بعدما أصدرت محكمة إسرائيلية قرارات بأحقية مستوطنين يهود في الاستيلاء على عدد من المنازل في حي الشيخ جراح في القدس، رفض الفلسطينيون تنفيذ أمر التهجير القسري وترك منازلهم، ما تسبب في شن إسرائيل عدوان غاشم ضد سكان الحي، وضد المصلين في المسجد الأقصى، وبعدما ردت المقاومة الفلسطينية، بدأ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتدمير بنيتها التحتية، وقصف أبراجها السكنية.

وبالرغم من سياساتها و«معاييرها» لتكميم أفواه المساندين لفلسطين؛ تعج صفحات التواصل الاجتماعي بالأخبار والبث الحي لكل ما يحدث على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي سبيل دعم فلسطين وتقديم العون والمساندة، يبدي رواد هذه المواقع من المؤيدين للقضية الفلسطينية تعاطفهم ويساعدون في نشر القضية عن طريق تداول الأخبار والصور وإعادة نشرها والتعليق عليها.

Embed from Getty Images

لكن وللأسف، قد يقع المتفاعلون الداعمون للقضية الفلسطينية، أثناء محاولة تعريف العالم بما ترتكبه إسرائيل من مجازر ومذابح؛ ضحية للإجهاد النفسي وربما الصدمة النفسية، من جراء مشاهد القتل والدمار والعدوان المبالغ فيه الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلي.

ومن أجل الاستمرار في المساندة والدعم دون الوقوع في شَرك الأذى النفسي، سنوضح لك في السطور التالية كيف تتعامل مع الأذى النفسي الذي قد يصيبك.

الأذى النفسي والصدمة.. أذى نفسي يصيب المتابعين لأخبار الحروب

تحدث الصدمة النفسية نتيجة التعرض لأي حدث يشعرك بالعجز والرعب، سواء كان حدثًا جسديًّا أو عاطفيًّا، مثل رؤية مشاهد العنف والإصابات المميتة، وحالات الهدم والدمار، التي لم تعد قاصرة على من يعيش في مناطق الحروب، إنما تغزو جميع الشاشات الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، فأصبح الجميع معرضين للإصابة بتلك الصدمات النفسية.

Embed from Getty Images

ووفقًا لما ذكره الدكتور لاري بيال المتخصص في الصدمات النفسية عن أنواع الصدمات النفسية في موقع «trauma awareness»، فإن ما يصيبنا أثناء متابعة العدوان الإسرائيلي على شعب فلسطين يندرج تحت الصدمة الثانوية، لأن في هذه الحالة يتعرض من نهتم لأمرهم – الفلسطينيون – لضرر فادح وهجوم غاشم، وليس نحن من يقع علينا العدوان، ومن جراء الإصابة بالصدمة النفسية نعاني من مشاعر الذعر والكوابيس الليلية.

عندما يصاب الإنسان بصدمة نفسية، تتوقف المواد الكيميائية في الدماغ عن العمل بشكل صحيح، وتسبب زيادة الحساسية تجاه محيطه، وتكون حساسيته مفرطة تجاه مختلف الضغوطات، فيبالغ في ردود أفعاله.

وغالبًا ما يكون من يتعرض لصدمة نفسية عرضة للإصابة باضطراب نفسي، ويعاني من آلام جسدية، ومشكلات في الجهاز الهضمي، واضطرابات النوم، وفقدان شهية عصبي أو شره مرضي.

كذلك يقع المصاب بالصدمة النفسية تحت تأثير المشاهد المروعة التي تطارد ذهنه باستمرار، وعندما ينام تغزو الكوابيس أحلامه، وقد تدفعه الصدمة إلى محاولة تجنب كل ما يذكره بما حدث، فقد يلغي متابعة صفحات الأخبار، أو يتجاهل المنشورات التي تتابع القضية.

صدمة نفسية
مصدر الصورة: PxHere

قد يكون الأذى النفسي أخف وطأة من الصدمة النفسية، فيصاب المتابع بالإجهاد النفسي، ووفقًا للدكتور بيال فإن أعراض الإجهاد النفسي تنقسم إلى جسدية، وعاطفية، وعقلية، وسلوكية.

أما الجسدية فتظهر في الصداع والإرهاق، وآلام العضلات، واضطرابات الجهاز الهضمي، وتغير ضربات القلب، والطفح الجلدي، وبرودة الأطراف.

وتكشف الأعراض العاطفية عن نفسها بالغضب والاستياء، والاكتئاب، والخوف، واليأس من المستقبل، والشعور بالعجز. قد تصاحبها بعض الأعراض العقلية مثل الصعوبة في التركيز، وعدم القدرة على اتخاذ القرارات، والارتباك، وأحلام اليقظة، وسيطرة الأفكار السلبية.

تتزامن تلك الأعراض كلها أو بعضها مع ردود فعل سلوكية تظهر في إضاعة الوقت، أو نوبات من البكاء والغضب، أو زيادة الأكل أو نقصه، أو زيادة النوم أو نقصه، أو تجنب المهام الجدية والانخراط في الأعمال التافهة.

لكن.. كيف يمكنك التعامل مع الأذى النفسي دون التوقف عن الدعم والمساندة؟

من أجل الاستمرار في دعم القضية الفلسطينية ومتابعة الأخبار وإعادة نشرها دون الوقوع في فخ الأذى النفسي، إليك هذه النصائح التي تساعدك في التغلب على الأذى النفسي الذي قد يُحيدك عن الطريق:

1- البدء في ممارسة الرياضة

نصح الدكتور بيال من يعاني من الإجهاد والتوتر بضرورة جعل الجسم صديقه أثناء المقاومة، بدلًا من أن يتحول لعدوه، وقدَّم الرياضة بوصفها وسيلة فعالة في جعل الجسم ذاته أداة لمقاومة التوتر؛ لأنها ترفع من مستوى الإندورفين في الجسم، وهي مادة كيميائية شبيهة بالمورفين وتعمل مسكنًا للآلام ومضادة للإجهاد بصورة طبيعية.

كذلك تساعد ممارسة التمارين الرياضية في حرق السموم التي تتراكم في الجسم بسبب المواد الكيميائية التي ينتجها الإجهاد، والتي قد تسهم في الإصابة بالاكتئاب، حسبما أوضح دكتور بيال.

2- الكتابة والتعبير عن المشاعر يساعد في تجاوز الصدمات

قد تصيبك الصدمة بعد مشاهدة موقف بعينه، وعندما تتذكره سيراودك الشعور ذاته، وهنا كل ما عليك أن تبدأ بكتابة وصف للحدث الذي أصابك بالصدمة، وأن تصف مشاعرك عندما رأيته.

كما نصحت «اليونيسيف (منظمة الأمم المتحدة للطفولة)» بضرورة مساندة الأطفال الذين تعرضوا لصدمات نفسية في مناطق الحروب بسبب ما شاهدوه من قتل ودماء، وذلك عن طريق التعبير عن المعاناة ومواجهة الذكريات السيئة بالتحدث أو الكتابة عن الأحداث الصادمة، فهذه هي بداية طريق التعافي.

3- تغيير طريقة التفكير

«الخيال أهم من المعرفة» ألبرت أينشتاين

يمكنك الاعتماد على قوة الخيال للتغلب على الأذى النفسي الذي تسببه متابعة الأحداث. اترك العنان لخيالك ليرسم صورة إيجابية لما تأمل أن تؤول إليه الأمور في المستقبل. تابع رد المقاومة الفلسطينية على العدوان الإسرائيلي، وأغمض عينيك، واختر صورًا مريحة إيجابية ترسم النصر الفلسطيني وتحرر المسجد الأقصى وانتهاء الحرب بهزيمة الصهيونية كما نؤمن.

ستساعدك هذه الصور الإيجابية على طرد الأفكار السلبية التي تسبب لك الإرهاق والإجهاد النفسي، ويمكنك حينها استئناف متابعة الصور والمنشورات من جديد.

4- الاسترخاء وأخذ فترات راحة قصيرة

عندما تتابع المنشورات والصور على مدار الساعة، يتراكم التوتر والقلق، وقد يستمر في التراكم عدة أيام مما يسبب لك الأذى النفسي.

Embed from Getty Images

يمكنك اللجوء لاقتناص فترات قصيرة من الراحة والاسترخاء والكف عما يسبب لك الإجهاد، والاستئناف بعدها. تمدك تلك الفترات القصيرة ببعض الطاقة والراحة النفسية، ويمكنك خلال هذه الدقائق القليلة ممارسة التنفس العميق الذي يساعدك على الاسترخاء، أو محادثة أحد أصدقائك، أو قراءة مقالات أو كتب مسلية، أو الرسم، أو أي نشاط آخر يفصلك عن الأحداث بعض الوقت.

5- تحسين جودة النوم

قد تؤثر الأحداث التي تتابعها سلبًا في جودة نومك، مما يسبب لك الإجهاد، فتجد أنك تدور في دائرة مغلقة، لن تستطيع الخروج منها إلا بتحسين جودة نومك.

لا تجعل متابعة المنشورات والصور سببًا في تغيير ساعتك البيولوجية، فمن أجل الاستمرار يجب أن تحقق التوازن بين وقت النوم ووقت الاستيقاظ. ومن أجل التمكن من النوم في موعدك الطبيعي، تجنب تناول الكافيين في الوقت الذي يسبق نومك بحوالي ست إلى ثماني ساعات، كما يجب الكف عن تناول الطعام حينما يقترب وقت النوم.

يمكنك استخدام روتين يومي في وقت النوم ليساعدك على الاسترخاء مثل القراءة، أو الاستماع إلى الموسيقى، أو الاستحمام بماء دافئ. كذلك، اجعل غرفة النوم معتمة، وباردة وبعيدة عن الضوضاء.

إذا استمر ذهنك منشغلًا بالأحداث، ساعده في طرد الأفكار، وفكر في ملمس الوسائد، واستمع إلى أنفاسك، وإن فشلت في النوم لمدة 15 أو 20 دقيقة، فمن الأفضل أن تنهض من السرير وتقوم بنشاط آخر للاسترخاء، حتى تشعر بالنعاس مرة أخرى.

6- المشاركة في حملات الدعم

قد تجعلك مشاهدة الأخبار والصور وإعادة نشرها تشعر بالعجز لعدم قدرتك على تقديم يد العون للفلسطينيين. وللتغلب على هذا الشعور، يمكنك المشاركة في حملات الدعم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مثل حملة الممثل الأمريكي الشهير مارك رافلو لجمع توقيعات إلكترونية لفرض العقوبات على إسرائيل، أو التوقيع على العريضة الإلكترونية على موقع «Change» لوضع اسم فلسطين على خرائط جوجل.

مجتمع

منذ 6 سنوات
دليلك الشامل لتقديم الإسعافات الأولية النفسية لضحايا الحروب والكوارث والحوادث

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد