لا يبدو ما حدث من قبيل الصدفة، أو المناكفات الشيعية السنية التقليدية على مدار التاريخ، بل إن ما حدث -كما يُخبر الواقع- هو إعادة صياغة ورسم للهوية السكانية والمذهبية للعراق، وفقًا –على ما يبدو أيضًا- للرؤية الإيرانية، التي لن تتخط بأي حال من الأحوال الرضا الأمريكي.

وربما يدل على ذلك ما قام به الحاكم  المدني الأمريكي “بور بريمر” في بداية احتلال واشنطن للعراق حيث قام  بحل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، ليتسنى إعادة تكوين العراق وتشكيله بالصورة التي تخدم الأهداف التي احتـُل العراق من أجل تنفيذها.

“تعرض خلال عام 2015 أكثر من 190 مسجدًا للتخريب أو التدمير أو الاعتداء عليها من قبل الميليشيات الشيعية في المناطق الساخنة، ومنها ديالى، وصلاح الدين، والأنبار، وبغداد، ومناطق أخرى”.

ويذكر نبيل خليفة في كتابه “استهداف أهل السنة” أن “التركيز على العراق ذو مغزى جيو-إستراتيجي كبير، ليس لأنه الواجهة الشرقية للعالم العربي والحاجز أمام الثورة الإيرانية وحسب، بل لأنَّ مشروع المشرق يبدأ تنفيذه بإسقاط السلطة السنيَّة في بغداد؛ بمعنى آخر إسقاط العراق بوصفها دولةً عربية سنيَّة، ونقله وانتقاله إلى السيطرة الشيعية على السلطة. وهذا في رأي الإستراتيجيين أهم تغيير جيو-إستراتيجي في المنطقة؛ لأنه المدخل إلى تغيير ثلاثة أمور أساسيَّة:

  • أولها: تغيير وجه “الشرق الأدنى” من دول الأكثرية السنية إلى دول “تحالف الأقليات الكونفدرالية” بحدوده الجديدة وبأعمدتها الأساسية الأربعة: الشيعة (وفيهم العلويون) واليهود والأكراد والمسيحيون.
  • ثانيها: تغيير هوية المشرق من هوية عربية إلى هوية إيرانية/ فارسية.
  • ثالثها: تغيير انتماء المشرق من انتماء إلى “العالم السنّي” إلى انتماء إلى “العالم الشيعي”.

 

 

ولتحقيق هذا التغيير، يتم استخدام فكر إستراتيجي متفوّق تنظيمًا وتخطيطًا وتسلحًا في الجانب الأقوى، وعلى يد داعميه الإقليميين والدوليين؛ لأنه الوسيلة الوحيدة لكسر التفوّق التاريخي -الديمغرافي- السلطوي لأهل السنة، الذين يعانون من أمرين:

  • الأول: الافتقار إلى إستراتيجيّة فاعلة ومناسبة للمرحلة التي يمرّ بها العالم الإسلامي والشعوب الإسلامية.
  • الثاني: الافتقار إلى “فكر سياسي حداثي ومعاصر”.

المدن الأكثر تضررا

بيد أن ثمة دول تضررت أكثر من غيرها بهذا التغيير الديمواغرافي وتتكلم الإحصاءات المنشورة في غير مركز دراسات أن بعض المدن باتت نسب السنة فيها تقارب الصفر نظرًا للإجراءات التي تقوم بها المليشيات الشيعية.

 

1- ديالى

تقع محافظة ديالى إلى الشمال من العاصمة العراقية، تقطنها أعراق وطوائف متداخلة اجتماعيًّا، وهي ذات غالبية عربية سُنِّيَّة، تقع على خطوط التماس الجغرافي مع إقليم كردستان، وتضمُّ مدنا عدَّة مختلف على عائديتها بين حكومتي الإقليم والمركز، وتشترك مع إيران بحدود طويلة، تعتبر الأقرب جغرافيًّا إلى العاصمة، يُراد لهذه المحافظة ومناطق حزام بغداد أن تكون منطلقًا لتنفيذ السياسات الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان، ولن يتمَّ هذا إلا بتغيير التركيبة السكانية لهذه المناطق، وتمثِّل المحافظة أهميةً إستراتيجية لكلٍّ من إيران والأطراف المحلية المتصارعة توازي أهمية حزام بغداد من النواحي الأمنيَّة والعسكريَّة.

 

الطائفية ضد السنة في هذه المحافظة لا يتوقف على وسيلة واحدة بدءًا من  سياسات التهجير القسري، ومنع عودة السكان السُّنَّة لإفراغ المحافظة منهم، واستبدال سكان شيعة بهم، وكذلك حصار الأهالي سياسيًا واقتصاديًا، وكذلك استهداف بعض الأحياء بقذاف الهاون.

