في الوقت الذي كانت فوّهات المدافع تصدح، وأصوات البنادق والرشاشات تعلو، وأرواح الثوار الجزائريين ترتفع إلى السماء؛ خرج القيادي في الثورة التحريرية مصطفى بن بولعيد خطيبًا في كتيبته الثورية محمسًا إياهم على قتال المستدمر الفرنسي ومستشرفًا لمستقبل الجزائر ما بعد الاستقلال بالقول: «عندما تنتهي الحرب ويرتقي الشهداء يخرج الجبناء من الأزقة ليتحدثوا عن بطولاتهم ويتصارعوا من أجل النهب والكراسي»، كان هذا الكلام من آواخر ما تفوّه به الثائر الجزائري بن بولعيد قبل أن يغتال سنة 1956؛ ويكون التاريخ كفيلًا بتحقق نبوءته. 

وعلى الرغم من مرور أكثر من 57 سنة على استقلال الجزائر لا يزال الحكم باسم الشرعية الثورية مستمرًا؛ فمنذ استقلال الجزائر في 5 يوليو (تموز) 1962، لا يزال قدماء الثوار الجزائريين يواصلون بسط سيطرتهم على مفاصل الدولة، فمنذ الاستقلال لا يزال «حزب جبهة التحرير الوطني» يحكم البلاد حتى الآن.

ومع اندلاع الحراك الشعبي في 22 فبراير (شباط) الماضي، باتت الشرعية الثورية أكثر الأسماء التي طالب الجزائريين بإنهائها عبر مطالب حلّ «حزب جبهة التحرير الوطني» وإلغاء «وزارة المجاهدين»، غير أنّ القضية تطورت إلى مستوى غير مسبوق حين طالب الأمين العام لـ«منظمة المجاهدين» بحلّ الحزب الحاكم، وطرح «حزب الأفلان» وإجراء إستفتاءً بين مناضليه لإلغاء وزارة المجاهدين، لتدخل الشرعية الثورية في الجزائر إلى الإنعاش.

في هذا التقرير نسلط الضوء على الشرعية الثورية التي لم تعرف الجزائر حكمًا غيرها؛ ونستطلع رفقة الخبراء خطط الحفاظ عليها.

يلقبونه بـ«المنجل».. الجنرال الجزائري الذي «حصد رؤوس» رجالات بوتفليقة

«الشرعية الثورية» حين يحكم «التاريخ» الجزائر لأكثر من نصف قرن

بالتوقيع على ميثاق وقف إطلاق النار بين «جبهة التحرير الوطني» المعروفة إختصارًا بـ«حزب الأفلان» بصفتها ممثلًا للمقاومة الجزائرية، وبين الحكومة الفرنسية في 19 مارس (آذار) 1962، كان الجزائريون لأوّل مرة منذ أكثر من 132 سنة أمام فرصة حكم بلدهم الذي وقع لعقودٍ تحت القبضة الفرنسية، وأمام هذا الواقع الجديد، وجد الجزائريون في «جبهة التحرير» – الحزب الذي قاد الثورة ضد فرنسا سنة 1954 – أكثر جهة تمتلك شرعية لاستلام حكم البلاد. على الرغم من أنّها لم تكن وحدها في الساحة، بحكم تواجد «الحركة الوطنية المصالية» التي كانت أولى ضحايا الشرعية الثورية بفعل الإتجاهات السياسية التي كان ينادي بها بعض  قادة الثورة الجزائرية، مثل محمد بوضياف وأحمد آيت أحمد الذي أسس «حزب جبهة القوى الاشتراكية». 

استمرت «جبهة التحرير الوطني» في حكم الجزائر كحزبٍ وحيدٍ في البلاد – بحكم أنّها الجهة التي كان لها فضل تحرير البلاد وهي الوحيدة التي تمتلك شرعية حكمه – ونتيجة التوجه الاشتراكي التي انتهجته الجزائر بعد الاستقلال حتى سنة 1989؛ إذ قام الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد بضغطٍ من الشارع ونتيجةً لأحداث أكتوبر (تشرين الأول) 1988 بإنهاء عهد الأحادية الحزبية التي كان «حزب الأفلان» رمزًا لها، فكان أي مسؤول بالدولة في الفترة ما بين سنة 1962 وسنة 1989 لا يعيّن في منصبه إلّا إذا كان منتميًا إلى «حزب جبهة التحرير الوطني» وله ماض ثوري. 

الحكم باسم الشرعية الثورية

بوتفليقة رفقة هواري بومدين

وفي هذا الصدد يشير الإعلامي نور الدين ختال في حديثه مع «ساسة بوست» إلى أنّ «جبهة التحرير الوطني تأسست في البداية من أجل أن تكون جبهة جامعة تنصهِر فيها كل الجماعات والجمعيات والأحزاب، وذلك من أجل توحيد الجهود لاستقلال الجزائر، وكان من المفترض أن يحل الحزب سنة 1962؛ لأن الغاية من وجوده انتفت، لكن حكام الجزائر بعد الاستقلال فضلوا الإبقاء عليه حتى يحكموا به، فجبهة التحرير الوطني لم تكن الحزب الحاكم، بل كانت الحزب المحكوم به». 

