في يوم 17 يونيو (حزيران) 2012، كان نحو 5 مليون مصري يكتبون لحظة فارقة في انتخابات الجولة الثانية من السباق الرئاسي، الذي انتهى بفوز مرشح «حزب الحرية والعدالة» د. محمد مرسي، ليصبح أول رئيس مدني منتخب، بعد فوزه على مرشح الحرس القديم الفريق أحمد شفيق.

المفارقة أنّ الميادين التي ازدحمت الأمس بأنصاره احتفاءً بفوزه، باتت اليوم خاوية في يوم وفاته، وبعد سبع سنواتٍ عجافٍ انتهت بتحول مبارك وأركان نظامه من متهمين إلى شهود في قضايا ضد رموز الثورة، لحق مرسي بالرئيس المصري السابق محمد نجيب، الذي مات عام 1984، بعدما شهد كلاهما على اختلاف الأزمنة؛ انهزام الثورة، وانقلاب الأنظمة، والنهايات المؤلمة، علاوة على الصمت الدولي والنسيان الإقليمي.

من الإخفاء القسري للحبس الانفرادي.. العالم لا يعترض

في 3 يوليو (تموز) عام 2013، ألقى قائد الحرس الجمهوري الفريق أول محمد زكي -وزير الدفاع حاليًا- القبض على الرئيس محمد مرسي بعد البيان الذي ألقاه الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع آنذاك، والذي أعلن بموجبه عزل مرسي، وتسليم السلطة لرئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور، وتعطيل العمل بالدستور ضمن خارطة الطريق التي أطلقها الجيش بتأييد «جبهة الإنقاذ» التي ضمت نحو 35 حزبًا وحركة يسارية ضد حكم الإسلاميين.

وبينما أعلن الاتحاد الأفريقي قرارًا بتعليق عضوية مصر، أصدر الأمين العام للأمم المتحدة بيانًا جاء فيه: «نتابع عن كثب وبقلق التطورات السريعة في مصر، ونقف مع تطلعات الشعب المصري»، وهو ما اعتبر انحيازًا ضمنيًا للجيش في ظل حالة استقطاب شهدتها البلاد إثر مظاهرات مؤيدة ومعارضة.

وبينما اتخذ الاتحاد الأوروبي موقفًا أكثر جرأة تجاه الأحداث عبر رغبته في أن تكون الإدارة الجديدة في مصر شاملة بشكل كامل، جاء الرد الأمريكي مقتربًا من الدول الخليجية التي بادرت بإرسال برقيات التهنئة للنظام الجديد؛ وعلى رأسها السعودية والإمارات والكويت والأردن بالإضافة إلى نظام بشار الأسد في سوريا وفلسطين والسودان.

في تلك الأثناء ظل الرئيس المصري محتجزًا في جهة غير معلومة لمدة أربعة أشهر، ثم بدأت أولى محاكماته في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014 بأكاديمية الشرطة، في قضايا تتعلق بالتحريض على قتل المتظاهرين خلال أعمال العنف التي شهدها قصر الاتحادية نهاية عام 2012، بالإضافة لعدة تهم أبرزها اقتحام السجون أثناء ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، والتخابر مع «حركة حماس».

6 سنوات في سجون السيسي.. العالم يتجاهل ظروف المحاكمات

منذ عام 2013 خضع مرسي للحبس الانفرادي حتى عام 2017، ولم تحصل أسرته على حقها القانوني في زيارته سوى مرتين خلال أربعة أعوام تدهورت فيها صحة الرئيس المصري المعزول، دون أن يحصل النظام المصري الذي حصل رئيسه الجديد عبد الفتاح السيسي على شرعية دولية بإلقائه خطابًاً في الأمم المتحدة بعد عامٍ واحد من فض ميداني رابعة والنهضة؛ تزامنًا مع رفع الاتحاد الأفريقي تعليق عضوية مصر.

الصمت الدولي تجاه ملف حقوق الإنسان في مصر؛ امتد ليشمل صحة الرئيس المعزول الذي عانى من مرض السكر المزمن، وضعف الإبصار في العين اليسرى، وتقرُّحات الفم ومشاكل في الأسنان، إضافة لالتهابات روماتيزمية حادة بالعمود الفقري وفقرات الرقبة.

وبينما تحدثت أسرته عن شكوكها في إصابته بأمراض مزمنة بالكبد والكلى نتيجة سوء التغذية وحرمانه من دخول الطعام المناسب لظروفه الصحية، وهو عرضة لنوبات إغماءات سكر متكررة بحسب ما أعلنه في المحكمة، وتقدمه بطلب رسمي للعلاج عام 2015؛ لم تستجب المحكمة لحضور طبيب حتى لحظة رحيله أمس.

على جانبٍ آخر لاقى الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك وعدد من رموز نظامه اهتمامًا أثناء محاكمتهم، إذ سمحت المحكمة بتوفير علاج مناسب على عكس عدد من قادة جماعة الإخوان المسلمين، الذين لاقوا حتفهم في السجون نتيجة ما وصفته أسرهم بالإهمال الطبي المتعمد، والذي كان أبرزهم مرشد الجماعة الأسبق، محمد مهدي عاكف الذي توفي أواخر عام 2017.

وفي العام نفسه الذي مات فيه عاكف، أطلقت منظمة «هيومان رايتس ووتش» انتقادًا للمجتمع الدولي الذي عقد صفقة مع النظام المصري؛ لاحتواء أزمة اللاجئين مقابل السكوت على ملف حقوق الإنسان، وتمثلت أبرز الانتقادات للحكومة في: «انتهاكها بشكل خطير حقوق محاكمة الرئيس السابق مرسي والتدخل في علاجه الطبي المناسب».

المنظمة أيضًا اتهمت الحكومة بوضعه في زنزانة انفرادية ومنع الدواء وتقديم طعام سيئ، ومنع الأطباء والمحامين وأهله من التواصل معه، علاوة على رفض تزويده بالملابس والكتب، وهو ما دفع فريق دفاعه للمطالبة رسميًا بنقله لمكان آمن على غرار ما حدث أثناء محاكمة مبارك ورموزه وأبنائه.

وفي أواخر عام 2017، اشتكى مرسي من الإهمال الطبي الذي تعرض له، تزامنًا مع حصوله على أحكام نهائية بالمؤبد، والسجن 20 عامًا، وثلاث سنوات في قضايا إهانة القضاء والتخابر مع قطر وأحداث الاتحادية، وهي الأحكام التي مرت في ظل صمتٍ دولي على القبض على أبنائه وأقاربه وتقديمهم للقضاء في ظل اتهامات حقوقية ببطلان المحاكمات.

صحيفة «الإندبندنت» البريطانية أطلقت العام الماضي انتقادها العلني للمجتمع الدولي العام، حين اعتبرت أن «مرسي قد يواجه موتًا مبكرًا في ظل صمت الأمم المتحدة»، وأوردت الصحيفة في تقريرها أنّ الرئيس المصري المعزول معرض لمخاطر فشل الكبد بسبب عدم تلقي العلاج الطبي الذي يحق له بالإضافة لعدم قانونية احتجازه في ظروف سيئة.

التحذير الأخير جاء قبل شهرين في تقرير أمام البرلمان البريطاني الذي ناقش في جلسة مُعلنة تأثير مرض السكري على حياة مرسي في ظل عدم حصوله على رعاية طبية».

حتى بعد موته.. مرسي لم يحصل على نهاية عادلة

حتى الآن لم يحدد النائب العام سبب وفاة الرئيس المصري المعزول، واكتفى بيان النيابة العامة بتوضيح ملابسات الساعات الأخيرة، والذي أعلن أنه: «في أثناء وجود مرسي وباقي المتهمين في قفص الاتهام، سقط الرئيس الأسبق مغشيًا عليه، ونُقل فورًا إلى المستشفى، إلا أنه وصلها ميتًا».

وبعد إعلان خبر وفاته أمس، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، تسجيل صوتي لكلمات قالها مرسي أثناء محاكمته في قضية التخابر مع «حماس»: «حتى الآن لا أرى ما يجري في المحكمة، لا أرى المحامي ولا الإعلام ولا المحكمة، وحتى المحامي المنتدب من المحكمة لن تكون لديه معلومات للدفاع عني. كنت طلبت من المحكمة جلسة سرية والمحكمة رفضت، خلاص (انتهى) هذا قرار المحكمة، ولكن الأسرار لن أبوح بها حتى مماتي»، ثم أضاف: «بلادي وإن جارتْ علي عزيزة ** وأهلي وإن ضنوا علي كرامُ».

وبحسب محامي الرئيس، فقد ظلت الأسرة عدة ساعاتٍ دون أن تعلم مكان الجثمان، ورفضت السُلطات أيضًا تسليم الجثمان لذويه من أجل دفنه في مسقط رأسه بمحافظة الشرقية، واشترطت «دفنه في صمت» بالقاهرة، وأنّ تكون الجنازة في ساعةٍ متأخرة من الليل، وأن يوارى النعش الثرى دون حضور أحد إلى المقابر سوى أهله، وبلا إقامة أية مراسم للدفن، وهي النهاية نفسها التي حدثت لمؤسس جماعة الإخوان حسن البنا، والمرشد السابع مهدي عاكف.

وبينما سلطت ظروف الوفاة الضوء على أوضاع السجناء السياسيين في مصر، في ظل تصدر هاشتاج (#محمد_مرسي) موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، حمّلت منظمة «هيومن رايتس ووتش» المجتمع الدولي المشاركة في وفاة مرسي عبر بيانها: «وفاته أمر مُفزع لكنه متوقع نتيجة للإهمال».

حلم أقدم مما تتصور.. رحلة السيسي لقصر الحكم بدأت قبل 2011 وليس بعد مرسي

 

المصادر

s