«الأنظمة القمعية لم ينشئها أناس مجرمون، وإنما أناس متحمسون ومقتنعون بأنهم وجدوا الطريق الوحيد الذي يؤدي الى الجنة، فأخذوا يدافعون ببسالة عن هذا الطريق.. ومن أجل هذا قاموا بإعدام الكثيرين، ثم فيما بعد أصبح جليًا وواضحاً أكثر من النهار أن الجنة ليست موجودة، وأن المتحمسين كانوا مجرد سفاحين».

هكذا قال الأديب والفيلسوف «ميلان كونديرا» في إحدى رواياته، بينما ما يقوله أردوغان ردًا على من يتهمونه باستغلال الانقلاب العسكري الفاشل، للانقلاب على الديمقراطية في تركيا وبأنه ديكتاتور يحاول احتكار السلطة وإقصاء معارضيه «إن شخصًا ظالمًا لا يمكنه الحصول على 52% من أصوات الشعب»، حيث يشير أردوغان هنا إلى فوزه في الانتخابات عام 2014، والتي وصفها العديد من المراقبين بالنزيهة.

تصفية للانقلابيين في الجيش أم ردة عن الديمقراطية؟

منذ إعلان السلطة التركية المنتخبة، انتصارها على محاولة الانقلاب، الذي شهدته البلاد في منتصف شهر يوليو (تموز) الجاري، وقامت بحملة أطلقت عليها اسم «التطهير» في المؤسسة العسكرية والأمنية والقضائية، تناقلت وسائل الإعلام المختلفة، تقارير عن المخاوف إزاء تلك الحملة الموسعة، التي شملت، بحسب رئيس الوزراء التركي «بن علي يلدرم»، اعتقال 8000 شخص، كلهم من العسكريين والقضاة والموظفين المدنيين، بالإضافة إلى إيقاف آلاف آخرين عن العمل، في إطار التحقيق معهم حول أحداث محاولة الانقلاب الفاشلة.

ويبدو أن الرئيس أردوغان عازم بقوة على استكمال ما بدأه؛ حيث يدافع الرئيس التركي عن تلك الحملة، ويؤكد أنه لا يستغل الحملة ضد معارضيه.

لكن بعيدًا عن عمليات ما يسمى بـ«تطهير المؤسسة العسكرية والدولة العميقة» في تركيا، التي ربما تحظى بتأييد الكثيرين من المتابعين في الأيام القليلة الماضية؛ بسبب ضلوع تلك المؤسسات في محاولة انقلاب على الديمقراطية، التفت الباحثان «جوليان برغر» و«باتريك كينغسلي»، في مقال لهما في الجارديان، بعنوان «لحظة واحدة، ومن ثم عودة للأعمال كالعادة»، ملاحظة أن الرئيس أردوغان، لم يظهر الامتنان والشكر لأحزاب المعارضة، التي أعلنت منذ اللحظات الأولى للانقلاب رفضها له، وهو ما ساهم في إضعاف موقف الانقلابيين على المستوى الدولي، وذلك بالرغم من أن أحزاب المعارضة قد رسمت صورة براقة لتركيا؛ حين وقف البرلمان التركي كله في لحظة نادرة للوحدة، بحسب وصف الكاتبين، ليرفض بكل فصائله تدخل الجيش في السياسة.

في الواقع، وبعكس ما ذكره المقال، فقد توجه أردوغان بالشكر إلى رئيس حزب الشعب الجمهوري، «كمال قليجدار أوغلو»، والحركة القومية «دولت بجة لي»، في مكالمة هاتفية معهم، وأمام وسائل الإعلام أيضًا، ووصف مواقفهم بالمشرفة.

لكن ربما ما قصده المقال، يعني ما هو أبعد من ذلك، فخطاب السلطة الذي دشنته للشعب بعد محاولة الانقلاب، والرواية التي صدرتها للناس حول ما حدث، لم يكن تثمين دور المعارضة الرافض للانقلاب، ركيزة أساسية فيها، وقد شددت السلطة التركية على فكرة التطهير، أكثر بكثير من تشديدها على الوحدة بين التيارات المختلفة في البلاد، التي اصطفت كلها ضد محاولة الانقلاب، وأكثر بكثير من تشديدها على ضرورة استكمال الإصلاح الديمقراطي في البلاد، الذي يخدم في النهاية المناخ الصحي للتنافس.

بعكس معظم ما كُتب في الصحافة الغربية، من انتقادات شاملة لحملة الاعتقالات التي شهدتها تركيا في مجملها، ركز هذا المقال ربما على التحدي الأهم المتعلق بمستقبل الديمقراطية في تركيا بعد محاولة الانقلاب، فمعركة السلطة مع الدولة العميقة في حد ذاتها، ربما ينظر لها من السطح، باعتبارها خطوة ممهدة لمزيد من الديمقراطية، لكن السؤال الأهم، هل ستنتقل معركة التطهير هذه بعد ذلك، لتصفية الخصوم السياسيين لأردوغان بعد تقليم أظافر الدولة العميقة؟

وبالرغم من التخوف على قوة الجيش التركي نفسه من عملية تقليم الأظافر هذه، إلا أن الأرقام تؤكد أن تلك المخاوف من عملية تغيير عقيدة الجيش التركي، من حماية العلمانية إلى حماية الوطن وفقط، قد لا تكون حقيقية إلى حد بعيد، فبحسب الباحث المتخصص في الشئون التركية، «علي باكير»، يعتبر الجيش التركي هو ثاني أكبر جيش في «حلف الناتو»، ويبلغ عدد جنوده، أكثر من نصف مليون فرد، وبالتالي فحتى مع اعتبار عدد المعتقلين المنتمين للمؤسسة العسكرية عشرة آلاف شخص، وليس ثمانية آلاف، فإن هذا العدد لا يمثل سوى 2% من تعداد الجيش التركي، ويضيف باكير أن: «نفس الأمر ينطبق أيضًا على جميع مؤسسات الدولة الأخرى».

لذلك يبقى السؤال الأهم، بعيدًا عن تعامل الجيش مع مؤسسات الدولة العميقة، هو كما أسلفنا: هل ستنتقل معركة التطهير هذه بعد ذلك، لتصفية الخصوم السياسيين لأردوغان بعد تقليم أظافر الدولة العميقة؟

عبرت صحيفة «الجارديان» عن هذا السؤال، حين قالت تعقيبًا على حملة الاعتقالات التي شنها أردوغان «أُنقذت الديمقراطية، والآن حان دور الدفاع عن حقوق الإنسان».

بالنسبة للكاتب «إدوارد لوكاس»، في مقاله بصحيفة التايمز «فشل الانقلاب في تركيا لم يحم الديمقراطية بل قبرها»، فإن أردوغان يبدو مصممًا على تدمير دولة القانون، بالإضافة إلى تدمير القضاء المستقل والصحافة الحرة.

وقد كتبت صحيفة «الجارديان»، في افتتاحية لها بعد الأحداث، أن تركيا قد تتجه إلى شكل من أشكال الديكتاتورية المنتخبة.

وفي الواقع تنقسم الآراء بشأن ما يحدث في تركيا الآن إلى قسمين: القسم الأول يرى أن الديمقراطية قد تم إنقاذها، ويجب الآن حماية، وإنقاذ حقوق الإنسان، في حين يرى الفريق الآخر أن الديمقراطية، لم تنقذ بعد، ولن يتم إنقاذها إلا بالخطوات التي يتخذها أردوغان الآن، الساعية إلى ترسيخ عقيدة جديدة في الجيش، بعد تقليم أظافره.

بعكس المتخوفين، يرى الباحث المتخصص في الشأن التركي «مصطفى اللباد»، أن المشهد يدعو للتفاؤل فيما يخص الحراك الديمقراطي، حيث يرى اللباد، أن أحزاب المعارضة هي المنتصر الحقيقي في محاولة الانقلاب الفاشلة هذه، لأنها بالرغم من خلافاتها العميقة مع أرودغان رفضت الانقلاب منذ لحظاته الأولى، وقد شدد اللباد على أن حزب «الشعوب الديمقراطي الكردي» تحديدًا، قد اتخذ هذا الموقف المعارض للانقلاب، على الرغم من أن أردوغان، قد رفع الحصانة سابقًا عن 50 من نوابه في البرلمان، من أصل 59 نائب للحزب في البرلمان.

وجدير بالذكر هنا، أن صحيفة «لوريون دو جور» اللبنانية الناطقة بالفرنسية، كانت قد بينت في تقرير لها، أن الأكراد بالرغم من غضبهم الشديد من أردوغان، لكنهم حبذوا الديمقراطية بكل عيوبها، على الحكم العسكري، الذي كان يذيقهم الويلات، من وجهة نظرهم، كلما جاء.