“يُراد لهذه المحافظة ومناطق حزام بغداد أن تكون منطلقًا لتنفيذ السياسات الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان، ولن يتمَّ هذا إلا بتغيير التركيبة السكانية لهذه المناطق”.

ولتعزيز هذه السياسة ارتكبت القواتُ الأمنيَّة وقوات الحشد الشعبي المزيدَ من المذابح الموصوفة بالقتل الجماعي؛ فقد نَفَّذَت القوات الأمنيَّة والميليشيات بمشاركة كبرى العشائر الشيعية في المحافظة حملاتِ تهجيرٍ في القرى التابعة لقضاء المقدادية ومركز ناحية أبي صيدا والقرى المحيطة بها، وتفجير عشرات المساجد والمدارس الدينية كما مورست ضدَّ السُّنَّة عمليات اغتيال واعتقال واسعة، وشهد عموم المحافظة عددًا من المذابح؛ مثل: مذبحة جامع سارية، ومذبحة جامع الصديق في قرية الوجيهية، ومذبحة ناحية بهرز؛ التي أشرف على تنفيذها قائد الحشد الشعبي في المحافظة النائب هادي العامري، وغيرها الكثير من المذابح في قرى ومدن المخيسة والكاطون والمقدادية وشفتة ودلي عباس وكنعان والوجيهية وحمرين، وغيرها من مناطق ديالى، كما شهدت سجون ديالى مذابح عدَّة بتواطؤ من قيادة الشرطة؛ مثل: مذبحة سجن بعقوبة المركزي، وسجن مركز أبي صيدا، وسجن المفرق، وغيرها من المذابح والانتهاكات دون أنْ تتبنَّى الحكومة الاتحادية موقفًا حازمًا ضدَّ مرتكبيها.

وبعد سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية على المحافظة لشهور، تمكن الجيش العراقي المدعوم من مليشيات الحشد الشعبي من إعادة السيطرة على جزء من محافظة ديالى غداة سيطرة داعش على المحافظة القريبة من إيران، بيد أن النائبة العراقية عن محافظة ديالى ناهدة الدايني كشفت عن منع قوات البيشمركة عودة العائلات النازحة إلى ناحية جلولاء في المحافظة التي تحررت من “داعش” مضيفة أن “قوات البيشمركة التي تسيطر على ناحية جلولاء منذ ثمانية أشهر تمنع عودة العوائل العربية النازحة إليها لأسباب عدة، أهمها أن المكون العربي فيها يشكل ما نسبته خمسة وثمانين في المائة؛ لذا فإن القيادة الكردية تسعى عبر هذه السياسة إلى تغيير الطبيعة السكانية لتلك المناطق”. وأشارت عضو تحالف القوى العراقية إلى أنه على الرغم من تحرير عدة مناطق في ديالى، ومنها مدن العظيم والسعدية وجلولاء وقرى المقدادية و38 قرية أخرى.

“فجرت أو حرقت المليشيات الشيعية خلال العام أكثر من 30 مسجدًا سنيا”.

 

ولذا فإن الغالبية السُّنِّيَّة في محافظة ديالى تُقَلِّص حظوظ النجاح في تغيير التركيبة السكانية إلى حدٍّ كبير، وتجعله أمرًا غير واقعي في المدى المنظور؛ لكن استمرار هذه السياسات لعقود طويلة سيؤدِّي حتمًا إلى إحداث تغيير كبير لصالح الشيعة.

 

https://www.youtube.com/watch?v=A5V6NF7mjGg

2- الأنبار

تقع محافظة الأنبار في نهاية القسم الغربي من العراق، وتبلغ مساحتها 138579 كم مربع، إلا أنها تحتل المرتبة الأولى من حيث المساحة بين محافظات البلاد؛ حيث تشكل نسبة 32 في المئة من مجموع مساحة العراق، وتقطنها عشائر عربية أصيلة لها امتداد مع عشائر في المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية، كقبيلة عنزة وشمر، وعشائر الدليم ومن أهم المدن التي تضمها، الرمادي والفلوجة والقائم وحديثة والخالدية.

 

مع قرب انتهاء عام 2015 أعلن الجيش العراقي إعادة السيطرة عدد من المناطق في الأنبار، بيد أن الواقع على الأرض غير واضح تمامًا إذ ما زالت قوات تنظيم الدولة تنفي وبشدة أن يكون للجيش العراقي خطوات متقدمة على التنظيم.

ولم تلقَ استعدادات نحو 6 آلاف متطوع من عشائر الأنبار للانخراط في المعارك ضد تنظيم الدولة؛ أيَّ صدى لدى الحكومة العراقية ذات النفوذ الشيعي؛ بل على العكس من ذلك تمامًا، لم يشفع ذلك لهم أمام إجراءات المليشيات الشيعية من جهة، واتهامهم بالتعاون مع تنظيم الدولة كذلك، فيما عامل التنظيم أهالي المحافظة بالكثير من العنف نظرًا لاستعدادهم لمحاربته، والارتماء في حضن عدوهم اللدود.

عشائر الأنبار: “الحقد الإيراني التاريخي تجاه المنطقة يعد أحد الدوافع وراء محاولة إحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة”.

الشيخ عبد القادر النايل -أحد شيوخ عشائر الأنبار- أوضح أن القصد من إشراك الحشد الشعبي في القتال يهدف إلى “تركيع شعب الأنبار” لصالح إيران، مُضيفًا أن مليشيات الحشد الشعبي هي نفس المليشيات التي تتبع الأجندة الإيرانية، والتي واصلت قتل الشعب العراقي منذ عام 2003، وقال إن ما سماه الحقد الإيراني التاريخي تجاه المنطقة يعد أحد الدوافع وراء محاولة إحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة، وأن المعركة تهدف إلى قتل شباب الأنبار جميعا، وتأسيس دولة المليشيات من جديد وحذر النايل من أن مشاركة الحشد الشعبي في القتال ستسبب خرقا كبيرا للنسيج الاجتماعي العراقي، وأكد أن هذه المليشيات تتفاخر بسرقة البيوت وكسر المتاجر ونهبها.

وبلغة الأرقام: فقد أعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من 90 ألف عراقي سني نزحو من الرمادي (مركز الأنبار) والمناطق المحيطة بها، بينما ذكرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان أن بعض النازحين تُوفوا لصعوبة ظروفهم؛ حيث تؤكد المفوضية العليا لحقوق الإنسان أن الآلاف من النازحين يعيشون في العراء على مشارف بغداد وإن السلطات تمنعهم من دخولها إلا بضمان كفيل من داخل المدينة.

3- محافظة صلاح الدين

تقع محافظة صلاح الدين أحد المحافظات العراقية الواقعة وسط العراق، وذاع صيتها بسبب مدينة تكريت التي تقع ضمن حدود المحافظة والتي كان مسقط رأس صلاح الدين الأيوبي وصدام حسين، من أهم المدن التي تشملها سامراء، وتكريت والشرقاط وبيجي وغيرها.

تمكن الجيش العراقي والحشد الشعبي ومتطوعون من العشائر تحرير غالبية أرجاء المحافظة من سيطرة تنظيم الدولة، بعد سيطرة دامت طويلاً ومعارك أقل ما توصف بأنها “ضارية”.

ولم تسلم هذه المحافظة غداة تحرير معظمها من داعش من التهجير القسري للسنة، حيث اتهم الشيخ فلاح حسن الندى، أحد شيوخ قبيلة البوناصر في تكريت (160 كلم تقريبا شمالي بغداد) مليشيات الحشد الشعبي بمنع أهالي تكريت من العودة إلى منازلهم بعد تحرير المدينة من تنظيم الدولة الإسلامية.

 

“8 آلاف منزل داخل تكريت قد تعرضت للنهب والسلب والتدمير بالعبوات الناسفة”.

وكان أهالي تكريت هجّروا إلى إقليم كردستان بعد احتلال مدينتهم من قبل تنظيم الدولة، ثم منعوا من العودة لمدينتهم بعد تحريرها من التنظيم

وأكد مدير المركز الوطني للعدالة، الدكتور محمد الشيخلي أن سبب المنع يعود لخشية الحكومة من كشف ما عدّها فضائح الجرائم والفظاعات التي ارتكبتها مليشيات الحشد الشعبي في محافظة صلاح الدين وبالتحديد في تكريت.

وأضاف الشيخلي المركز الوطني للعدالة يملك دلائل موثقة على أن 8000 منزل داخل تكريت قد تعرض للنهب والسلب ثم التدمير بالعبوات الناسفة.

وكان هذا ما تحدث عنه عبد سرحان المجمعي من أحد وجهاء محافظة صلاح الدين، حيث وصف أن تحرير القرى من الجيش العراقي والشرطة الاتحادية ومليشيا الحشد الشعبي، أضاف أعباء جديدة على السكان المحليين، بعد منع أبناء عشائر المجّمع والقيسيين والرفيعات، من العودة إلى منازلهم بحجة تأييدهم للتنظيم.

ويُحذّر المجمعي من “حدوث تغيير ديمغرافي، في مناطق جنوبي صلاح الدين، بعد قيام السلطات المحلية بتمليك النازحين من مدينة تلعفر، لأراضٍ وعقارات في القرى المحررة من داعش، في مقابل مبالغ رمزية”. ويؤكد أن “عددا كبيرا من السكان الأصليين لتلك المناطق، اضطروا لبيع منازلهم وأراضيهم بأثمانٍ بخسة، بعد تعرّضهم للتهديد والابتزاز، على يد عناصر المليشيات، الذين انضم إليهم المئات من نازحي تلعفر”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد