المُصارعة الحرة، والملاكمة، وكل الألعاب العنيفة التي قد تجد صعوبة في متابعتها، ليست أقسى ما ابتكره الإنسان في تاريخ الرياضات والألعاب الدموية العنيفة، وفي الحضارات القديمة المصرية واليونانية والرومانية وغيرها من الحضارات كانت هناك رياضات ترفع شعار «اربح أو مُت»؛ فالفائز لا يحصل على ميدالية ذهبية أو فضية، بل الفوز يكون بحياته نفسها، أما الخاسر فهو ميت، أو مشوه، أو مؤمل في أن يعيش ما تبقى له من عمر بعاهة مستديمة، أو إعاقة جسدية. في هذا التقرير نأخذكم في رحلة بين حضارات مختلفة شجعت وأحبت تلك الرياضات القاتلة.

1- مبارزة الصيادين في مصر القديمة.. الفوز أو الغرق بين أنياب التماسيح

الحرب والمبارزة على اليابسة أمر  خطير، ولكنها نفس الأمر في البحار أو الأنهار؛ إذ تكون أكثر خطورة، ورياضة «Fisherman Jousting» أو تبارز الصيادين، من اللعب الدموية التي خلدها التاريخ، والتي تعود أصولها إلى مصر القديمة، وتقوم قواعد اللعبة على انخراط الصيادين على مراكبهم الهشة في ذات الوقت في مبارزة  بغرض إلقاء المنافس في عمق النهر، قد تبدو لك اللعبة بسيطة، ولكن الروح التي يتبارز بها الصيادين أكثر تعقيدًا من قواعد اللعبة.

ذُكر في علم المصريات أن تلك اللعبة كان لها هدف ديني؛ لأن الجداريات التي جسدت تلك اللعبة على حوائط معابد مصر القديمة كانت تُظهر مراكب المتنافسين مليئة بالقرابين التي تقدم للآلهة؛ ولذلك فتلك المبارزة ليست من أجل الفوز بلعبة مائية، بل من أجل الفوز برضا الآلهة عن طريق قتل من يحاول منعك من الوصول إلى تقديم القرابين أو منافستك عليها،  وعادة من كان يخسر كان يتحول إلى طعام للتماسيح، أو الغرق؛ لعدم قدرته على السباحة.

شاهد كيف تُلعب تلك الرياضة في الحاضر من هنا.

بداية اللعبة في مصر القديمة، والدموية التي تمزيت بها لم تمنعها من الانتشار في باقي الثقافات والحضارات، وظلت مستمرة حتى يومنا هذا، ولكن بعد أن تخلصت من جانبها القاسي، فلا يشارك فيها إلا من يستطيع السباحة، ولا يهدف اللاعب إلى قتل غريمه، بل زادت في مراسمها بعض الرفاهية مثل فرق التشجيع النسائي التي تنشر البهجة، بدلًا عن التماسيح التي كانت تنثر دماء الخاسرين على شاطئ النهر.

2- مصارعة الأسود.. اقتل الوحش وإلا سيقتلك

«إذا نجوت اليوم، تخُض الحرب مرة أخرى في الغد»، تلك هي القاعدة الأولى لرياضة الـ«Venatio»: اللعبة الدموية الأشهر في الحضارة الرومانية القديمة، والتي تعني باللاتنية «الوحشية»، وربما شاهدت من قبل طقسًا واحدًا من تلك اللعبة إذا كنت شاهدت أحد الأفلام السينمائية التي تدور أحداثها في تلك الحقبة، عندما يواجه رجل بسلاح أحد الأسود لمحاربته؛ فإما أن يقتل الوحش، أو يقتله الوحش.

اللعبة التي أدت إلى موت آلاف من البشر والحيوانات هي عقاب أكثر من كونها رياضة؛ فالرجل الذي يشارك في تلك اللعبة إما كان مسيحيًا؛ فيعاقبه الرومان على ذلك، أو كان مجرمًا في أعين المجتمع الذي يحضر تلك المبارايات الدموية مشجعًا الوحش، وليس الإنسان، ولم تقتصر الحيوانات الشرسة المشارِكة في تلك الرياضة على الأسود فقط، بل كان للفيلة والتماسيح والخنازير البرية نصيب من القتال أيضًا، ولكن اللاعب في هذه الرياضة لا يمكن له الفوز أبدًا، فاللعبة مستمرة حتى موت اللاعب.

3- البحر الدموي.. «يا من على وشك الموت.. أحييكم»

ليس غريبًا على أي حاكم أيًّا كان عصره أن يقيم احتفالًا عندما تنجز إمبراطوريته مهمة ما، ولكن طريقة الاحتفال هي التي تختلف، وبالعودة بالزمن إلى الحضارة الرومانية نجد أن الدموية والعنف ناشران أوصالهما في معظم عادات تلك الحضارة، وطقس الـ«Naumachia» الاحتفالي – الذي يُعد رياضة احتفالية في ذاك الوقت – من أكثر الطقوس الدموية التي عرفها الرومان، وأجهزت على روح آلاف من الرجال.

في العام الثاني قبل الميلاد أقيم هذا الطقس احتفالًا ببناء أحد المعابد، وقد ذُكر في أوراق المؤرخ الروماني سوتونيوس أن كل الناس من أنحاء إيطاليا جاءوا إلى مكان الحدث، ومنهم من افترش الأرض أمام الساحة من الليلة السابقة حتى يضمن لنفسه مكانًا للمشاهدة، وتوقفت التجارة في هذا اليوم، ودهست الحشود بعضها البعض متقاتلين على حضور هذا العرض الرياضي الدموي، والذي يتمثل في معركة بحرية دموية يشارك فيها ما يزيد عن 6 آلاف رجل متنوعين بين المحاربين وأسرى الحرب، وتدور المعركة بينهم بالأسلحة والرماح إلى أن تسقط الآلاف من الجثث مع تصفيق الجماهير، وعادة ما يبدأ الإمبراطور – الذي نُظمت الاحتفالية في عهده – الاحتفال قائلًا: «يا من على وشك الموت.. أحييكم».

الرياضات العشرة الأشهر في العالم.. ماذا تعرف عنها؟

4- حينما ترتدي جلد عدوك قفازًا.. الملاكمة في الحضارة اليونانية القديمة

قد تسأل نفسك إن لم تكن محبًا لألعاب القوة فما الذي يدفع رياضيين للمصارعة أو الملاكمة من أجل الفوز؟ ولماذا يتحمل كلٌّ من الطرفين هذا الكم من الألم والإصابات أحيانًا؟ ولكن ما نراه في رياضة الملاكمة في العصر الحديث يعتبر أمرًا هينًا، وليس عنيفًا مقارنة بالملاكمة في الحضارة اليونانية القديمة، والتي حملت اسم «Pankration».

وانضمت للألعاب الأولمبية اليونانية بعام 648 قبل الميلاد، ولكن عادة لا يستمر اللاعبون على مدار الأولمبيات بالمشاركة في تلك اللعبة نظرًا للإصابات القوية التي تقع لهم في اليوم الأول. كسر العظام مقبول في هذه الرياضة، وخاصة كسر أصابع الأيدي والقدمين كان لهما شعبية كبيرة بين جماهير تلك اللعبة، ويمكنك أن تسمع صياح الجماهير بمجرد أن تتردد أصوات العظام المُهشمة، ولي الأزرع حتى تنخلع من الكتف، والركلات لكسر الركبتين، والخنق، وكل شيء تقريبًا كان متاحًا ما عدا إتلاف العين.

وعلى لاعب تلك الرياضة أن يكون ضخمًا ومفتول العضلات؛ حتى يكون قادرًا على إيذاء الآخر بيديه فقط، إلى جانب أن قواعد اللعبة تشترط تصارع المنافسين عراة حتى تترك اللكمات تأثيرًا أقوى؛ الأمر الذي كان ينجح بالفعل؛ حتى أطلق على اللاعب الفائز أنه يرتدي جلد خصمه قفازًا؛ لأنه يخرج من المباراة وقبضة يديه ملطخة بجلد منافسه الذي سلخه من الضرب المُبرح.

5- ركوب الجبال البركانية.. رياضة ممتعة إن وصلت للأرض سليمًا

عندما يسمع البعض كلمة «هاواي»، تراود ذهنه صور مُبهجة عن البحر، والرمال، وركوب الأمواج، ولكن جزر الـ«هاواي» قديمًا كان بها رياضة مُخيفة، وقد لا تجدها مبهجة بقدر تلك الصور الذهنية التي تشتهر بها هاواي، وتحمل تلك الرياضة اسم «Papa Holua» أو «الانزلاق إلى الحفرة».

قبل وصول المبشرين الأوروبيين إلى هاواي انتشرت رياضة الانزلاق إلى الهاوية، وهي رياضة أشبه بركوب الأمواج، ولكن أخطر؛ لأن اللاعب فيها  يركب الجبال البركانية: وهذا عن طريق الاستلقاء بوجهه على لوح خشبي هش، ويقذف نفسه من فوق الجبل، بينما ينزلق اللوح الخشبي بسرعة 50 ميلًا في الساعة؛ على أمل الوصول سليمًا.

ظل سكان هاواي يمارسون تلك اللعبة حتى عام 1825؛ إلى أن تم حظره نظرًا لخطورتها الشديدة، والتي أودت بحياة الآلاف من البشر الساعين وراء الخطر والمغامرة، وهذا ما أكده المغامر ميج وايفر، مراسل «ناشونال جيوجرافيك»، في مقال له عن مغامرته في تجربة تلك اللعبة على نفس الجبال التي كانت تُمارس عليها اللعبة قبل حظرها، وأضاف أن اللعبة قد تكون ممتعة إن توخى اللاعب الحذر، وعلى الرغم من ذلك فقد أصيب ميج في أكثر من مكان بجسده نتيجة لتلك المغامرة؛ بسبب الحصى والطوب الذي احتك بجسده أثناء الانزلاق.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!