كلٌ منا يمر بمراحل انتقالية خلال حياته. تغييراتٌ كبرى تجبرك الظروف على التعامل معها، الأمر أشبه بوفاة عزيزٍ أو الهجرة إلى بلدٍ غريب، ويشمل ذلك أيضًا التغيرات الأخرى في الحياة من خانة الأعزب إلى متزوج، ومن خانة المتزوج إلى المُطلق، وكل تغيير من هؤلاء يتطلب منك نمط حياة مختلف ومسؤوليات جديدة تضاف إلى عاتقك. أحيانًا نتساءل ما الذي يخبرنا به علم النفس عن التعامل مع التغيرات الحياتية المفاجئة والدائمة؟ وهذا ما نجيب عنه في السطور التالية.

يقولون «الحياة مراحل».. لكن كيف تبدو المرحلة الانتقالية منها؟

ما نمر به من تغييرات مصيرية في حياتنا، قد يمثل نهاية مرحلة، لكنه إذعانًا أيضًا ببدء مرحلة أخرى جديدة. وما بين المرحلة القديمة والبداية الجديدة قد نعلق في ما يسمونه «المرحلة الانتقالية»، وقد يتمثل ذلك في شكل مشاعر غضب تجاه تجربة ما، أو حزن عميق لوفاة أحد الوالدين لا نستطيع تجاوزه، لكن المؤكد أن تلك الفترة التي نختبر فيها محاولات التأقلم مع العيش بعد تجربة مررنا بها، تمثل انتقالًا في حياتنا يجب أن نهيئ أنفسنا له.

في «علم النفس» تمثل تلك التغيرات الحياتية، الطريقة التي تجبرنا بها الحياة على التطور والنضج كأفراد، وعلى الرغم من أن بعض التغييرات الحياتية قد تكون سعيدة، مثل الزواج، إلا أننا قد نجد صعوبة في التأقلم معها، خاصةً مع بداية التغيير.

بعض التغييرات قد تكون متوقعة، مثل تجربة الهجرة إلى بلدٍ غريب، لكنها تتطلب أيضًا نوعًا معينًا من التأقلم والتكيُّف، والبعض الآخر قد تكون تغييرات مفاجئة، مثل حالات الوفاة وأخبار فقدان الوظائف، ولكل حالة من هذه الحالات طريقة في التأقلم معها؛ إذ تجبرنا تلك المواقف على اتخاذ منحى آخر بالحياة، أو حتى تغيير نمط حياتنا بأكمله.

ندرك جيدًا أن التغيرات والانتقالات الحياتية لا مفر منها، إذ نجرب على مدار حياتنا مجموعة مختلفة منها؛ إلا أنها في كل الحالات لا تعد أمرًا سهلًا، بل قد يحتاج الأمر جهدًا أكبر لدى بعض الأشخاص أكثر من غيرهم، وهنا يكوِّن عقلنا شكلًا من أشكال المقاومة للتغيير الذي أجبرته التجربة على خوضه، وهذه المقاومة قد تظهر في معاناة البعض من الاكتئاب أو من خلال الشعور بالإرهاق أو الغضب أو خيبة الأمل، أو السقوط في بئر لوم النفس بعدما خرجت الأمور عن السيطرة.

Embed from Getty Images

غالبًا ما تكون التغييرات الحياتية صعبة لأنها تحمل داخلها الكثير من الخوف وعدم اليقين، لذا قد يعاني بعض الأشخاص من «اضطراب التكيف»، وهو ما يُعرف أحيانًا باسم «الاكتئاب التفاعلي» نتيجة ضغوط الحياة، وهي حالة من عدم القدرة على التكيف، يعاني منها الأفراد الذين مروا بظروف حياتية مفاجئة لم يستطيعوا التأقلم معها بطريقةٍ طبيعية.

عادةً ما يعاني المصابون بهذا الاضطراب من التوتر والقلق والإرهاق المستمر، مما قد يسبب لهم المشكلات سواء على مستوى العلاقات أو العمل أو الدراسة، وعلى الرغم من أن التأقلم الطبيعي قد يحدث في غضون بضعة أشهر من الانتقال الحياتي الجديد، إلا أن بعض الأفراد يحملون داخلهم رد فعل عاطفي تجاه التغيير لفترات تتخطى ذلك، وقد يصل الأمر بالبعض إلى تعاطي المخدرات أو الكحول للتعامل مع التغيّر الجديد، وهنا يأتي دور العلاج النفسي لاستعادة التوازن العاطفي. لتجنب ذلك، ينصح بعض المعالجين النفسيين باستشارة طبيب نفسي قبل الإقدام على تغييرات كبيرة بالحياةِ، إذ بهذه الطريقة يستعد المرء للتغييرات ويصبح أكثر قدرة على مواجهتها وقت حدوثها.

حتى التغيير الإيجابي قد يُشعرنا بعدم الارتياح

تمثل التغييرات صعوبة أكبر للأشخاص الذين يشعرون براحة مع وجود نمط أو «روتين» ينظم حياتهم؛ إذ يمثل التغيير حينها حدثًا ضخمًا يجعلهم يخرجون عن المألوف، وفي الوقت ذاته، يمكن للتغيير أن يكون سهلًا أكثر على الأشخاص العفويين، ممن يسعون للتجديد في الحياة، ورغم ذلك يمكن للتغيَّرات الكبرى في الحياة أن تعيق حتى أكثر العفويين عن التأقلم عندما تخرج الأمور عن نطاق السيطرة.

بل إن الأمر يمتد ويشمل حتى التغيرات الإيجابية بالحياة، مثل الزواج، أو الأمومة والأبوة حديثة العهد، فعلى الرغم من أن التغيير إيجابي في هذه الحالة ومن المفترض أنه لصالحنا؛ إلا أن تلك المراحل الفارقة بإمكانها أن تُشعرك بعدم الراحة، وما يتبع ذلك من قلق وتوتر زائدين. 

علوم

منذ سنة واحدة
من وجهة نظر علم النفس.. هل يوجد شيء اسمه «طبيعتي الشخصية»؟

السبب في ذلك يعود إلى أن الدماغ يتعامل مع كافة التغيرات الرئيسية التي نواجهها بنفس الطريقة، وبالتالي يمكن للتغيرات الإيجابية أيضًا أن تدفع الدماغ للتعامل معها بنفس القدر من القلق وعدم الراحة، إذ إنها طريقة الدماغ الطبيعية في التعامل مع المجهول.

أزمة الدماغ الحقيقة مع التغيرات، تتمثل في المجهولية وحالة عدم اليقين، وحينها غالبًا ما يتوقع الدماغ السيناريوهات الأسوأ، وعندما يواجه تغيرًا يُشعره بمجهولية القادم وطريقة التعامل معه يصدر استجابته التلقائية القلقة التي عادةً ما تتبع التغيرات. هذا إلى جانب تحيزاتنا المعرفية نحن البشر والتي تؤثر دون وعيٍ منا في طرق صنع القرار لدينا أثناء التغيرات الكبرى بالحياة، إذ يقع العقل حينها فريسة لحالة من الانحياز السلبي. لكن إذ تمكنا من إدراك الطريقة التي تعمل بها عقولنا، سنكون قادرين على تخطي الأفكار السلبية بشكلٍ أفضل، كما يمكننا تحفيز التفكير الإيجابي والتصرف بطريقة أكثر عقلانية.

كيف نتعامل مع التغيير بطريقة صحية؟

حتى نتمكن من التعامل مع التغيرات الحياتية بطريقة صحية، يجب أن نقبل أولًا تحديين، وهما: «التخلي عن الماضي» و«استقبال المستقبل»، وإلا سنظل عالقين في المرحلة الوسط ما بين الحدثين.

Embed from Getty Images

الماضي كان ثابتًا ويقينيًا لفترة طويلة من الزمن، كما أنه مألوف لدينا ومعتاد؛ وبالتالي يعد التخلي عنه بالنسبةِ إلينا حدثًا جللًا، وفي المقابل نستقبل المستقبل الذي لا نعرف عنه شيئًا يقينيًا وبالتالي يدخل في نطاق الاختلاف والمجهولية، ولذا نحن نفضل التعلق بأذيال الماضي أكثر. 

أما المراحل الانتقالية، فهي الجسر الذي يفصل بين الماضي والمستقبل، وهي الفترة التي يحدث فيها كل شيء له علاقة بالتغيير وبناء أرض صلبة للمرحلة الجديدة، لكن كل ما تتطلبه هذه المرحلة حقًا، هو التخلي عما أصبح ماضيًا والتعامل مع عناصر الواقع الجديد، ولتفعل ذلك، يجب عليك في البداية إدراك أن ما مضى هو مجرد مرحلة، وأنت الآن على مشارف فصل جديد بالحياة. 

كلما كان التغيير غير متوقع أو غير مرغوب فيه، كانت الصدمة أكبر وبالتالي نكون أكثر عرضة للاستسلام لمشاعر الحزن والاكتئاب، لذا تتمثل أهم وأولى خطوات التعافي في الاعتراف بالخسارة، بما فقدناه، ومن ثم القبول بها.

على الرغم من أننا مررنا بفترات انتقالية وتغيرات كبرى من قبل، سواء من خلال الانتقال من الطفولة إلى المراهقة أو الانتقال من مرحلة دراسية إلى أخرى أو من عمل لآخر؛ فإننا نظن في الأحداث الحياتية الكبرى كأننا لم نختبر شيئًا كهذا من قبل، وفي الحقيقة لقد اختبرنا الفترات الانتقالية طوال حياتنا، وتمكنا من التأقلم معها، إذ إن عملية التأقلم مع ظروفٍ جديدة تظل واحدة لا تتغير.

المرحلة الانتقالية في حدِ ذاتها، هي مرحلة تغيير في نمطِ الحياة، وبالتالي يكمن سر التعامل معها، في النمط أو الروتين، وفقًا لنصيحة العديد من المراكز النفسية؛ وفي السطور التالية خطوات بسيطة لتساعدك على تخطي تلك المرحلة من أجل تأقلم وتكيّف أقل ألمًا.

1. الأمر يبدأ من الدماغ.. فكر بطريقة مختلفة

يشير العديد من الأطباء النفسيين إلى أن الخطوة الأولى تبدأ من التفكير، أن تحاول قدر الإمكان أن تكون إيجابيًا، والبعد عن نمط التفكير السلبي. وهو ما سيساعدك لأن تكون أكثر مرونة تجاه التغيير، وقد يتمثل ذلك في التركيز على الصورة الكبرى، بدلًا من التركيز على الحدث الذي سبب التغيير، أو على استجابتنا العاطفية له، سواء بالحزن أو بالغضب أو التوتر. من الممكن أن يساعد في تلك الحالة الجلوس وكتابة تدوينات عن أولوياتك في الوضع الحالي.

2. تقبل أن لا شيء يمكنك عمله في اللحظة الحالية

قد يمثل قبول التغيير تحديًا للبعض، لكن هناك بعض التغييرات في الحياة التي لا يمكننا أن نفعل أي شيء بشأنها، ومع ذلك ما زلنا نقاومها نفسيًا، لذا عندما تجد نفسك تحت ضغط وضع ما لا يمكنك تغييره، تقبل الأمر، خاصةً وأن عواقب عدم التقبل قد تكون قاسية، إذ تعمل على زيادة معاناتك.

3. سلوكيات التأقلم مع التغيير

إذا كان ما تتعرض له من تغيير نتيجة عوامل خارجية، لتكن البداية هي الصبر، وعدم الاندفاع وتعجل النتائج؛ إذ إن الاندفاع على أية حال لن يحقق لنا النتائج المرجوة، والتأقلم يحتاج منا وقتًا، تمامًا كما يحتاج جهدًا لاكتساب مهارات التكيُّف. 

أما الجانب الثاني من سلوكيات التأقلم، فهو أن تكون عمليًا؛ إذ تصحب الفترات الانتقالية عادةً مراحل صعود وهبوط، وبعضها قد يكون مفاجئًا، وهي الأوقات التي ستحتاج فيها لاستخدام نمط التفكير الإيجابي والعقلاني، من أجل التصرف بطريقة عملية مع التغيّرات.

الجانب الثالث من جوانب التأقلم، يتعلق بالمرونة، فكلما زادت المرونة في التعامل مع الأحداث، كانت قابليتنا أسرع للتغيير، وقد يساعدك في ذلك عمل خطة بديلة، تحسبًا إن ساءت الأمور؛ إذ إن وجود خطة سيعمل على تقليل القلق الناتج عن حالة عدم اليقين.

Embed from Getty Images

التغيير قد يكون له جانبان، أحدهما هو ما نعرفه جيدًا، هذا الذي يطيح أنماط الحياة القديمة ويسحب السجاد من تحت قدميك فجأة، أما الآخر عادةً لا نراه في الوقت الفعلي للتغيير؛ إلا إذا تمكننا أن ننظر إلى أنفسنا مستقبلًا ونرى ما الذي حققناه بعد تلك الفترة العصيبة، وهي اللحظة التي ستجعلك سعيدًا.

4. العمل على تأسيس «روتين» جديد

لحظات التغيير الكبرى تعصف بأنماط حياتنا، إذ تنهار الأنماط القديمة ونقع تحت وطأة عدم الشعور بالاستقرار، إلا أنها في الوقتِ ذاته الفترة التي نعمل فيها على بناء أنفسنا من جديد، بما في ذلك أنماط جديدة للحياة، تختلف عن تلك التي تعودنا عليها.

على عكسِ الشائع، الروتين ليس شيئًا سيئًا، بل إن البشر كائنات تميل إلى تفضيل الروتين والنمط المحدد بالحياةِ، إذ تصبح حينها أكثر قدرة على المضي قدمًا والشعور بالسعادة. في تلك الحالة قد يساعدك بداية عمل روتين يومي جديد، على سبيل المثال إن كان ما تعاني منه هو فقدان الوظيفة أو التقاعد، اسأل نفسك في أي شيء تود استثمار هذا الوقت الزائد، وابدأ في عمل هيكل أساسي لنظام يومك الجديد.

أدخل إلى روتينك اليومي عادات صحية كنت تود دائمًا اكتسابها، إذ تمثل فترات التغيير الكبرى، وقتًا مناسبًا لاكتساب عادات جديدة خارج نمط الحياة المعتاد، كما أنها تمنحنا الفرصة لإجراء تغييرات سلوكية طويلة الأمد في حياتنا.

قد يساعدك في ذلك أحد الأصدقاء، اختر صديقًا ترتاح إليه وأطلعه على خطتك لاكتساب عادات جديدة، إذ سيمثل ذلك بالنسبة إليك التزامًا، وتستطيع أن تكافئ نفسك كلما اتخذت خطوة جديدة في سبيل عاداتك الجديدة.

5. اطلب دعم مَن حولك ولا تخجل من طلب الاستشارة النفسية

أولًا ارجع إلى دوائرك القريبة، فرد من عائلتك أو أصدقائك القدامى، ولا تخجل من طلب المساعدة، إذ يساعد ذلك في الحصول على ما تحتاج إليه من دعمٍ معنوي، ويعد الباحثون «الدعم الاجتماعي» أحد أهم مفاتيح إدارة عملية التغيّر بنجاح.

لكن إذا لم تستطع أن تتجاوز تلك المرحلة رغم اتباعك الخطوات السابقة، لا تخجل في أية لحظة من اللجوء للمساعدة الطبية.

فلسفة

منذ 9 شهور
«الخروج عن الشخصية».. «القديس» و«العاصي» في علم النفس

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد