يتسم الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي بخصوصيته وتفرده، فهو صراع على الوجود اتخذ أشكالًا وصورًا عدة؛ وقد اعتبرت إسرائيل منذ قيامها أن الفلسطينيين يشكلون خطرًا ديموغرافيًّا عليها. ولذلك استمرت محاولات الجانب الإسرائيلي في الحفاظ على التفوق الديموغرافي على الجانب الفلسطيني.

خمسة أسئلة بإجاباتها تشرح لك هذا النوع من الصراع وأبعاده.

ماذا يعني الصراع الديموغرافي في فلسطين؟

في عام 1948، طردت العصابات الصهيونية 800 ألف فلسطيني يمثلون آنذاك (53.6%) من مجموع الشعب الفلسطيني البالغ مليون وربع فلسطيني، وتركز معظم اللاجئين الفلسطينيين إثر نكبة عام (1948) في المناطق الفلسطينية الناجية من الاحتلال، أي في الضفة وقطاع غزة 80.5%.
في حين اضطر (19.5% ) من اللاجئين الفلسطينيين إلى التوجه إلى الدول العربية الشقيقة، سوريا والأردن ولبنان ومصر والعراق، بينما توجه العديد إلى مناطق جذب اقتصادية في أوروبا وأمريكا وكذلك إلى دول الخليج العربية.


فلسطينيات نازحات

وبعد 67 عامًا تزايدت أعداد الشعب الفلسطيني في بلادهم أو الدول التي هاجروا إليها إلى تسعة أضعاف، الأمر الذي يثير حفيظة إسرائيل ويسترعي انتباهها ويدق ناقوس الخطر في ما بات يعرف بالصراع الديموغرافي بين إسرائيل وفلسطين.

كم وصل عدد اللاجئين حتى 2014؟

ومنذ عام 1948 وفق إحصائية ذكرها الجهاز الفلسطيني المركزي للإحصاء مؤخرًا، فإن الشعب الفلسطيني زاد بمقدار 9 أمثال منذ “نكبة” 1948، ليصل عدده في شتى أنحاء العالم إلى 12.1 مليون منذ عام 1948، والذي تم تشريد نحو 800 ألف فلسطيني فيه من قراهم ومدنهم إلى الضفة الغربية، وقطاع غزة، والدول العربية المجاورة، فضلًا عن تهجير الآلاف من ديارهم رغم بقائهم داخل نطاق الأراضي المحتلة، وذلك من أصل 1.4 مليون كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية عام 1948 في 1300 قرية ومدينة فلسطينية.

لاجئون في إحدى مسيرات المقاومة

وعدد الفلسطينيين المقيمين حاليًا في فلسطين التاريخية (إسرائيل دوليًّا) والواقعة (ما بين نهر الأردن والبحر المتوسط) بلغ نهاية 2014 حوالي 6.1 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يبلغ عددهم نحو 7.1 مليون بحلول نهاية عام 2020، وذلك في حال بقاء معدلات النمو السائدة حاليًا.
تشكل نسبة اللاجئين الفلسطينيين في الضفة وغزة 43.1% من مجمل السكان الفلسطينيين المقيمين في فلسطين نهاية 2014، بواقع حوالي 4.6 مليون نسمة، هم 2.8 مليون في الضفة، و1.8 مليون في غزة. ويعد قطاع غزة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم، كذلك إن نسبة التزايد الديموغرافي مرتفعة بشكل كبير، ورغم العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع وما خلّفه من خسائر بشرية شملت الأطفال واليافعين، إلا أنه يبدو أن القطاع لم يفقد الكثير من بنيته السكانية، لذا ينظر العدو بتوجس إلى المسألة الديموغرافية للفلسطينيين التي يعتبرونها بمثابة القنبلة الموقوتة التي يجب التعامل معها بكل حيطة، وخاصة أنهم يدركون جيدًا أن نسبة التزايد لديهم أضعف من أن تُقارَن بتزايد الفلسطينيين.

لماذا يشكل عدد اللاجئين خطرًا على إسرائيل؟

تنظر الحركة الصهيونية والتي أسست إسرائيل شعار (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) لتوحي أن فلسطين أرض لا شعب فيها واعتمدوا لتحقيق هذا المطلب على سياسة البطش والتهجير، ويشكل ارتفاع عدد اللاجئين سواء في مواطنهم الأصلية أو البلاد التي هاجروا إليها حتى لو كانت الضفة والقطاع تشكل نسفًا لهذه النظرية وتؤكد أن لهذه الأرض التي احتلتها إسرائيل شعبًا ينتظر العودة إليها ويقاتل من أجل ذلك.
كما أن الزيادة في عدد السكان يشكل عامل تضيق لمساحة الحركة بالنسبة لإسرائيل وسياسة التهويد والتهجير التي تستخدمها، ناهيك على أن ذلك ثقل ووزن؛ مما يجعل إسرائيل تفكر دائمًا في حسابات المعارك الميدانية على الأرض والدخول في مواجهة معهم, ويلعب العدد دورًا مهمًا في ميزان القوى إذ إن عدد السكان هو المعول عليه في أرض المعركة.

شاب يختنق بفعل قنابل الغاز التي أطلقتها قوات الاحتلال

كما أن فئة الشباب بلغت نسبتها 49.4% من الفئات العمرية المحصورة ما بين 15- 64 سنة، من المجتمع الفلسطيني، أما نسبة الشيخوخة فتبلغ 3.5%، وهي نسبة أقل بكثير من المجتمع «اليهودي» في فلسطين، بالإضافة إلى أن كثرة السكان تؤدي إلى التنافس في الكفاءات لحرص كل فرد من أفراد المجتمع على التمسك بعمله ووظيفته لوجود البدائل السهلة وهذا يؤدي إلى زيادة الكفاءة للفرد الفلسطيني وتطوير قدراته ومؤهلاته ومواكبة التطور، وهذا يعتبر رقمًا لا يستهان به في الصراع مع العدو.
كما أن التحول الديموغرافي لصالح الفلسطينيين في الأرض المحتلة يعتبر قنبلة موقوتة حيث تشير التوقعات أنه في عام 2020 من المتوقع أن تكون نسبة اليهود (48,2%) من عدد السكان في فلسطين حيث سيصل العدد إلى نحو (6,7) ملايين يهودي مقابل (7,2) ملايين فلسطيني وبذلك يصبح اليهود أقلية.

ماذا تفعل إسرائيل إزاء هذا الخطر؟

 

لا تزال محاولات الجانب الإسرائيلي مستمرة للحفاظ على التفوق الديمغرافي على الجانب الفلسطيني والتأثير في الحالة الديمغرافية عبر الخط الأخضر وفي الضفة وقطاع غزة من خلال العديد من الآليات؛ منها:
تكثيف موجات الهجرة، حيث تقوم إسرائيل وعبر وكالات خاصة بالهجرة بجذب يهود العالم إلى فلسطين المحتلة، وتقدم لهم المغيرات وأن تلك البلاد هي أرض الأحلام، ولكن الواقع يشي بعكس ذلك ففضلًا عن تراجع عوامل الجذب المحلية لليهود إلى فلسطين المحتلة وتراجع مؤشرات الرفاه الاقتصادي والاجتماعي في إسرائيل مقارنة بالسنوات السابقة، لا توجد عوامل طاردة لليهود باتجاه فلسطين المحتلة من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى.

مهاجرون قادمون من شمال أمريكا

سياسة الإغلاق الداخلي، وفرض قيودًا على حركة الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتمديد قانون المواطنة العنصري الذي يمزق آلاف العائلات الفلسطينية في مناطق 1948 – إذا كان أحد الزوجين من الضفة الغربية أو قطاع غزة.


الجدار العازل قضم أكثر من 65% من أراضي الضفة الغربية

قانون خصخصة الأراضي، إلى جانب قانون موفاز الذي ينص على خصخصة الأراضي الفلسطينية المصادرة وأمالك اللاجئين الفلسطينيين الذين أجبروا على مغادرة وطنهم منذ نكبة سنة 1948.
منع الفلسطينيين في الضفة الغربية من البناء في نحو 44% من أراضي الضفة؛ لأن هذه المناطق مخصصة للجيش الإسرائيلي أو المستوطنين، وهي من بين أسباب الظروف المعيشية الرديئة للعديد من الفلسطينيين، حيث يصعب عليهم إنشاء البنى التحتية الأساسية أو المدارس والعيادات الطبية.
ربط الاقتصاد الفلسطيني بنظيره الإسرائيلي، والذي كان له أثر كبير في سيطرة إسرائيل على العرب في فلسطين التاريخية، ومكّنها من ردع أي نشاطات سياسية محتملة مخافة احتمال فقدان الفلسطينيين وظائفهم بالتالي عدم القدرة على إعالة أُسرهم.

هل تفلح إسرائيل في مواجهة هذا الصراع؟

إن إسرائيل برغم كل ما تفعله من معيقات للحيلولة دون ارتفاع نسبة السكان الفلسطينيين سواء في أرضهم أو العالم الخارجي، لا يبدو أنها تنجح في ذلك. وتعتبر الخصوبة في دولة فلسطين مرتفعة إذا ما قورنت بالمستويات السائدة حاليًا في الدول الأخرى، فقد وصل معدل التكاثر الكلي للفترة (2011- 2013) في فلسطين 4.1 مولود، بواقع 3.7 في الضفة الغربية و4.5 في قطاع غزة.


فلسطينيون يتحدون الاحتلال في القدس

ويبدو أنه وبعد مرور قرابة السبعة عقود على نكبة الفلسطينيين الكبرى ثمة صراع ديموغرافي صارخ يحصل بين العرب والإسرائيليين على أرض فلسطين، وهو لصالح العرب – فيما يبدو- على المدى الاستراتيجي، خاصة إذا ما علمنا أن أكثر من نصف مجموع اليهود في العالم موجودون حاليًا في دول أكثر جذبًا من الاقتصاد الإسرائيلي، مثل الجالية اليهودية في الولايات المتحدة وهي 5.6 ملايين يهودي، ونحو 600 ألف يهودي في فرنسا. لكن تبقى الإشارة إلى ضرورة وأهمية دعم العرب الفلسطينيين فوق أرضهم ماديًّا وسياسيًّا وخاصة في مدينة القدس، وهي مسؤولية عربية وإسلامية في المقام الأول.

المصادر

s