الطقس بارد ورطب في الليل، وحالة الصرف الصحي مؤسفة، بينما غمر الطين حقولا قريبة من السكك الحديدية، وفي هذه الظروف نصب اللاجئون خيامهم بانتظار السماح لهم بالعبور، بينما واصل آخرون رحلتهم سيرًا على الأقدام بحثا عن نقطة آمنة للمرور من بين الأسلاك الشائكة في غفلة من حرس الحدود.

ترك السوري وطنه الذي بات نصف سكانه، أي ما يزيد على عشرة ملايين شخص؛ إما مشردًا أو لاجئا بعد أن ضاقت به سبل مقاومة الجوع والحاجة والسماء التي تمطر رصاصا ليواجه تفاوتا صارخا في المعاملة خارج بلده على أساس العرق والدين كعادة تاريخ البشرية في الشرق الأوسط.

مأساة اللاجئين السوريين تعتبر الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية؛ فأصبحت سوريا اليوم المصدر الأكبر للاجئين في العالم والمكان الذي يشهد أسوأ أزمة إنسانية خلال أكثر من أربعة عقود. ورغم صور الغارقين على سواحل أوروبا كل يوم، تحمل الرغبةُ بالحياة المهاجرين غير النظاميين إلى مسارات متعددة للموت بأحضان أمواج البحار وألغام الحدود أملًا بجنة أوروبا التي تكلفهم المال والروح وأعضاء الجسد. 

جن جنون الموت على أرض سوريا

مئات الألوف من السوريين ماتوا عبثا فيما ما زال ينتظر الأحياء منهم معاناةً لا توصف وألمًا يفوق كل تصور، حاكمٌ مصمم على البقاء في السلطة كلف بلده 250 ألف رجل وامرأة وطفل وأصبح أربعة ملايين شخص لاجئين يبحثون عن الأمان.

عندما ينزح سبعة ملايين عن ديارهم داخل البلد، ويصبح (14) مليون شخص بحاجة لمساعدة إنسانية، ويُمنع عشرات الآلاف من الهروب ويصبحون عاجزين عن استلام أية إغاثة أو معونة دوليّة، ويصبح نصف البلد في أنقاض ودمار، يكون الوضع كارثيًا ونتائجه غير محتملة، جيل كامل من الشباب السوريين وحده من سيتحملها لعقودٍ طويلة وهو يقف على الحدود وفي المخيمات ويقتل بعضه للحصول على الفرصة الوحيدة للنجاة.

بالأرقام: “أنا سوري نازح مهدد بالموت”

 

النزوح في سوريا بلغ سن الرشد؛ فعدد سكان سوريا قبل 2011 كان 21 مليونًا لجأ ونزح نحو نصف هذا العدد وقتل 200 ألف آخرون لكن الأزمة لا تتوقف عن التفاقم، فسوريا الدولة تحولت اليوم لمناطق خالية من السكان يدور فيها الرصاص حسب جبهات القتال المتنقلة من قوات النظام والمعارضة وتنظيم دولة داعش ليتحول سكانها لأرقام موزعة على دول العالم.

فقد أعلنت المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة أن عدد اللاجئين السوريين تخطى الأربعة ملايين جراء الحرب في سوريا، ازدادوا بمقدار مليون لاجئ خلال الأشهر العشرة الأخيرة، ويقيم القسم الأكبر من اللاجئين السوريين في دول الجوار وبلغ عددهم 4 ملايين و13 ألف شخص، لا سيما بعد الأرقام الأخيرة التي قدمتها تركيا التي تستضيف حوالي نصفهم (1.8 مليون).

تتوقع المفوضية العليا أن يصل عدد اللاجئين السوريين بحلول نهاية السنة إلى 4.27 مليون، يضاف إليهم حوالي 7.6 مليون نازح داخل سوريا، ويعيش عدد كبير منهم في ظروف معيشية صعبة وفي مواقع يصعب الوصول إليها.

– فاق عدد طلبات اللجوء الـ270.000 طلب والتي قدمها سوريون في أوروبا وآلاف آخرون أعيد توطينهم من المنطقة في أماكن أخرى.

قالت منظمة الهجرة الدولية إن أكثر من ألفي مهاجر غير نظامي لقوا حتفهم هذا العام أثناء محاولتهم عبور البحر المتوسط إلى أوروبا، في حين تم إنقاذ نحو 188 ألفًا آخرين، ووصل نحو ربع مليون إلى أوروبا، وأشارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أواخر مايو 2015 لأبرز حوادث موت السوريين غرقا أثناء الهجرة غير النظامية، ورصدت وفاة ما لا يقل عن 2150 شخصًا (75% منهم نساء وأطفال) منذ نهاية عام 2011، وكانت أبرز 28 حادثة هجرة غير نظامية حدثت خلالها حالات موت مأساوية لسوريين بسبب الغرق بين عامي 2012 و2015، ولم تمنع السوريين من تكرار محاولاتهم خاصة من تركيا.

ضحايا عصابات التهريب في قعر مركب غارق أو شاحنة على الحدود

حق الهروب المحفوف بالمخاطر بات من نصيب سوري كان يومًا ثريًّا

 

سلسلة من المآسي في الأشهر الأخيرة تسبب فيها التهريب عبر الحدود، آلاف المهاجرين وأحيانا عائلات بكاملها لقيت حتفها وهي تهرب من الحرب وتردي أوضاع نحو أربعة ملايين لاجئ سوري يعيشون في دول الجوار فسلمت مصيرها لشبكات المهربين على طريق “البلقان الغربية” الذي سلكه على الأرجح المهاجرون الذين عثر عليهم أمواتًا في النمسا بشاحنتين مغلقتين بأسبوع واحد على الحدود مع المجر وهم يسعون لحياة أفضل.

عبر أكثر من 300 ألف مهاجر البحر المتوسط منذ يناير 2015، ولقي أكثر من 2500 شخص مصرعهم في البحر بعدما حاولوا الوصول إلى أوروبا، كما ذكرت المفوضية العليا للأمم المتحدة للاجئين. من وصل منهم يواجه مشكلة أخرى فقد ازدادت كثافة تدفق المهاجرين من شرق أوروبا إلى أوروبا الغربية التي تصلها أفواجهم على متن حافلات أو سيرًا أو عبر العبور تحت الأسلاك الشائكة ليقعوا في شبكات نصب واحتيال ثانية للنقل عبر الدول في مواجهة ثانية للموت.

للمرور بجواز سفر مزور يتيعن على اللاجئ السوري أن يدفع ما بين 1500 وخمسة آلاف يورو، وما بين 800 وألف يورو للوصول إلى تركيا على متن زورق، ويدفعون حتى 6500 يورو ليتكدسوا في سفينة تنقلهم إلى إيطاليا على أن يغادروها – كما كانوا يأملون – إلى هولندا وألمانيا أو السويد، فالقوارب الصغيرة التي تنطلق من تركيا تترك في وسط البحر قبالة السواحل القبرصية تواجه الغرق أو تجد من ينقذها من السفن السياحية فينتقلون لمخيمات كوكينوتريميثيا الذي غادره الأطباء والدفاع المدني ويواجهون حملهم على طلب اللجوء إلى قبرص.

حرية التنقل بأوروبا باتت مهددة أمام اللاجئين والدول تعود لحدودها القديمة

السوريون يهربون عبر الغابات من حرس الحدود بعدما باتوا مهددين بالسجن

 

كل ما يملك أن يقدمه الوالد لأبنائه هو لمسة مطمئنة في الغالب، الطقس بارد ورطب في الليل، وحالة الصرف الصحي على الحدود مؤسفة، بينما غمر الطين حقولا قريبة من السكك الحديدية، وفي هذه الظروف نصب اللاجئون خيامهم بانتظار السماح لهم بالعبور، بينما واصل آخرون رحلتهم سيرًا على الأقدام.

لم يعد من السهل عبور اللاجئين بعد إعلان الدول الأوروبية حالة الطوارئ ليتراكم الناس خلف الأسلاك الشائكة، الناس لا يمكنهم تصديق ما يحدث لهم في أوروبا، شرطة الحدود تفتح المعابر لقلة على دفعات ووسط الفوضى يفترق أفراد العائلات عن بعضهم البعض، كل صعوباتهم كانت من المفترض أن تنتهي في أوروبا لكن ما يجري على الحدود يشبه أسلاكها الشائكة.

تفيد إحصاءات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أن 4% فقط من حوالي ثلاثة ملايين سوري هربوا من الحرب، لجؤوا إلى بلدان أوروبية. يبدأ السوري رحلته لأوروبا من تركيا، ثم عبر قارب صغير لجزيرة كوس اليونانية، ثم ينتقل على ظهر سفينة لعبور بحر إيجة، وصولا لميناء بيريوس اليوناني، ثم برًّا لمدينة سالانيك بشمال اليونان، ومنها سيرًا على الأقدام حتى حدود مقدونيا، ومنها يبدأ في البحث عن ثغرته لدول الشنغن حيث لا حدود بين الدول.

تعامل المجرُ اللاجئين السوريين كمتهمين فتحتجزهم في مراكز استقبال تشبه السجون كما قال المتضررون، حيث لا يسمح لهم بالخروج منها أو الحصول فيها على حاجاتهم الأساسية، وتمنع الحكومة المجرية دخول اللاجئين إليها وأقامت سياجًا من الأسلاك الشائكة حول حدودها مع صربيا، ولكن عند دخول اللاجئين بأي طريقة يمنعون من الخروج منها رغم رغبتهم في مغادرة البلاد.

أبدت ألمانيا وفرنسا استعدادهما لاستقبال مزيد من اللاجئين حين فرضت بريطانيا إجراءات صارمة على المهاجرين غير النظاميين، من ضمنها السجن ومصادرة الأجور ومنعه من العمل أو استئجار شقة وسجن العامل غير الشرعي لمدة تصل إلى ستة أشهر وغرامة غير محدودة. وصرحت بلجيكا برغبتها في استقبال المسيحيين فقط من اللاجئين السوريين والذين أشرفت على ترحيلهم من حلب وغيرها من المدن السورية، واتسقت معها في قرارها سلوفاكيا التي أعلنت أيضًا استقبالها للمسيحيين دون المسلمين لعدم وجود مساجد على أرضها. وشرعت الدانمارك معاملتها للسوريين فيما يتعلق ببعض حقوق اللاجئين الحياتية والأساسية، كالحد من لم الشمل وتقليص الإعانات الاقتصادية، ووصل إلى تجميد طلبات جنسية لـ1200 شخص بعد انتظار دراسة طلباتهم لأكثر من عام ونصف.

دول الجوار اكتفت وأغلقت بابها

مخيم بخشين على الحدود التركية السورية غارق في مياه الصرف الصحي

تفرق فقراء اللاجئين السوريين بقرى ومزارع دول الجوار لا يجدون ما يسد رمقهم غير بيع المناديل الورقية أو الورود في الطرقات أو يتسولون يعانون حرمانًا من الأمان والكرامة. نسبة اللاجئين السوريين الواصلين إلى أوروبا تمثل جزءًا ضئيلا من الأربعة ملايين الذين لجؤوا إلى لبنان والأردن وتركيا والعراق، ونسب إلى مفوضية شؤون اللاجئين بالأمم المتحدة أن ثلثي اللاجئين بلبنان والأردن يعيشون في فقر مدقع.

أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن دول الجوار بعد استقبالهم أكثر من أربعة ملايين سوري منذ بدء الصراع في 2011 يغلقون حدودهم الآن، بسبب تأثيراتها الجانبية داخلها، أما العراق فمعبره لم يعد تحت سيطرة الدولة، وإقليم كردستان معابره مفتوحة فقط للعائد إلى سوريا، والأردن التي استضافت 627 ألف لاجئ أغلقت بابها أمام معظم السوريين الذين يطلبون اللجوء في انتهاك للالتزامات الدولية بإبقاء الحدود مفتوحة أمام اللاجئين الفارين، ومثلها كانت تركيا التي استضافت أكثر من 1,8 مليون لاجئ بنسبة 45% من كل اللاجئين السورين وأغلقت اليوم حدودها بصورة مؤقتة.

يعيش حوالي 86% من 639 ألف لاجئ سوري في الأردن تحت خط الفقر وأكثر من نصف السوريين اللاجئين في لبنان وعدهم 1.173 مليون يعيشون في أماكن إيواء دون المستوى المطلوب، ومثلهم 248 ألف يشاركون العراقيين حربهم مع داعش و132 ألف سوري بمصر.

على حدود تركيا، لغم كل خطوة

يهرب السوريون إلى تركيا عبر شريط ضيق مزروع بالألغام على طول الحدود معروف بممر تل الشاعر، أكثر من 600 ألف لغم زرعها الجيش التركي بين عامي 1957 و1998 بطول الحدود مع سوريا لمنع عمليات العبور غير الشرعية، خلال الشهرين الماضيين ازدادت أعداد الفارين السوريين وازدادت معهم الانفجارات، فقد شهدت المنطقة انفجار نحو 70 لغمًا على الأقل في ألفي لاجئ سوري نصبوا خيامهم وسط حقل الألغام.

لبنان، الدول الشقيقة تتخلى

في خيام بلاستيكية يعيش السوريون بلبنان، تقيهم مطر الشتاء لكنها تزيد لهيب الصيف فتتفشى الأمراض بين الأطفال والكبار، يشكل اللاجئون السوريون العدد الأكبر من أطفال الشوارع في لبنان، حسب دراسة نشرت في بيروت شملت 18 منطقة في أنحاء متفرقة من لبنان، قالت أن هناك أكثر من 1500 طفل يعيشون ويعملون على الطرقات يطلبون المال من المارة والسيارات مقابل الورود والمناديل، غير أن القائمين على الدراسة أشاروا إلى أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر بثلاث مرات.

وفي وادي خالد اللبناني أغلقت الحكومة القطرية مركز العيادات النموذجية القطرية في بلدة الكنيسة، كان المركز يؤمن العناية والرعاية الطبية والصحية للاجئين السوريين في المنطقة الذين يناهز عددهم الـ 35 ألف نازح يعتصمون اليوم منادين أمير قطر يوميا بإعطاء توجيهات لإعادة فتح المركز الوحيد لديهم كي لا تتفاقم معاناة الأسر السورية على الصعيدين الصحي والإنساني.

السوري يبيع عينه وكليته على الحدود

 

خمسة آلاف عصابة تعمل على الحدود للمتاجرة بأعضاء السوريين موثق منها 18 ألف حالة اتّجار بالأعضاء البشرية معظمهم أطفال فوق السنتين وحتى العشرين سنة، فتسرق كامل العين ومن ثم تنتزع القرنية لبيعها مستغلة من يعيش بمخيمات دول الجوار ويقضي يومه دون أبسط مقومات الحياة ليكون ضحية أكبر تجارة بسوريا اليوم بعد السلاح.

كانت تجارة الأعضاء منتشرة قبل الثورة في 2011 برعاية نظام بشار الأسد الذي قنن نقل الأعضاء البشرية بين الأفراد من غير الأقارب لتتحول سوريا إلى عوالم مافيا تجارة الأعضاء البشرية بإشراف أطباء، فقد سرب ضابط منشق تقريرًا عن إدارة الخدمات الطبية في الجيش السوري يشير إلى وجود عصابة اتّجار بالأعضاء يرأسها ضابط طبيب برتبة عميد، وهو نجل ضابط سابق في الجيش، حيث حول عيادته في وسط دمشق إلى مركز عقد صفقات بيع أعضاء قتلى الطرفين المتقاتلين بأسعار منافسة، وبناءً على التقرير فإن الأوامر الإدارية صدرت من إدارة الخدمات العسكرية الطبية تأمر بنقل جثث الضحايا من الطرفين في حال عدم تعرضها للتشوه إلى برادات مستشفى تشرين العسكري لفرز الأعضاء ونقلها مبردة للزبائن في سورية وعبر لبنان والعراق للخارج، مع الاحتفاظ ببعض الجرحى تحت الطلب لاستخراج الكبد أو الكلية أو قرنية العين معظمهم من ساكني الحيدرية والشيخ فارس المتعرضين يوميًّا للقصف العشوائي من طائرات ومدافع النظام.

هناك عصابات طبية سورية تتعامل مع أخرى عربية ودولية للمتاجرة بقرنية العين لآلاف اللاجئين في المناطق الحدودية ومخيمات الجوار، تحصل العصابة على قرنية المواطنين السوريين في الدول الأوروبية وبعض الدول الآسيوية، على أساس أنها استوردتها من دول أخرى غير سوريا، وبأسعار تصل إلى المليون ونصف المليون ليرة سورية (نحو 7500 دولار)، حيث إن قرنيات عيون السوريين تسببت بانخفاض كبير في الأسعار العالمية للقرنيات، بعدما كانت تباع بأسعار تتجاوز 1200 دولار قبيل الحرب. اقرأ أيضا : أسواق العبيد في عام 2015: كم يبلغ ثمن البشر؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد