عندما يتحدث أغلب سكان العالم عن الديمقراطية فإن النسخة الأمريكية من الديمقراطية تكون هي المسيطرة على خيالهم في أغلب الأحيان. النموذج الأمريكي هو الأبرز بين باقي النماذج الديمقراطية رغم أنه ليس النموذج الأمثل ولكنَّه ربما يكونُ الأقدر على الترويج والرواج مستغلًا في ذلك سطوة الولايات المتحدة على جميع الأصعدة تقريبًا. فلا يمكن لأحد أن يتجاهل أن الديمقراطية الأمريكية أو النموذج الديمقراطي للولايات المتحدة الأمريكية هو النموذج السياسي الأشهر والأقوى منذ خمسينات القرن الماضي وحتى اليوم.

«الأمة الأمريكية» التي يبلغ عمرها قرابة الأربعة قرون استطاعت أن تصنع نموذجًا ديمقراطيًا ناجحًا متفوقة في ذلك على أمم كثيرة أعرق منها حتى في الديمقراطيات الأخرى. لكن الأمر لم يكن يسيرًا ولا كان الطريق ممهدًا أو مرسومًا بوضوح بل كانت هناك العديد من العقبات التي كادت تودي في أحيانٍ كثيرة باتحاد الدولة الوليدة.

 

أحد الآباء المؤسسين كان يصف انتصار الثورة الأمريكية بأنها كانت أشبه بمحاولة ضبط ثلاث عشر ساعة كي تدق في الوقت ذاته. حتى بعد انتصار الثورة الأمريكية لم يصبح الطريق واضح المعالم، فالولايات الثلاثة عشر كانت مختلفة كثيرًا فيما بينها كما أنه كان ثمة تخوف من قبل الولايات الصغيرة على مستقبلها في حال سيطرة الولايات الكبيرة. لذا لجأت الولايات في البداية لاتحاد كونفدرالي بين ثلاثة عشر كيان سياسي شبه مستقل تطور سريعًا لاتحاد فيدرالي بحكومةٍ مركزيةٍ قوية. حيث أن شكل الحكومة نفسها تطوَّر، ففي البداية لم يكن هناك رئيس للولايات المتحدة وكان الكونجرس مكوَّنًا من مجلس واحد بصلاحياتٍ قليلة.

الأمر المثير للدراسة أن الديمقراطية الأمريكية أخذت تطور من نفسها على مدار قرن ونصف تقريبًا منذ الاستقلال وتكوين دولة موحدة وحتى الستينات، وخلال هذه الفترة تعرضت لاختبارات صعبة ولكنها استطاعت تجاوزها بقدر كبير من النجاح.

سنستعرض في هذا التقرير – بجزئيه – تاريخ الديمقراطية الأمريكية والعقبات التي واجهتها منذ البداية الأولى ونعني بها بداية حرب الاستقلال عن بريطانيا العظمى مرورًا بوضع الدستور الذي هو حجر أساس الديمقراطية الأمريكية ثم الحرب الأهلية التي كادت أن تمزق هذا الاتحاد وحتى حركة الحقوق المدنية في ستينات القرن العشرين.

البدايات الأولى

رحلتنا تبدأ قرب منتصف القرن الثامن عشر، ثلاث عشرة مستعمرة بريطانية يقطنها فوق المليون مستعمر الغالبية الكاسحة منهم من أصول بريطانية. كانت الولايات تابعة للتاج البريطاني والمستعمرين مواطنين بريطانيين ولكن لم يكن لهم تمثيل في البرلمان البريطاني الأمر الذي سيشكل الكثير من المشاكل في العقدين القادمين ستتطور إلى حرب بين الولايات والبلد الأم بريطانيا العظمى.

كانت سياسة الحكم تختلف بين المستعمرات فبعضها كان ينتخب الحاكمَ العام بينما يعين الملكُ الحاكمَ العام في أغلبها. وكانت سلطات الحاكم العام تنفيذية. كما كان هناك مجلس تنفيذي مهامه وطريقة تعيينه تتشابه مع مهام الحاكم العام وطريقة اختياره. كان سكان كل مستعمرة ينتخبون مجلسًا عامًا يمثلهم. وهو أول شكل للمجالس النيابية في الولايات المتحدة.

لم يكن هناك فصلٌ واضح بين السلطات الثلاث في تلك المرحلة من عمر الولايات. وكان هناك شبه صراع دائم بين الحاكم العام والمجلس العام. كان الحاكم العام يتقاضى مستحقاته المالية من قبل المستعمرة وكان المجلس العام لكل مستعمرة هو المشرف على الميزانية لذلك كان يستغل ذلك لإجبار الحاكم العام على بعض التنازلات.

كانت الحرب الفرنسية الهندية (1754-1763) علامة فاصلة في تاريخ المستعمرات البريطانية، فأهل المستعمرات من الأجيال التي وُلِدَت في المستعمرات ولم ترَ الوطن الأم كانت تشعر بشيء من الاستقلال عنه. إضافة إلى ذلك فمشاركة أهل المستعمرات في الحرب منحتهم شعورًا بقدرتهم على الاستغناء عن الحماية البريطانية خاصة وأنهم تحملوا الكثير من نفقات الحرب بجانب المهام العسكرية. كما ساعدت مشاركة المستعمرات في الحرب في زيادة مساحة التنسيق والتعاون بينها بعيدًا عن حكومة بريطانيا العظمى.

على الجانب الآخر كانت بريطانيا تشعر بأن المستعمرات لم تساندها بما يكفي خاصة أن المستعمرات لم تقطع تعاملاتها التجارية مع فرنسا وقت الحرب. مما زاد الأمر سوءًا أن الخزانة البريطانية تحملت نفقات باهظة خلال الحرب وكانت الحكومة الملكية ترى أن الحل هو فرض ضرائب على المستعمرات.

 

 

الولايات الثلاث عشرة الأولى

لا ضرائب بدون تمثيل

كانت سياسات الحكومة الملكية بداية من عام 1763 هي فرض المزيد من الصرامة على المستعمرات، فقرر الملك جورج الثالث بأن المستعمرات الجديدة ملك للتاج البريطاني مباشرة ولا يمكن للمستوطنين التوسع غربًا. في نفس الوقت بدأت الحكومة البريطانية في فرض المزيد من الضرائب الجديدة على مستوطني المستعمرات وهو ما رفضته المستعمرات.

كانت أهم أسباب الرفض أن المستعمرات غير ممثلة في البرلمان البريطاني الذي يقرر تلك الضرائب، ولذلك ليس من حقه أن يصدرها، وكان شعار «فرض الضرائب بدون تمثيل استبداد»  هو عنوان الصراع بين المستعمرات وبريطانيا العظمى. هذا الصراع  أخذ في التصاعد حتى أصدر الكونجرس القاري الأول وثيقة إعلان الحقوق في 1774.

رفضت بريطانيا تهديدات المستعمرات ليبدأ فصل جديد في تاريخ المستعمرات بإعلان المؤتمر القاري الثاني الحرب على بريطانيا في 10 مايو 1775. وبرغم أن الهدف من الحرب في البداية كان العودة لأوضاع ما قبل 1763 إلا أن أصوات المنادين بالاستقلال التام بدأت في الارتفاع حتى أقر الكونجرس وثيقة إعلان الاستقلال في الرابع من يوليو من عام 1776.

 

إعلان الاستقلال

يعتبر الكثيرون الدستور الأمريكي الذي تم اعتماده في عام  1788 المخطط الرسمي الأول للديمقراطية حديثة في العالم. ولكن الدستور الأمريكي الذي يعد عنصرًا رئيسيًا في تكوين الديمقراطية الأمريكية منذ البداية لم يكن خطوة مرسومة مسبقًا بل كان تتويجًا لأكثر من عشر سنوات من المناقشات والمفاوضات وسبقه عدد من الإعلانات والوثائق التي كانت بمثابة تمهيد له.

إعلان الاستقلال الذي أقره الكونجرس في 1776 كان فيه توضيح لأسباب استقلال الولايات الثلاثة عشر عن بريطانيا العظمى والتي هي بداية تكوين الأمة الأمريكية كأمة منفصلة عن بريطانيا العظمى.

جاءت الأسباب مبنية على فكرة «الحقوق الطبيعية»   التي تحدث عنها الفيلسوف الانجليزي جون لوك في كتابه Two Treatises of Government. وهي نفس الفكرة التي عبر عنها توماس جيفرسون، الذي ترأس لجنة كتابة الإعلان، بأنها هي «الحق في الحياة، والحرية، والبحث عن السعادة»   وهي حقوق غير قابلة للانتزاع من قبل الحكومات، فوظيفة الحكومات هي حماية تلك الحقوق. وفي حالة فشل الحكومة في حفظ تلك الحقوق فمن حق الناس أن تنتزع صلاحيات الحكومة وتسندها لحكومة جديدة. كانت هذه هي الأفكار التي مثلت البذرة الأولى في الدستور الأمريكي والديمقراطية الأمريكية بشكل عام.

 

 وثيقة إعلان الاستقلال

من كونفدرالية إلى فيدرالية

يظن الكثيرون أن الولايات المتحدة الأمريكية بشكلها الحالي هو نفس شكلها قبل قرنين في بداية نشأتها، أو أن الاختلاف الوحيد هو في عدد الولايات ومساحات الأراضي التي ظلت الدولة الناشئة تضمها حتى وصلت لحدودها الجغرافية الحالية.

ولكن الحقيقة أن الدولة نفسها بمفهوم تكوينها كان مختلفًا، ففي البداية كانت الولايات متحدة كونفدراليًا وليس فيدراليًا مع سلطة كبيرة للولايات في مقابل سلطة أضعف للحكومة المركزية.

معاهدة باريس التي أنهت السيادة البريطانية في 1783 تركت الولايات الثلاثة عشرة حرة ولكن بدون هيكل حكومي. كان الكونجرس القاري الثاني الذي اجتمع عام 1777 قد وضع ما يسمى بوثائق الكونفدرالية. كانت تلك الوثائق بمثابة الدستور الأول للولايات المتحدة وتم العمل به من عام 1781 وحتى عام 1789 عندما استبدلت بالدستور الأمريكي. كان الهيكل التنظيمي الذي تضمنته الوثائق لا يضم رئيسًا ولا سلطة قضائية، فقط كونجرس بصلاحيات ضعيفة في مقابل سلطات أوسع للولايات مما دعا البعض لوصف الكونجرس بأنه تجمع دبلوماسي لثلاثة عشر كيان سياسي مستقل. فكل ولاية احتفظت بسيادتها وحريتها واستقلالها وأقامت هيئة تشريعية خاصة بها واختارت حاكمًا لها ووضعت كل ولاية دستورًا خاصًا بها.

كانت الحاجة لحكومة مركزية قوية واضحة للكثيرين بعد ظهور عدد من المشاكل التي هددت الاتحاد مثل تنازع ولايتي «ماري لاند»   و«فرجينيا»  على حق السيطرة على التجارة في نهر البوتوماك. ولكن كان هناك التخوف من حكومة مركزية قد تطغى أو كونجرس لبلد ضخم لا يلتفت لمطالب من يمثلونهم.

كان «ألكسندر هاميلتون» ، مؤسس النظام المالي الأمريكي، من أشد المؤمنين بوجوب وجود حكومة مركزية قوية، ولذلك عمل على حث الولايات على قبول عقد مؤتمر يجمع مندوبين عن الولايات الثلاث عشرة لإعادة النظر في وثائق الاتحاد، وهو ما وافق عليه الكونجرس الفيدرالي ليلتقي 55 ممثلًا عن  اثنتي عشرة ولاية في مؤتمر فيلادلفيا في مايو 1787، بينما امتنعت ولاية «رود آيلاند».

كان الهدف المعلن من المؤتمر هو تعديل مواد الوثائق الكونفدرالية ولكن «هاميلتون» ومعه الكثير من ممثلي الولايات ومنهم «جورج واشنطن» – الذي تم اختياره رئيسًا للمؤتمر –  و«جيمس ماديسون» كانوا قد اتفقوا سرًا على كتابة دستور جديد.

 

الدستور

دخلت الولايات الاثنتا عشرة مؤتمر «فيلادلفيا» وهي منقسمة إلى فئتين: الولايات الكبيرة والولايات الصغيرة. كانت الولايات الكبيرة ترغب في تمثيل يتناسب وعدد السكان بينما كانت الولايات الصغيرة تريد الحفاظ على نظام صوت واحد لكل ولاية ولذلك كان لابد من عملية تسوية. تمثلت التسوية التي اقترحها «ماديسون» وعرفت بعد ذلك بخطة «فيرجينيا» في إعادة تشكيل الكونجرس ليتكون من مجلسين، مجلس النواب ومجلس الشيوخ بالتناسب مع عدد السكان وهو ما كانت ترفضه الولايات الصغيرة. في النهاية توصل الممثلون لما عرف بالتسوية الكبرى أو تسوية «كونيكتيكيت» وهي اختيار أعضاء المجلسين بحيث يكون اختيار مجلس النواب متناسبًا مع سكان كل مقاطعة انتخابية بينما يكون التمثيل في مجلس الشيوخ على مستوى الولايات وبالتساوي.