بالتالي يرى اللباد، أن أحزاب المعارضة قد كسبت قوة جماهيرية كبيرة في الشارع التركي، بسبب موقفها، الذي لم ينتهز الظروف على حساب الديمقراطية والمصالح الوطنية العليا، ويتوقع اللباد أن قوى المعارضة سوف تراكم مزيد من الجماهيرية في الشارع التركي خلال الفترة القادمة، بسبب موقفها.

في حين ينظر الباحث السياسي التركي، «فائف بولوط»، بعين الحذر والريبة، لحملة الاعتقالات التي شنها أردوغان، ويرى أنها حملة متخبطة وتتسم بالعشوائية، وتجاوزت حد المعقول والمقبول، وأن الحكومة قد قامت باعتقال حتى بعض قيادات الجيش والشرطة الذين التزموا الصمت أثناء الأحداث، بالإضافة لبعض الضباط القوميين، الذين لم يشاركوا في الانقلاب.

وتثار علامات الاستفهام أيضًا حول سرعة إصدار قرارات الاعتقال وكأن الأمر تم إعداده بشكل مسبق، لكن الفريق المؤيد لخطوات أردوغان، يرد بخصوص تلك النقطة ونقطة اعتقال عدد كبير من الضباط الذين لم يشاركوا في الانقلاب، بأنه من الطبيعي أن تكون لدى الجهات الأمنية، قوائم بأسماء المشتبه بهم، خصوصًا وأن الحكومة تراقب الكيان الموازي وأنصار «فتح الله كولن» في المؤسسات، منذ عام 2013، ومن الطبيعي أن يتم اعتقال هؤلاء في اللحظة التي تحدث فيها محاولة انقلاب، وأن جميع المشتبه بهم سيقدمون في النهاية لمحاكمات عادلة، ومن سيتم تبرئته منهم سيعود إلى وظيفته فورًا.

وجدير بالذكر هنا، أنه حتى تلك اللحظة، لم تطل حملة الاعتقالات، أي شخص من الخصوم السياسيين لأردوغان أو حزب العدالة والتنمية، وأنها لم تطل حتى الآن سوى الضالعين في المؤسسات العميقة بالدولة.

ومن هنا، فلم يتضح حتى الآن، بالرغم من المخاوف، هل ستأتي حملة الاعتقالات هذه في صالح ديمقراطية أكثر جذرية، تبعد شبح الحكم العسكري للأبد، أم أنها ستكون خطوة في ترسيخ نظام حكم دكتاتوري ذي صبغة دينية؟

أردوغان.. هل يتحول إلى سلطان شرقي مستبد؟

في إحدى افتتاحياتها، بعد 15 يوليو (حزيران)، قالت صحيفة «التايمز» أن محاولة الانقلاب الفاشلة، قد فتحت الطريق أمام أردوغان باتجاه السلطة المطلقة، وهو ما ظل يتوق إليه منذ وقت طويل، من وجهة نظر الصحيفة.

يأتي هذا الحديث للتايمز، وغيرها من الصحف ووسائل الإعلام، في أعقاب ما قاله أردوغان نفسه، حول أن محاولة الانقلاب الفاشلة كانت هبة من الله، لتطهير مؤسسات الدولة.

وفي مقالة لها، بنفس الصحيفة، بعنوان «الجانب المظلم من الدفاع عن الديمقراطية» كتبت «أليف سكوت»، مؤلفة كتاب «نهضة تركيا»، تقول إن الحشود التي نزلت للشوارع في تركيا دفاعًا عن الديمقراطية، قد ارتكبت الكثير من الفظائع في حق الجنود المشاركين في محاولة الانقلاب، ومعظمهم جنود صغار السن لم يتلقوا تعليمًا أو تدريبًا جيدًا، فقد ضربوهم وجردوهم من ملابسهم وأعدموا بعضهم، دون محاكمة.

بحسب سكوت، فإن العنف الوحشي والهمجي في تركيا الآن من العامة، بحسب وصفها، صار مقبولًا باعتباره دفاعًا عن الديمقراطية، وبحسب سكوت فإن هذا الوضع مرضي عنه من الرئيس، الذي ازداد نفوذه أكثر من أي وقت مضى.

نبقى مع «التايمز»؛ حيث قالت في تقرير لها، أن السلطة في تركيا، أغلقت خمسة مواقع إخبارية على الشبكة العنكبوتية، وهو ما وصفته الصحيفة بحملة قمع جديدة، تستغل الانقلاب الفاشل، في دولة تزداد «أسلمتها».

في هذا الصدد، يرى الصحفي الإسرائيلي «بن درور يميني»، في مقال له بعنوان «تركيا.. الديمقراطية لم تنتصر»، أن القضية تسبق محاولة الانقلاب الفاشلة بكثير، فمنذ قرابة العقد ونصف، عمل أردوغان على إضعاف الديمقراطية، بتعبير يميني، وأضعف مراكز القوى العلمانية، الممثلة في المؤسسة العسكرية والقضاء والشرطة ووسائل الإعلام.

ويلاحظ الصحفي الإسرائيلي المفارقة هنا، في أن أردوغان الذي أغلق نظامه العديد من مواقع «الانترنت»، وعطل جزئيًا مواقع التواصل الاجتماعي، وصدر في عهده العديد من أحكام الحبس في حق صحفيين بتهمة إهانة القائد الأعلى، حين حدث الانقلاب ضده، ركض عندما حدث الانقلاب باتجاه شبكات التواصل الاجتماعي ليتواصل مع المواطنين، وهي الشبكات التي كان قد عطاها جزئيًا، كما سبق وذكرنا.

بحسب يميني، فإن الفترة السابقة توضح، أن أردوغان كلما قوى نفسه، كلما أضعف الديمقراطية في تركيا.

ويرى الباحث مصطفى اللباد أيضًا أن أردوغان «شخصن النظام السياسي التركي، وقيد إلى حد كبير حرية الصحافة وضيق على أحزاب المعارضة واشترى وسائل الإعلام، وكلها ممارسات شمولية تنتمي إلى الشرق الأوسط، وليس إلى أوروبا، كما يزعم أردوغان».

لكن اللباد لديه رؤية متفائلة بشأن المستقبل؛ إذ يقول إن «حقائق الأمور وموازين القوى على الأرض تغيرت، فتركيا اليوم ما بعد الانقلاب غير تركيا الأمس ما قبل الانقلاب، ولا أعتقد أن هذا يصب في صالح أردوغان وإنما في صالح خصومه. ولا أعتقد أن المجتمع الدولي، ولا الاتحاد الأوروبي، ولا الولايات المتحدة، ستسمح لأردوغان بمراكمة المزيد من الصلاحيات السلطانية لشخصه، وتحويل النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي».

ويضيف اللباد في الحوار الذي أجراه معه موقع قنطرة «أعتقد أن أردوغان له طموح سياسي كبير ويشخصن الأمور، لكن له غريزة بقاء ستجبره على التعامل مع المشهد السياسي الداخلي بعقلانية وحكمة أكثر حتى تتجاوز البلاد هذه الأزمة. وبتقديري لم يربح أردوغان من الانقلاب بقدر ما ربحت الديمقراطية في تركيا، وأحزاب المعارضة التي غلبت الاعتبارات الديمقراطية على خلافاتها السياسية مع أردوغان».

وعلى الجانب الآخر، وبشأن تحول تركيا في تجاه «الأسلمة، يرى العديد من المحللين السياسيين، أن هذا تخوف غير صحيح في الوقت الحالي؛ لأن فشل الانقلاب يعود بالأساس في نظر هؤلاء، إلى التحالف القوي الذي شكله الرئيس التركي مع الجناح العلماني داخل الجيش.

كما أن مولود «جاويش أوغلو»، وزير الخارجية التركي، كان قد صرح عقب الانقلاب، وردًا على اتهامات الاتحاد الأوروبي، قائلًا إن «تركيا لن تتراجع خطوة واحدة، وبشكل نهائي، عن مكتسبات حقوق الإنسان وسيادة القانون والديمقراطية المدنية، ولا يحق لأحد، أن يطلق أحكامًا مسبقة، بحق العملية القانونية المستمرة، فيما يتعلق بمحاولة الانقلاب الدموية».

إذن فحتى الآن، تظل كل الاحتمالات قائمة، وغير معلوم إذا كانت تركيا ستضرب المثل في الشرق الأوسط، بأنه إذا تم تدمير قوى الردع المتمثل في أجهزة الدولة العميقة، ستنشأ ديمقراطية أكثر جذرية، أم ستنشأ ديكتاتورية جديدة، من نوع مختلف.

المصادر

s