تواترت العديد من التساؤلات حول القرار المفاجئ لقوات التحالف العربي الذي تقوده السعودية الثلاثاء الماضي بوقف عمليات “عاصفة الحزم” وبدء عملية “إعادة الأمل” في اليمن، وما إذا حققت العملية أهدافها أم لا، وتداعياتها، والسيناريوهات المرتقبة.

وجاء القرار بعد أربعة أسابيع من القصف الجوي الذي طال المواقع العسكرية لجماعة “الحوثي” في اليمن، والمطارات والمراكز الواقعة تحت سيطرته، وسط دعوات بضرورة حل سلمي للصراع الدائر في اليمن.

في التقرير التالي تقرأ “ساسة بوست” أسباب وقف القرار، والأهداف التي حققها، إلى جانب الخلاف الإماراتي السعودي الذي فجرته “عاصفة الحزم”، والتداعيات المتوقعة:

أولا: لماذا أوقفت السعودية عاصفة الحزم؟

المتحدث باسم تحالف عملية “عاصفة الحزم”/أحمد عسيري

 

ترى قيادة التحالف والذي تقوده السعودية أن وقف “عاصفة الحزم” جاء بعد تحقيق جملة الأهداف المتمثلة في حماية الشرعية، وردع المليشيات الحوثية، وتدمير قدراتها العسكرية عبر نجاح الطلعات الجوية في إزالة التهديد الحوثي على المملكة والدول المجاورة.

لكن ثمة من يرى وجود أسباب حقيقية تخفيها القيادة السعودية من وراء وقف تلك العاصفة، خاصة وأنها دعمت كل أجهزتها الإعلامية خلال الفترة الماضية لدعم لعاصفة، الأمر الذي أوحى بحرب طويلة الأمد مع الحوثيين، لوقف مدهم داخل اليمن.

لذلك، وضع المراقبون للشأن اليمني الحالي، والعملية العسكرية “عاصفة الحزم” أسبابا دفعت السعودية إلى اتخاذ قرار بوقفها، أولها استراحة محارب من خلال تقييم الأداء في الفترة الماضية، والنتائج التي تحققت على الأرض، ومدى إمكانية الاستمرار في نهج الضربات الجوية ضد الحوثين أم أن الأمر يتطلب البدء بشكل جدي في عملية برية منظمة، تقطع دابر الميلشيات الحوثية، وتمكن للقوات الموالية للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي من السيطرة على الأوضاع في اليمن.

فيما الثاني، كان من خلال تلقي السعودية أوامر من الإدارة الأمريكية بضرورة وقف الغارات، وإعطاء فرصة على موافقة سعودية لعودة فرقاء الأزمة في اليمن إلى الحوار على أساس المبادرة الخليجية.

لاسيما وأن أمريكا ترغب في تهدئة الأجواء بين إيران والدول الخليجية قبل لقاء الرئيس الأمريكي باراك أوباما بقيادة دول مجلس التعاون الخليجي في البيت الأبيض في 13 من مايو القادم، استعدادا لعقد قمة كامب ديفيد الثانية في 14 من الشهر نفسه.

أما السبب الثالث، فيكمن في تمهيد لتصالح إيراني سعودي، حيث إن السعودية بصدد التوصل إلى حل سياسي مع إيران والحوثيين، تتضمن شروطه وقف عاصفة الحزم وعودة الحوثيين لطاولة المفاوضات كشريك في العملية السياسية في اليمن، وليس طرفا منفردا بذاته متفردا بالسلطة.

حتى أن الحل السياسي، وعودة جميع الأطراف للحوار كان من ضمن المبادرة التي قدمتها إيران مؤخرا، لذلك بعث قرار وقف إطلاق النار على التفاؤل لدى الأوساط الإيرانية.

من ضمن الأسباب أيضا هو الخشية من انهيار تحالف “عاصفة الحزم” بسبب التكلفة الباهظة للعملية، وحجم الرهانات والأهداف والمكاسب التي يتوقع كل طرف من الأطراف المشاركة في العاصفة أن يصل إليها كمحصلة لمشاركته بهذه الحرب.

ثانيا: هل حققت “عاصفة الحزم” أهدافها؟

أحد مواقع الحوثيين بعد قصفه من قبل قوات التحالف

 

منذ اليوم الأول للعملية في السادس والعشرين من الشهر الماضي، كشفت السعودية وقيادة التحالف عن الأهداف وهي استعادة الشرعية لرئيس اليمن الذي تم اختياره قانونيًّا، وعدم السماح بأي دور للرئيس السابق علي عبد الله صالح في مستقبل اليمن؛ وانسحاب مقاتلي الحوثيين من الشوارع؛ ونزع سلاح حركة أنصار الله.

التحالف يرى أنه حقق أهدافه في العملية، حيث منع سقوط اليمن بالكامل في قبضة الحوثيين وحليفهم الرئيس المخلوع صالح، وأضعفت قدراتهم؛ ودعم تشكل قوى مضادة للحوثيين، وأحدث أيضا شرخا في صفوف القوات العسكرية الموالية لصالح، وحدت من تدفق أعداد هائلة من اللاجئين اليمنيين إلى دول الجوار وزعزعة استقرارها.

في المقابل، يرى خبراء أنه لم يتم إنجاز أي من الأهداف السياسية الرئيسية للحملة الجوية حتى الآن على اليمن، فالحوثيون لم يتركوا المدن التي احتلوها؛ ولم تتم إعادة وضع هادي رئيسًا للبلاد في صنعاء؛ والحوار الوطني لإيجاد حكومة وحدة وطنية لم يبدأ بعد.

فيما عسكريا، لم يجد السعوديون بعد شخصية وطنية لقيادة المعركة مرة أخرى على أرض الواقع في اليمن، ناهيك عن توحيد القوات التي تقاتل الحوثيين تحت قيادة واحدة.

ويترك هذا المأزق الحالي السعوديين أمام خيارين، إما محاربة الحوثيين مع القوات المحلية، أو تجميع قوة قتالية أجنبية والذهاب إلى عدن، ويشكل كلا الخيارين تحديات كبيرة، وهذا سيتطلب دعم القوات القبلية بالضرورة تسليح التجمع اليمني للإصلاح.

وأما الخيار الثاني فهو غزو بري، وعلى الأرجح من خلال عدن، وستشعر المملكة هنا باعتمادها على حلفائها، لأنها تعلم أنها لا تمتلك الجنود القادرين على القيام بهذه المهمة بمفردهم، وإذا ما بحثنا بين شركاء السعودية في التحالف الدولي عن الدول المؤهلة للقيام بمهام قتالية برية، فسنجد أن إمكانيات هذا التحالف ضئيلة.

ثالثا: ما طبيعة الخلافات السعودية الإماراتية حول “عاصفة الحزم”؟

الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان

 

شاركت ودعمت الإمارات عملية “عاصفة الحزم” ضد معاقل الحوثيين في اليمن، بيد أن العملية كشفت عن خفايا الدور الإماراتي في التعاطي مع الأزمة اليمنية الجارية، مما أشعل نار الخلاف مجددا مع السعودية، وفتح صفحة جديدة من علاقات التوتر بينهما.

تفجر التوتر بينهما حينما غضبت الرياض ولم ترض عن الموقف من التطورات في اليمن، وخصوصا ما تعتقد أنه محاولة إماراتية لإمساك العصا من المنتصف، من خلال المشاركة في عاصفة الحزم من جهة، ودعم الحوثيين وعلي عبد الله صالح من جهة أخرى، وهو ما أثار حفيظة السعودية.

ترى السعودية أن الموقف من الأحداث في اليمن سبب أيضا توترا بين الإمارات من جهة، وباكستان والجزائر وتركيا من جهة أخرى، وهو توتر ناتج عن التسرع والتخبط الإماراتي في السياسية الخارجية، وبالتالي فالمشكلة الحقيقية للإمارات مع باكستان لا تتعلق بعاصفة الحزم، بل بغضب أبوظبي من التطور في العلاقات التركية الباكستانية.

ومع تمسك السعودية بموقفها من ضرورة إعلان “صالح” التزامه بشرعية “هادي” ومرجعية المبادرة الخليجية، فقد فشلت مساعي الإمارات في الحفاظ على حليفها، وهو ما انعكس على ضعف حماسها للعملية العسكرية ومن ثم خفضت تمثيلها في القمة العربية بصورة بدت مفاجئة.

وتعمقت الخلافات بعد إبلاغ السعودية الإمارات وقطر والكويت والبحرين تفاصيل عملية “عاصفة الحزم” العسكرية، عبر لقاء عقد في الرياض برئاسة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف، وزير الداخلية.

والعملية التي أبلغت بها الدول الخليجية سرّا وصلت أنباؤها إماراتيًا إلى علي عبد الله صالح، الرئيس اليمني المخلوع، وحليف الحوثيين الوثيق، ليكون ذلك بداية خلافات تحت الرماد بين الدولتين الخليجيتين، وإن لم تظهر ألسنتها إلى العلن.

ويبدو حسب المتابعين أن الخلافات السعودية – الإماراتية قد تتصاعد خلال الفترة المقبلة، بالشكل الذي قد يؤثر ليس فقط على قدرة السعودية على حسم الصراع اليمني لصالح الشرعية، والقضاء على الخطر الحوثي ومن ثم الإيراني، وإنما كذلك على تماسك ومستقبل مجلس التعاون الخليجي.

زيادة الخلاف تنبع من تخوف الإماراتيين من الخطط السعودية الحالية للعودة لما قبل الانقلاب السياسي على الإخوان في اليمن؛ ما شجع الحوثيين على انقلابهم العسكري، والتي تقوم على التعاون مع إخوان اليمن (حزب الإصلاح) والقبائل اليمنية السنية ذات العلاقة القوية مع الإخوان.

ويعتبر الإماراتيون أن هذا التوجه السعودي سيصب في مصلحة عودة إحياء الإخوان داخل الساحة اليمنية مرة أخرى، وقد يكون تمهيدًا لعودتهم في دول أخرى؛ إذ أنفقت الإمارات المليارات في مصر وتونس، لإبعادها خلال ما عرفت بـ”الثورات المضادة للربيع العربي”، وبما يهدد مستقبلًا مصالحهم ومصالح الغرب أيضًا ويعيد انتعاش التيار الإسلامي بما يؤثر على خطط مواجهة تنظيم “داعش” بالمنطقة.

إضافة إلى رغبة الإماراتيين في عدم إقصاء الرئيس السابق علي صالح ونجله (أحمد) من اللعبة السياسية في اليمن، وأن يكون لهم دورٌ، والسعي لإقناع السعوديين بإلغاء الفيتو، الذي يفرضونه على مشاركة آل صالح في الحياة السياسية اليمنية مرة أخرى باعتبار أنه هو الذي وقف وراء إفشال المبادرة الخليجية التي دعمتها السعودية مؤخرا.

رابعا: ما أبرز السيناريوهات المتوقعة لما بعد “عاصفة الحزم”؟

رئيس الوزراء اليمني الأسبق/ خالد بحاح

 

في الوقت الحالي لم تحسم بعد عملية “عاصفة الحزم”، لكنها ستترك جملة من التحديات في حال استمرار الحرب أطول من المتوقع، فقد تُسبِّب العديد من الصعاب للتحالف في الأجل الطويل؛ إذ إن طول أمد الحرب يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع عدد الضحايا من المدنيين؛ وتدمير البنية التحتية لبلد يُعدُّ من أفقر البلدان في العالم العربي.

إضافة إلى زيادة التوتر الطائفي، وتعقيد أية جهود مصالحة بين جميع الأطراف، ويُحوِّل التعاطف العالمي تدريجيًّا من تعاطف مع التحالف إلى تعاطف مع الحوثيين ومسانديهم على الأرض.

أما بالنسبة للسيناريوهات المرتقبة للوضع اليمني تتمثل في أن تتفاعل جماعة الحوثي مع إيقاف عمليات “عاصفة الحزم” بشكل إيجابي وتجنح للسلم وتسحب عناصرها من المدن وخصوصا الجنوبية وتنسحب من مؤسسات الدولة وتسلم الأسلحة الثقيلة.

كما ويوجه الرئيس السابق علي عبد الله صالح قواته بترك المعركة وإلقاء السلاح والجنوح للسلم وهو ما يقوي هذا التوقع أن الدولة سيديرها بشكل فعلي نائب الرئيس ورئيس الوزراء خالد محفوظ بحاح بعد أن أعطيت له كثيرٌ من صلاحيات الرئيس هادي الذي ترفض الجماعة وحزب المؤتمر عودته.

احتمال آخر وارد بعد توقف عملية “عاصفة الحزم” وهو تواصل العمليات المسلحة لجماعة الحوثي والقوات الموالية للرئيس صالح حيث سترى في إيقاف عمليات “عاصفة الحزم” أنها إقرار من هذه الدول بالهزيمة أمام صمود القوات الموالية لصالح ومسلحي الجماعة.

وحينها سترى الجماعة نفسها أنها انتصرت وستغلبها نشوة النصر والخطاب الإعلامي الحماسي عن النظرة العاقلة والواعية للظروف والمستجدات حيث سينتصر السلاح على العقل وعلى التفكير الإستراتيجي وستواصل تحركاتها العسكرية في مناطق الجنوب وتعز ومأرب، وسيؤدي إلى تواصل العمليات العسكرية من قبل قوات التحالف.

طرف آخر يتوقع أن تستمر التحركات العسكرية من قبل مسلحي الحوثي والقوات الموالية للرئيس السابق أو تستمر التحركات العسكرية المضادة من قبل ما تسمى بالمقاومة الشعبية والقوات الموالية لهادي وهو ما يعني استمرار المواجهات العسكرية ولكن في مناطق محددة كعدن وتعز.

المصادر

تحميل المزيد