى استقبال الشعب لخبر رفع حظر الاستيراد بفرحة عارمة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد