كان أحد الملامح التي تأسس عليها المشهد الرسمي لدولة ما بعد 30 يونيو (حزيران) 2013 في مصر، دمج الجناح الذي جرى الاتفاق على تسميته في بعض وسائل الإعلام بـ«الجناح الديمقراطي»، في تحالف الحُكم، كمحاولة لاستخدام هذه الوجوه المدنية لإضفاء شرعية على المشهد السياسي، والتنظير لمُبررات السلطة، والتسويق لها خارجيًا.

لم يمض طويلًا على وجود هذا الجناح داخل تحالف 30 يونيو (حزيران)، إذ ظهرت الاستقالات المتوالية من الحكومة لغالبية المحسوبين على ما يُعرف بـ«الجناح الديمقراطي»، لينكشف مع هذه الاستقالات عدد من الاستحقاقات الكُبرى بين أركان هذا التحالف، بعد سكون غبار المواجهة مع جماعة الإخوان المسلمين، وهو تلاشي فاعلية وجودهم في إدارة المشهد، وسقوط نظرية الإصلاح من الداخل.

مصطفى حجازي

في السادس من يوليو (تموز) 2013، كان مصطفى حجازي، وهو أحد وجوه السلطة المدنية التي أدرجها القائمون على إدارة المشهد السياسي داخل أروقتها؛ في مسعى حثيث لاستخدام الوجه المدني الديمقراطي لحجازي، كي يُضفي شرعية على المشهد السياسي، وينظر لمُبررات السلطة، ويسوق لها خارجيًا.

حاز حجازي شهرة استثنائية بعد ثورة 25 يناير، بوصفه محللًا سياسيًّا، وخبيرًا في التطور المؤسسي والإستراتيجي، يمتاز أداؤه الإعلامي بهدوء في التحليل، وحديث منمق، ومُفردات عربية فصحي.

وسعى المخولون بإدارة المشهد، في تعيينه مستشارًا سياسيًا للرئيس المؤقت عدلي منصور، لينقل وجهة نظر الدولة، ويدافع عن وجهة نظرها، ويبرئ السلطة عما وصفته منظمات حقوق الإنسان بـ«العنف المفرط في فض اعتصامي رابعة والنهضة».

من ضمن الفريق الاستشاري لعدلي منصور، كان حجازي الوحيد من المجموعة الذي تمتع بعلاقة قوية مع عبد الفتاح السيسي، الذي نال إعجابه، وصار مُلازمًا له في جولاته الداخلية والخارجية، لينتقل في مرحلة تالية ضمن مراحل تشكيل السلطة، إلى الحملة الانتخابية للسيسي لرسم الإستراتيجيات العامة للحملة.

ظل حجازي مُرابطًا على لجام السلطة، تتوسع دوائر قنوات اتصاله بالخارج والداخل، ويتغلغل نفوذه داخل مفاصل الدولة، على العكس من رفيقه زياد بهاء الدين، الذي قدم استقالته احتجاجًا على قانون التظاهر.

مصطفى حجازي

«قانون التظاهر فى صالح عموم الشارع، وهي الكتلة الأقل صخبًا، والأقل قدرة على التعبير عن نفسها، عن طريق الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي»، كان ذلك أحد مواقف حجازي المتماهية مع السلطة، التي سار على نفس دربها خلال فترة وجوده في دوائر النفوذ، مانعًا نفسه من أي صدام قد يخصم من رصيده عند أولي الأمر.

تماسُك حجازي أمام اختيارات السلطة مهما كانت باطشة، كما يصفها مُعارضوها؛ لم يستمر طويلًا أمام وشاية الأجهزة الأمنية (جهازي الأمن الوطني والمخابرات الحربية)، من ارتفاع نفوذه السياسي، وحضوره الشخصي، إلى حد مطالبة مجموعات متنوعة لأن يترشح لمنصب رئيس الجمهورية، ما عجّل بخروجه من المشهد ليعود إلى عمله الأصلي أستاذًا في كلية الهندسة بجامعة عين شمس، ومُؤسسًا لشركة كبيرة في مجال التطوير المُؤسسي، وكاتبًا لمقالات رأي، يرى البعض أنها مُعارضة للنظام!

محمد البرادعي

كان محمد البرادعي أحد الوجوه الرئيسية للتحضير لدولة ما بعد 30 يونيو (حزيران)، فكانت رمزية حضوره في القصر الرئاسي يوم الثالث من يوليو (تموز)، تحمل دلالات عن دورٍ فاعل له في سلطة إدارة المشهد السياسي خلال المرحلة المقبلة.

«خارطة الطريق انطلاقة جديدة لثورة 25 يناير من أجل العدالة والحرية، وتصحيح لمسارها الذي شاءت الظروف أن ينحرف عن مطالب الشعب المشروعة»، بتلك المفردات التي عبرت بوضوح عن انحيازه الكامل لبيان الثالث من يوليو (تموز)، الذي عُين على أثره رئيسًا للوزراء، إلا أن رفض حزب النور السلفي دفع به إلى منصب نائب الرئيس للشؤون الخارجية.

تزامن تولي البرادعي للمنصب، مع رسم ملامح لمهامه في التفاوض مع جماعة الإخوان المسلمين، بالتنسيق مع المسؤولين الغربيين لإجراء مصالحة شاملة، قبل أن تُقطع محاولاته المستمرة، بقرار فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، ليقرر بعدها تقديم استقالته رسميًا، اعتراضًا على العنف المفرط في الفض.

زياد بهاء الدين

كان زياد بهاء الدين أول المُرشحين لمنصب رئيس الوزراء في الفترة الانتقالية التي تلت عزل مرسي، لكن تكرار اعتذاره عن المنصب دفع به لمنصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ووزيرًا للتعاون الدولي.

سلك زياد ما يُسمى بالمسار الإصلاحي داخل سُلطة يوليو (تموز)، وتوغلت مهامه السياسية على حساب الاقتصادية خلال فترة عمله، خلافًا للدور المُحدد له من جانب وزير الدفاع والأجهزة الأمنية؛ ليتقدم باستقالته أكثر من مرة، ويتم رفضها من جانب السيسي.

سعت الأجهزة الأمنية، وبخاصة المخابرات الحربية، التي تعاظم نفوذها ودورها مع صعود السيسي؛ للخصم من نفوذ زياد داخل السلطة، واستنفار حملات هجومية من بعض مراكز القوى في القصر الجمهوري، وأجهزة الأمن السياسي، ووصفه بأنه أحد الساعين لتقويض النظام؛ لينتهي الحال باستقالته من منصبه الوزاري، والاكتفاء بعمله الخاص.

زياد بهاء الدين

«مسار الخلاف كان قانون التظاهر، وكانت وجهة نظري ولا تزال، هي أن القانون يضع قيودًا على التظاهر السلمي، بمعنى أن القوانين السابقة تمنع منعًا باتًا استخدام السلاح والإرهاب والترويع، إذًا الإضافة في القانون هو تقييد التظاهر السلمي، وهو مخالف للدستور الذي يؤيد التظاهر السلمي»، كان هذا أحد التصريحات السابقة لزياد بهاء الدين، الذي برر فيه استقالته من منصبه، بالتزامن مع حالة الاغتيال المعنوي التي تعرض لها من جانب عددٍ من الوسائل الإعلامية المُقربة من الأجهزة الأمنية.

عمرو موسى

برز عمرو موسى واحدًا من صناع مشهد عزل مرسي من السلطة، إذ ترأس لجنة الخمسين لإعداد دستور جديد للبلاد، بعد إلغاء دستور 2012، وشرع في جولة خارجية دون أي صفة رسمية، بعد إعلان السيسي ترشحه للانتخابات الرئاسية، التقى خلالها مستشارة الرئيس الأمريكي للأمن القومى سوزان رايس في العاصمة الأمريكية واشنطن، كما زار الجزائر والتقى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ومسؤولين جزائريين، وكذا إليزابيث جيجو، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية بالجمعية الوطنية (الغرفة الثانية للبرلمان الفرنسي)، ووزير الخارجية الفرنسي، فيما اعتبرها المراقبون جولة لتسويق السيسي خارجيًا.

التكهنات التي كانت تُرجح تعيين موسى مستشارًا سياسيًا للسيسي ذهبت أدراج الرياح، بل وموسى نفسه ذهب أدراج الرياح، بعد إبعاده عن المشهد السياسي تمامًا، وإطلاق عدد من الشائعات من وسائل إعلامية مُقربة للدولة عن قربه من جماعة الإخوان المسلمين، وصلاته بمن تُطلق عليهم هذه الوسائل الإعلامية المحسوبة على النظام، «الطابور الخامس».

عمرو موسى

مصدر مُقرب من موسى، رفض الإفصاح عن اسمه، كشف لـ«ساسة بوست» سيناريوهات إبعاده من دائرة السلطة، فقال: «كان موسى مُقربًا من السيسي شخصيًا، ويتمتع بثقته الشخصية، لكن الخلافات بدأت مع تجاهل وجهات نظره في عدد من الملفات، أبرزها إقالة نبيل فهمي، وزير الخارجية الأسبق، وتبعها عدد من الملفات التي تم تجاهل رأيه فيها، كقضية تعديل الدستور، تبعها حوار صحافي ظهر فيه مُعارِضًا للسيسي في عدد من القضايا، لينتهي الأمر باستبعاده تمامًا، وتحذيره من الترشح لأي انتخابات مُقبلة، وقضائه أغلب فترات وقته في الساحل الشمالي».

الهيئة الاستشارية لحملة السيسي الانتخابية: لم يبق أحد

ظهرت بعض الأسماء المعروفة بوصفها مستشارين للحملة الانتخابية للسيسي، وجوهًا مدنية تحاول أن تمحو الصورة السائدة عن عسكرة الدولة، وتؤكد في كافة تصريحاتها الإعلامية أن وجودهم في هذه الهيئة، هو دليل على أن الاتهامات المتعلقة بعسكرة النظام هي محض أكاذيب وافتراء على الرجل «الذي خلع بذلته العسكرية».

من ضمن هؤلاء، عضو الجمعية الوطنية للتغيير عبد الجليل مصطفى، والمخرج خالد يوسف، أستاذ العلوم السياسية والبرلماني السابق عمرو الشوبكي، والمرشح الرئاسي الأسبق عمرو موسى، وهاني سري الدين رئيس هيئة سوق المال الأسبق، الذين كانوا أشبه بمجموعة استشارية مسؤولة عن تقديم مقترحاتها للسيسي فيما يخص برنامجه الانتخابي، ورسم تصورات كُبرى لبرنامجه الاقتصادي والسياسي.

المجموعة التي تظاهرت بمدنية الدولة، وأكدت على أن استدعاءها دليل على حسن نوايا السيسي، لم تُكمل في هذه الهيئة، بعد انكشاف تجاهل آرائهم، وصعوبة التواصل مع السيسي، لتنتهي هذه الهيئة بالاستقالات المتوالية، التي أنهت على مسألة وجودهم داخل دائرة صناعة القرار في المراحل المُقبلة، وكتبت نهاية ما يُسمى بـ«تيار الإصلاح من الداخل»، أو «الجناح الديمقراطي».

أحد أعضاء هذه الحملة كشف لـ«ساسة بوست» عن ملامح الدور الذي لعبته هذه المجموعة: «كان الدور المتفق هو تقديم مُقترحات بشكل منفصل عن الحملة الرئيسية. وأغلب أسماء هذه المجموعة كان بترشيح من عمرو موسى وتزكية من السيسي شخصيًا».

وأضاف المصدر الذي فضل عدم التصريح باسمه: «الجميع اكتشف في الاجتماعات التالية للمجموعة، أن عضويتهم داخل الحملة هي مسألة ظاهرية، وأن أدوارهم لن تتعدى مجرد ذكر أسمائهم في وسائل الإعلام»، مُدللًا على ذلك بعدم انعقاد أي اجتماع بينهم وبين السيسي إلا مرة واحدة، وقد جرى اختيار ثلاثة أعضاء فقط من بينهم، لحضور هذه الاجتماعات.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد