يجلس رجل خمسيني مع امرأة في الثلاثينات من عمرها، في مقهى بمدينة «بيت بام»، الواقعة شرق تل أبيب، ومن حولهما من هم مثلهم، من نساء «علمانيات»، ورجال «متدينين» متزوجين، جمعهم قرار تعدد الزوجات، حتى إن بعض الطاولات شهدت حضور الزوجة الأولى دون ضغينة.

مشهد متكرر، يقوم عليه ممثلو مؤسسة «البيت اليهودي الكامل» الإسرائيلية، بعد أن تمكنوا من الحصول على إجازة عقود الزواج للرجال المتزوجين، بالرغم من الحظر الديني اليهودي والقانوني، فقد وافق الحاخام الشرقي الأكبر السابق «شلومو عمار» على السماح بتعدد الزوجات بين اليهود؛ وذلك بهدف ترجيح الميزان الديموجرافي لصالحهم، ما يشير إلى أنّ قضية الصراع الديموجرافي التي قللت من أهميتها دوائر إسرائيلية لا تزال حاضرة بقوة بين الإسرائيليين للدرجة التي تطلبت اجتهادًا دينيًا؛ لتحقيق الأطروحة الصهيونية القديمة: «أرض أكثر، وعرب أقل».

ديموجرافية إسرائيل

يستخدم الإسرائيليون مصطلح «الخطر الديموجرافي» أو «القنبلة الديموجرافية»، لتوصيف حالة من التكاثر أو النمو الطبيعي الكبير بين مجموعة إثنية واحدة، مقارنة بالمجموعات السكانية الأخرى والتي تنظر إلى هذه الحالة باعتبارها خطرًا يهدد الميزان الديموجرافي القائم.

يشرح ذلك الباحث القانوني «سليم سلامة»، بقوله: إن «الخوف الإسرائيلي الراهن من الخطر الديموجرافي، يتكئ على فرضية مؤداها أن الصيرورات الديموجرافية التي ظهرت في السنوات الأخيرة، ستتواصل على نفس النسق في السنوات القادمة، وأن الزمن يعمل في غير صالح إسرائيل».

هذه السياسة التي وصفها سلامة بـ«العنصرية»، وضعت قبل 100 سنة تقريبًا، في «صميم الحركة الصهيونية، منذ انطلاقتها الأولى، ورافقتها بعد قيام دولة إسرائيل»، على حد تعبيره.

من جانبه، يرى الباحث «أمطانس شحادة» أن التحولات الديموجرافية التي تحدث حول إسرائيل، والتي وصفها باحثان إسرائيليان بـ«التحولات السلبية»؛ لا تصب في مصلحة إسرائيل على المدى البعيد، على حد قول شحادة، لذا يرى الباحثان الإسرائيليان «أرنون سوفير» و«يفغينيا بيستروف»، في دراسة لهما بعنوان «إسرائيل.. ديموجرافيا 2010 – 2030: في الطريق نحو دولة دينية»، أن ثمة خطرًا على استمرارية المشروع الصهيوني برؤيته التقليدية، ومن ذلك أن تفقد الفئة العلمانية سيطرتها وتفوقها وقيادتها لهذا المشروع.

وتُظهر آخر إحصاءات الهيئة الرسمية الإسرائيلية أنه من بين ثمانية مليون ونصف يهودي، هناك 75% تقريبًا يهود، و21% عرب بمن فيهم من المسلمين والمسيحيين والدروز، و4.4% آخرون.

لا تخوف إسرائيلي من «القنبلة الديموجرافية»

على العكس الشائع، هناك من الإسرائيليين من لا يرى خطرًا ديموجرافيًا على تواجدهم، من بين هؤلاء القنصل الإسرائيلي السابق في نيويورك، «يورام أتنجر»، الذي اعتبر أنّ «التهديد قد زال في ظل الانسحاب من غزة، مع ضرورة الاحتفاظ بالضفة الغربية»، مُعتبرًا أن التهديد الحقيقي يكمن في «هجرة الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى داخل الخط الأخضر».

لذلك، يرى «خالد أبوعصبة»، مدير معهد مسار للأبحاث الاجتماعية، أنه لم يعد هناك تخوف إسرائيلي من الصراع الديموجرافي، مُرجعًا ذلك إلى الهبوط الحاد في نسب الولادة عند فلسطيني الداخل، مُوضحًا «يرى هؤلاء أن قضية الديموجرافية ليست خطرة؛ كون إسرائيل توجد في محيط عربي كبير، والدول العربية تحطيها من كل ناحية».

وفيما يتعلق بالفتاوى والآليات التي اتُخذت كحجة لزيادة النمو الديموجرافي، يقول «أبو عصبة» لـ«ساسة بوست» «لا أعتقد أن هذا سيدفع المتدينين للتعدد؛ كون المتدينين اليهود من الأصل ينجبون كثيرًا، وإذا كان المستهدف العلمانيين فهم لا يمتثلون لمثل هذه الفتاوى، لذلك أعتقد أنه لا تأثير لهذه الفتوى».

ويتفق الباحث في الشؤون الإسرائيلية «إنطوان شلحت» مع «أبو عصبة»، قائلًا «لا يوجد إجماع إسرائيلي حول ما يسمى بالصراع الديموجرافي، هناك أوساط تقول إن هذا الخطر أصبح في خبر كان؛ لاعتبار أن فلسطينيي الداخل قد انخفض لديهم معدل الولادة بشكل تدريجي؛ لاعتبارات ثقافية واجتماعية واقتصادية؛ حتى أصبح مساويًا لمعدل الولادة عند ما تسمى بالأم الإشكنازية».

وأوضح شلحت لـ«ساسة بوست» أنه في المقابل، لا تزال معدلات الولادة مرتفعة عند اليهود المتدينين، وبخاصة الحريديم؛ «لذا ليس هناك ما يسمى بسباق الأرحام بين المجتمعين».

الخطر الديموجرافي في إطار «فلسطين التاريخية»

«لماذا لا نقوم بما يقوم به المسلمون، فهم يتزوجون أكثر من امرأة، وهذا ما زاد من ثقلهم الديموجرافي»، هكذا صرح أحد الحاخامات اليهود الذين يديرون جمعية «البيت اليهودي الكامل»، مُؤكدًا أنه «يتوجب تشجيع هذا النمط من السلوك الاجتماعي».

وخرج الإسرائيليون المؤيدون لموقف هذا الحاخام من حصر الخطر الديموجرافي في الأراضي المحتلة عام 1948، للحديث عن الخطر الديموجرافي في إطار كل فلسطين التاريخية، وهم مقتنعون برؤية «هرتسوج» الذي يؤمن أن «الميزان الديموجرافي سينقلب خلال عقد من الزمان؛ لتصبح نسبة العرب غربي النهر، أو بين النهر والبحر 52% مقابل 44% من اليهود الذين سيتحولون إلى أقلية داخل إسرائيل، ويعني ذلك انهيار الوطن القومي اليهودي، وتحوله إلى وطن قومي للشعب الفلسطيني، في حال أصرت حكومة إسرائيل على رفض حل الدولتين».

ويعد أحد أبرز ملامح التخوف الإسرائيلي من الصراع الديمجرافي، ما قاله الرئيس الإسرائيلي، «راؤوبين ريفلين»، من أن «تحول اليهود إلى أقلية داخل إسرائيل خلال عقد من الزمان؛ مما يعني انهيار الوطن القومي اليهودي في حال أصرت حكومة إسرائيل على رفض حل الدولتين».

في هذا السياق، يُبيّن شلحت أن من يتحدث عن الخطر الديموجرافي من الإسرائيليين، هي الأوساط التي ترى أن أرض فلسطين التاريخية أرضٌ إسرائيلية، مُضيفًا «هؤلاء يفكرون أنه يجب الانتباه دائمًا لما يسمى الخطر الديموجرافي والعمل على رفع معدل الولادات عند اليهود، حتى لا يكون هذا الخطر داهم».

وعليه، يرى شلحت أن فتوى إجازة تعدد الزوجات مبررة في إطار الجدل الدائر حول الخطر الديموجرافي، مُشيرًا إلى أنّ الجهة التي تقف وراء هذه الفتوى «تتذرع بحجة الخطر الديموجرافي؛ لأنها تعلم في قرارة نفسها أن هذه المقاربة الفكرية الأيديولوجية تتلاءم مع توجه اليمين المتطرف الحاكم في إسرائيل»، مستدركًا «تحاول أن تعطي غطاءً سياسيًا لمخالفات قانونية باعتبار المؤسسة السياسية الحالية هي مؤسسة يمنية بامتياز، ومثل هذه الشعارات تدغدغها».

وردًا على سؤال «ستتمكن المؤسسة القانونية من قبول الفتوى بغطاء سياسي؟»، يجيب شلحت «في العادة، أغلب الفتاوى التي تتعلق بمثل هذا الموضوع تحظي بتأييد، وهي لا تقاوم، لذلك أظن أن التذرع بالخطر الديموجرافي جاءت على هذه الخلفية من أجل الهروب إلى الإمام من أي مستحقات قانونية قد تترتب على هذا القضية».

القدس نموذجًا لتغليب الديموجرافيا

واحدة من أهم الأماكن التي حاولت إسرائيل تغير الديموجرافيا فيها لصالحها هي مدينة القدس المحتلة، وذلك منذ عام 1967، إذ عمل الإسرائيليون على تهويد ملامح المدينة الجغرافية والثقافية، تحت ذريعة الالتفاف على الخطر الديموجرافي الذي يشكِّله الفلسطينيون.

ولتحقيق هذا الهدف، شجّعت إسرائيل هجرة اليهود إلى القدس وتقديم الامتيازات القانونية لهم؛ مقابل التضييق على الفلسطينيين بالقانون أيضًا، فقضت بهدم منازلهم ومنع البناء وسحب الهويات.

عن ذلك، قالت الباحثة الفلسطينية «نور عرفة»: إنه «من أجل التعامل مع ما يعتبره الإسرائيليون تهديدًا ديموجرافيًا يمثِّله الفلسطينيون، اعتبرت إسرائيلُ الفلسطينيين القاطنين في القدس «مقيمين دائمين» – وهي حالة مدنية تُعطى في العادة للمواطنين الأجانب ولا تضمن حقوق الإقامة. وعلى هذا الأساس، تلغى بطاقات الهوية للمقيمين في أحيانٍ كثيرة».

وأضافت عرفة أنه «بين عامي 1967 و2013، سحبت إسرائيل بطاقات الهوية؛ ممّا يزيد على 14,309 مقيم فلسطيني. ووفقًا للتعديل المؤقت لعام 20033 في قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل (المعدل في 2005 و2007)، لا يتسنى لفلسطيني الضفة الغربية المتزوجين من سكان القدس الحصولُ على الإقامة، وإنما يحصلون على تصاريح مؤقتة في ظروف  استثنائية».

في المقابل، يحصل اليهود المهاجرون للعيش في القدس على الجنسية مباشرة، وهذا يعكس طبيعة الفصل والتمييز العنصري للكيان الإسرائيلي، حسب عرفة.

وأكّدت عرفة على أن إسرائيل سعت في سياق تعزيز الوجود اليهودي في القدس، إلى احتواء التوسع العمراني والديموجرافي الفلسطيني من خلال سياسات حضرية وتنظيمية تمييزية تنسجم والتطهير العرقي، على حد تعبيرها، موضحة «صنَفت ما يزيد على ثلث الأراضي في الأحياء الفلسطينية تحت مسمى مساحات طبيعية مفتوحة، يُحظَر فيها البناء، وحصرت حركة البناء الفلسطينية في 14 فقط من أرضي القدس الشرقية وتسببت في أزمة سكن حادة».

عرض التعليقات
تحميل المزيد