فقد رأت الطبقة السياسية الجزائرية في القرار التاريخي الذي أصدره الرئيس بن جديد، وذلك بفتح المجال للتعددية الحزبية إيذانًا بإنهاء الحكم بالشرعية الثورية الذي مهّد لـ«حزب الأفلان» حُكم الجزائر 30 سنة دون منافس، فكانت الانتخابات البلدية والبرلمانية التي جرت سنة 1990 و1991 على التوالي بمثابة الاستفتاء الشعبي على توجه الجزائريين الجديد الذي نال فيه الإسلاميون غالبية الأصوات، ليكون أوّل ضربة يتلقاها الثوريون الجزائريون. 

المجلس الأعلى للثورة الجزائرية

وبعد قيام الجيش الجزائري بتوقيف المسار الانتخابي سنة 1992، ودخول البلاد في أتون حربٍ أهلية لمدة 10 سنوات حصدت من خلالها مئات الآلاف من الضحايا، استمر «حزب الأفلان» في حكم البلاد رغم بداية تدهور العلاقة بين قياداته وبين قيادة المخابرات التي كانت تحت إدارة الجنرال توفيق، الذي عمد إلى إضعاف الحزب، بتشجيع الانشقاق منه، وهذا ما جعل قياداتٍ من «الأفلان» تعلن تأسيس «حزب التجمع الوطني الديمقراطي» – الحزب الحاكم الثاني في البلاد – سنة 1997، ليفوز الحزب الجديد بعد أشهر قليلة بالتشريعيات، واتُهمت إدارة المخابرات بقيادة الجنرال توفيق حينها بتزويرها لفائدة الحزب الجديد لتكسير الأفلان.

ومع اعتلاء بوتفليقة سنة 1999 سدّة الحكم مدة 20 سنة باعتباره رمزًا نضاليًا، أخذت الشرعية الثورية بعدًا إقصائيًا، وذلك باستغلال قادة «حزب الأفلان» و«التجمع الوطني الديمقراطي» للتاريخ من أجل شرعنة حكمهم للبلاد، وهذا ما عكس  تصريحات القادة المتعاقبين على الأمانة العامة لحزب التحرير الوطني، والتي كان أبرزها تصريح جمال ولد عباس الأمين السابق للأفلان بالقول: إنّ «من حقّنا أن نتحدث باسم الشرعية الثورية دون غيرنا.. من الذي قام بالثورة ومن نظّم صفوف المجاهدين، ومن جلب الاستقلال للجزائر… أليست جبهة التحرير الوطني؟».

وحين اندلعت المظاهرات الشعبية ضدّ استمرار بوتفليقة في حكم البلاد لعهدة رئاسية خامسة، نالت الشرعية الثورية التي حكم باسمها حزب الأفلان ناهيك عن رؤساء الجزائر المتعاقبين جانبًا واسع من الشعارات المناهضة والمطالبة بإنهائها، وفي هذا الصدد أبرز ختال في حديته مع «ساسة بوست» أنّ «الشرعية الثورية تعدّ أكبر مغالطة عرفتها الجزائر المستقلة؛ لأن المصدر الوحيد للشرعية لحكم الجزائر هو الشرعية الشعبية، والثورة لا تعطي شرعية، بل الشعب – عبر صناديق الاقتراع – هو من يعطي شرعية». 

الإسلاميون أكبر «ضحايا» الحكم باسم الشرعية الثورية في الجزائر

طيلة 57 سنة وهي الفترة التي تعيشها الجزائر في ظلّ الاستقلال، غاب الإسلاميون عن حكم البلاد. ويعود ذلك في الأساس حسب القيادي السابق في «حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ (الفيس)» المنحل، محمد عميرة، إلى الشرعية الثورية التي استغلتها السلطة لتبرير انقلابها على الإرادة الشعبية، وأضاف عميرة الذي اعتزل العمل السياسي بعد حلّ «حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «الإسلاميين أكبر ضحايا هذه الشرعية التي استغلت أيّما استغلال لتخلف الجزائر وإذلال الجزائريين، رغم أنّ الإسلاميين كانوا أيضًا قادة للثورة التحريرية ومجاهدين».

الشرعية الثورية والشيخ محفوظ نحناح

الشيخ محفوظ نحناح

من جهته شدّد الإعلامي نور الدين ختال على كون الإسلاميين أكبر من عانى من احتكار السلطة الجزائرية للشرعية الثورية وأضاف: «الإسلاميون أكبر ضحايا هذه المغالطة، ذلك أنه أكبر تيار سياسي في الجزائر، وهذا ما أكدته أول وآخر انتخابات حرة ونزيهة في تاريخ الجزائر سنتي 1990 و1991، وبما أن التيار الوطني لا يقدر على تجاوز الإسلاميين في الانتخابات وحيازة الشرعية الشعبية لجأ إلى مغالطة الشرعية الثورية».

ولمنع ترشحه للانتخابات الرئاسية سنة 1999 بإعتباره أشد منافسٍ لبوتفليقة قام النظام الجزائري بمنع ترشّح القيادي الإسلامي ورئيس «حركة مجتمع السلم» محفوظ نحناح من الترشّح بدعوى أنه لم يكن أحد مجاهدي حرب التحرير. 

هل سيكون  الحراك الشعبي «المسمار الأخير» في نعش الشرعية الثورية بالجزائر؟

منذ اندلاع الحراك الشعبي في الجزائر بدايةً من 22 فبراير الماضي، علت الأصوات المنادية بوضع «حزب جبهة التحرير الوطني» بالمتحف على اعتبار أنّه الحزب الوحيد الذي حكم الجزائر منذ الاستقلال، وتصاعد الجدل السياسي حول مصير الحزب بعد تعالي الأصوات المنادية بحلّ «حزب الأفلان» هو الآخر.

آخر هذه الدعوات كان دعوة «منظمة المجاهدين الجزائريين» وهي هيئة تتولى الدفاع عن حقوق المحاربين إبان – ثورة التحرير الجزائرية – التي دعت الحكومة إلى حل جبهة التحرير الوطني، وبحسب ما جاء على لسان أمينها العام بالنيابة، محند اوعمر بن الحاج، فإن «تواجد حزب جبهة التحرير الوطني بات مخالفًا للقوانين المنظمة لعمل الأحزاب وكذا الدستور الجزائري». 

وكردّ فعلٍ على هذه التصريحات أطلقت قيادة «الأفلان» استفتاءً بين مناضليها على إلغاء «وزارة المجاهدين» التي تعدّ المسؤولة عن ملف قدماء المحاربين الجزائريين. ويرى الإعلامي نور الدين ختال أنّ «بعض الأصوات التي هتفت خلال الحراك من أجل حلّ جبهة التحرير الوطني لا تمثل الحراك، بل تمثل أبواقًا علمانية تعودت على تمرير مشروعها التغريبي عن طريق الإقصاء والمساومة السياسية ودعم الانقلابات العسكرية، وهي الأبواق نفسها التي بررت لانقلاب سنة 1992، وبررت لحكم بوضياف وقتها باسم الشرعية الثورية؛ لأنه لا يجوز شرعية شعبية ولا دستورية، فالدعوات هذه من التيار العلماني هدفها إزاحة أكبر الأحزاب الوطنية من الساحة السياسية».

التحالف الرئاسي بقيادو الأفلان يعلن ترشيح بوتفليقة لعهدة خامسة

التحالف الرئاسي بقيادو الأفلان يعلن ترشيح بوتفليقة لعهدة خامسة

من جهته عارض أستاذ القانون الدولي بـ«جامعة غارداية» وأحد مناضلي «١حزب جبهة التحرير الوطني» ياسن مقبض في حديثه مع «ساسة بوست» الدعوات الرامية إلى حلّ الحزب، مشيرًا إلى أنه «كان من المفتض الدعوة إلى سحب الشعار التاريخي الذي يعيش به الحزب، أو الدعوة إلى فك ارتباط الحزب عن السلطة، كما حدث في عهد الأمين العام السابق للحزب عبد الحميد مهري».

جديرٌ بالذكر أنّ جبهة التحرير الوطني كانت قد رفضت الاتهامات الموجهة لها بالتسبب في الأزمة التي تعيشها البلاد منذ استقالة بوتفليقة، وقال الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، محمد جميعي: إن الأفلان كان الضحية الأولى لفترة حكم بوتفليقة؛ كونه سلّم حقه الذي منحه إياه الشعب، وأضاف جميعي أن الحزب تعرض لمؤامرة كبرى كانت تهدف إلى محوه من الخارطة السياسية.

الأفلان أكبر داعمي بوتفليقة في فترة حكمه

الأفلان أكبر داعمي بوتفليقة في فترة حكمه

وفي سبيل مواجهة المطالبات بحلّه قام حزب جبهة التحرير الوطني بالتنازل عن رئاسة البرلمان لصالح الإسلاميين، رغم امتلاكه غالبية مقاعد البرلمان في خطوة وصفها المراقبون بمحاولة لمغازلة الحراك الشعبي، كما قام الحزب بإعلان دعمه للحراك الشعبي والقرارات التي تتخذها المؤسسة العسكرية ضدّ ما أسمتها بـ«العصابة».

«عرّابة الانقلابات في أفريقيا».. هل تقود فرنسا قريبًا انقلابًا في الجزائر؟

المصادر

تحميل المزيد