بجانب تكوين الكونجرس الجديد بمجلسيه، فتم تعديل وضع الحكومة المركزية بإعطائها المزيد من القوة لتصبح مستقلة عن الولايات وأعلى منها في السلطة. كما منحت الحكومة سلطة فرض الضرائب والجمارك عكس ما كان معمولًا به في الكونفدرالية.

كانت من نتائج المؤتمر كذلك إضافة سلطتين جديدتين هما السلطة التنفيذية والقضائية. وتم الاتفاق على أن يكون رئيس الجمهورية هو رأس السلطة التنفيذية على أن يتم انتخابه من قبل المجمع الانتخابي فقط.

اقرأ أيضًا: الطريق إلى البيت الأبيض.. نشرح لك نظام الانتخابات الأمريكية

جاء انتخاب الرئيس من قبل مجمع انتخابي كحل وسط بين الراغبين في أن يكون انتخاب الرئيس بناءً على تصويت شعبي وبين الذين كانوا يرون انتخاب الرئيس من قبل الكونجرس.

كان نظام المجمع الانتخابي يقتضي بأن تقوم كل ولاية بانتخاب مجموعة من المنتخبين مساوين في العدد لمجموع ممثلي الولاية في الكونجرس بمجلسيه، ويقترع المنتخبون على الرئيس فيفوز صاحب الأغلبية بينما يصبح الفائز بثاني أكبر عدد من الأصوات نائبًا للرئيس. في حالة تساوي مرشحين في عدد الأصوات يختار مجلس النواب الرئيس على أن يكون لكل ولاية صوت واحد فقط.

تم الاتفاق على أن تتألف السلطة القضائية من محكمة عليا بجانب مجموعة من المحاكم الدنيا التي يعينها الكونجرس.

ظلت عدة مسائل معلقة مثل وضع تجارة العبيد ومايسمى «الحق الوطني الأعلى»  وهل هو للحكومة المركزية أم حكومات الولايات. لكن الدستور الجديد نص على إمكانية إجراء التعديلات كلما دعت الظروف ويتم ذلك عن طريق اقتراح ثلثي مجلسي الكونجرس تعديلًا، أو تقدم ثلثي مجالس الولايات التشريعية بطلب ليتم عقد مؤتمر لتقديم الاقتراح. يصبح التعديل نافذًا إذا حصل على موافقة ثلاثة أرباع المجالس في الولايات التشريعية ويصبح جزءًا من الدستور.

في سبتمبر (أيلول) وبعد الوصول لصياغة نهائية أصبحت الخطوة الأخيرة نحو التصديق النهائي على الدستور هو تصديق تسع ولايات على الأقل على الدستور الجديد.

كان الفيدراليون هم المؤيدون للدستور الجديد الذي يمنح الحكومة المركزية سلطات أعلى من حكومات الولايات، كان أبرز رجال هذه المجموعة هما «هاميلتون» و«ماديسون»، بينما كان المعارضون للفيدرلية متخوفون من تغول سلطات الحكومة المركزية ووقتها تسيء استخدام سلطاتها مثلما فعلت بريطانيا العظمى، كما أن الدستور بشكله الجديد لم يكن يحتوي على وثيقة تضمن حقوق المواطن الأساسية مثل حرية التعبير والنشر والعبادة. وكان «صامويل آدامز» و«باتريك هنري» هما أبرز قادة الجناح المعارض.

تأييد «جورج واشنطن» للدستور منح الفيدراليين ثقلًا كبيرًا وقبولًا عظيمًا عند الجماهير، كذلك ساهمت وعود «ماديسون» بصياغة وثيقة لحقوق المواطن الأساسية في تعزيز موقف المؤيدين للدستور الجديد.

 

جورج واشنطن

 

كانت المعركة بين المؤيدين والمعارضين مشتعلة خاصة في ولايتي «فيرجينيا» و«نيويورك» ولكن في النهاية أيدت إحدى عشرة ولاية الدستور الجديد بينما عارضته «كارولينا الشمالية»، وامتنعت «رود آيلاند» حتى تم تهديدها باعتبارها أمة أجنبية فرضخت أخيرًا ليصبح الدستور نافذًا ويصبح اتحاد الولايات اتحادًا فيدراليًا كاملًا. فتم اعتماد الدستور في 12 (حزيران) يونيو 1788.

أجريت انتخابات على منصب الرئيس وفاز «جورج واشنطن» بالمنصب بإجماع كل المصوتين وتم اختيار «جون آدامز» نائبًا له، وتم اختيار مدينة «نيويورك» عاصمة للاتحاد.

كانت أول الأعمال التي قام بها الكونجرس الجديد هو وثيقة الحقوق الرئيسية. ففي سبتمبر (أيلول) 1789 عرض الكونجرس 12 تعديلًا على الدستور، وافقت ثلاثة أرباع الولايات على عشر منها في ديسمبر (كانون الأول) 1791. عُرفت العشر تعديلات بوثيقة الحقوق الرئيسية وتضم بنودًا تحفظ حرية العبادة والتعبير والنشر والتجمع وحمل السلاح. كما تنظم بعض الشؤون القضائية لضمان حقوق الأفراد.

 

 

وثيقة الحقوق الرئيسية

لم تكن تلك التعديلات العشر هي الأخيرة، فقد تم إضافة 17 تعديلًا على الدستور في المائتي سنة التالية، منها التعديل الثالث عشر في 1865 والذي ألغى العبودية والتعديل الثاني والعشرين والذي حدد فترة ولاية رئيس الجمهورية بفترتين رئاسيتين كحد أقصى.

التنافس الديمقراطي

لم يبدأ التنافس الحزبي  إلا بعد انقضاء فترة رئاسة «جورج واشنطن» الثانية عام 1796.  البداية كانت لصالح الحزب الفيدرالي أول الأحزاب الأمريكية ومنه جاء الرئيس الثاني للولايات المتحدة «جون آدامز» – وهو الرئيس الأمريكي الوحيد الذي انتمى للحزب الفيدرالي – وفاز قائد الحزب الجمهوري-الديمقراطي «توماس جيفرسون» بمقعد نائب الرئيس.

كان الحزب الفيدرالي الذي تزعمه «ألكساندر هاميلتون» يؤمن بحكومة وطنيَّة قوية واقتصاد وطني قوي تقوده الأرستقراطية الغنية. كما كان الفيدراليون يؤيدون تقاربًا أكبر مع بريطانيا العظمى ومعارضة – إن لم يكن عداء – مع فرنسا الثورة.

بينما أنشأ «توماس جيفرسون» و«جيمس ماديسون» الحزب الجمهوري-الديمقراطي لمعارضة أفكار الحزب الفيدرالي. وكان أنصار الحزب من المزارعين وصغار الملاك والعمال. وكان الحزب يؤمن بأهمية توفير أكبر قدر من الحريات الفردية. كما كانت أفكار الحزب تعارض إعطاء الحكومة المركزية صلاحيات أكبر من المنصوص عليها في الدستور الجديد حتى لا تتغول على حكومات الولايات. كما اعتبر الحزب فرنسا زعيمة الحركة من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان ولذلك كان مؤيدًا لها في حروبها ضد بريطانيا.

 

كانت الانتخابات الرئاسية التالية عام 1800 اختبارًا للديمقراطية الأمريكية في وقت كانت أوروبا تعج بالفوضى وفرنسا ترزح تحت حكم العنف والرعب. نتيجة الانتخابات أظهرت النتائج تعادل المرشح الجمهوري «جيفرسون» مع المرشح الفيدرالي «آرون بور» ليتم الاحتكام لمجلس النواب الذي أعلن فوز «جيفرسون» بعد ست وثلاثين جولة من عد الأصوات، ليبدأ عهد طويل من سيطرة الحزب الجمهوري-الديمقراطي على السياسة الأمريكية.

كان الانتقال السلس للحكم بين الحزبين بمثابة شهادة نجاح للديمقراطية الأمريكية الوليدة آنذاك برغم الكثير من النواقص ربما أبرزها أنها كانت ما تزال حكرًا على طبقة بعينها  أبرز رجالها، جورج واشنطن وتوماس جيفرسون على سبيل المثال، كانوا من الأثرياء الجنوبيين مالكي العبيد ولكنها كانت على بداية الطريق لتصبح النموذج الأبرز للديمقراطية الحديثة.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد