«الشيطان يتعلم من حماس»، هذا ما قاله أحد أنصار «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» حين رأى المظاهرات التي عمت قطاع غزة خلال الأيام القليلة الماضية ضد حماس ـ لتحملها مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي ـ قد تحولت إلى حراك ضد السلطة الفلسطينية و«حركة فتح»، ورفعت فيها شعار «ارحل يا عباس» بدلًا عن الشعار الأول «بدنا نعيش».

هذا التحول السريع الذي ضرب الآمال الإسرائيلية والفتحاوية بالخلاص من «حماس» بأيدي السكان في مقتل، لم يكن الوحيد الذي ينم عن قبضة «حماس» الحديدية للتحكم في أمور قطاع غزة، فهناك تحركات أخرى تؤكد أن «حماس» فرضت على إسرائيل وضع (كش ملك) المعروف في لعبة الشطرنج، فهي غير قادرة على التخلص من حصار مسيرات العودة لها، ولا قادرة أيضًا على مواجهة عمليات الضفة الغربية التي تسقط جنودها قتلى، وآخرها عملية «سلفيت» أمس.

 الضفة الغربية.. كرة لهب تُشعلها «حماس» وقتما تشاء!

في صبيحة يوم 27 من مارس (آذار) 2019، تلقى الفلسطينيون خبرًا يفيد بوقوع عملية للمقاومة الفلسطينية قرب مستوطنة أرئيل المقامة على أراضي سلفيت بالضفة الغربية، ومع مرور القليل من الوقت تكشفت مفاجآت حول نوعية هذه العملية ومنفذها.

فالعملية كانت مزدوجة، بدأت بطعن الشاب الفلسطيني لجندي إسرائيلي، ثم نزع سلاحه وإطلاق النار عليه، ثم سيطر على مركبة مستوطن قريبة، بعد إطلاق النار عليه وقيادتها للانسحاب بها إلى منطقة قريبة أخرى، وقد قام الفلسطيني أثناء ذلك بإطلاق النار على مستوطن آخر وإصابته بجراح خطيرة.

تضاف هذه العملية إلى مجموع العمليات التي شهدها الضفة المحتلة منذ أكثر من 50 عامًا، والتي من أبرزها عملية «مستوطنة بركان» التي نفذها الشاب الفلسطيني أشرف وليد نعالوة وأسفرت عن مقتل إسرائيلييْن في السابع من أكتوبر (تشرين أول) 2018، ثم عملية «عوفرا» التي نفذها صالح عمر البرغوثي (29 عامًا) في التاسع من ديسمبر (كانون الأول) 2018، وأسفرت عن إصابة تسعة مستوطنين بجراح مختلفة، وليس انتهاء بعملية «جفعات أساف»  التي سقط فيها ثلاثة جنود، ونفذها عاصم البرغوثي (شقيق عمر) في 13 من ديسمبر 2018.

بيد أن العملية الأخيرة التي لن تتبناها «حماس»  كعادتها تجاه العمليات التي وقعت مؤخرًا في الضفة الغربية، لم تفلت من المباركة من قبل الحركة، وتوزيع الحلوى في مدن ومخيمات قطاع غزة احتفاء بتلك العملية. فقد قالت الحركة في بيان التهنئة الخاص بعملية أمس: إنها «تأتي ردًا على جرائم «الاحتلال الإسرائيلي»، وما يجري في القدس والمسجد الأقصى من اقتحامات وتدنيس واعتداءات بحق المصلين، وإغلاق باب الرحمة، وردًا على انتهاكاته بحق الأسرى في سجون الاحتلال، ومضاعفة الاستيطان ومصادرة الأراضي الفلسطينية».

لكن هل لـ«حماس الصامتة» عن تبني عمليات الضفة دور في تلك العمليات؟ يمكننا القول إنه في الوقت الحالي الذي يتأكد فيه فشل سياسية إسرائيل في ترسيخ الفصل بين الضفة والقطاع؛ بغية تحييد تأثير «حماس» على الضفة الغربية، وجدت الأخيرة الظروف مناسبة للغاية لإشعال الضفة وقتما تريد، وذلك عبر القيام بالإيعاز بعمليات مخططة وممنهجة تركز على استهداف الجنود الإسرائيليين مستغلة تراجع قوة السلطة الفلسطينية؟ إذ تدرك «حماس» أهمية جغرافية الضفة كمنطقة تمتلك قدرة الاشتباك المباشر مع الإسرائيليين، بدليل أن العام 2018 سجل فيه مقتل 13 جنديًا ومستوطنًا على يد الفلسطينيين.

وإن كان عمل المقاومة الفلسطينية في جل العمليات الأخيرة يندرج في سياق العمليات الفردية، وليس العمليات المنظمة،  إلا أن المنظومة الأمنية الإسرائيلية نفسها تعتقد أن أسلوب العمليات يقف خلفه تحريض ذكي من قبل «حماس»، فمنفذو العمليات لم يتلقوا أوامر مباشرة من الحركة بالتنفيذ، لكنهم تحركوا بدوافع نتجت عن التحريض الذي تديره. حتى إن إسرائيل كانت ترجع التخطيط في العمليات الأخيرة إلى الأسرى الذين حررتهم نحو قطاع غزة وتعود أصولهم إلى الضفة الغربية بحجة أنهم أدرى بمناطق الضفة حيث كانوا يقطنون.

ويساعد «حماس» على تحقيق مرادها في الضفة الغربية وجود قفزةً كبيرةً في شعبيتها بالضفة الغربية وقطاع غزة، إذ يقول رئيس قسم الشؤون العربية في «القناة العاشرة العبرية»، تسيفي يحزكيلي: إن «قوة حركة حماس في الضفة الغربية أقوى بكثير من قوة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس»، ويتابع القول: «إننا لا زلنا ننقاد خلف حماس، إذ إن العمليات التخريبية الأخيرة التي وقعت في الضفة الغربية جاءت نتيجة الطاقة الكامنة في قطاع غزة، فعندما يوجد هدوء في غزة، فإن حماس تدفع المجموعات والخلايا لتنفيذ عمليات تخريبية في الضفة».

بل يظهر استطلاع رأي حديث أجراه «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية» أن غالبية الفلسطينيين (53%) يحتفظون بوجهات نظر سلبية تجاه السلطة الفلسطينية؛ وذلك بسبب أسلوب إدارة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الاستبدادي في الضفة الغربية، فضلًا عن معاملته لقطاع غزة، ناهيك عن أجندة عباس المتعلقة بما يعرف بالتنسيق الأمني مع إسرائيل الذي أدى إلى تقديم تنازلات كثيرة على حساب الشعب الفلسطيني.

أخطر من غزّة ولبنان.. هل تُحرق الضفة الغربية إسرائيل والسلطة الفلسطينية معًا؟

هكذا حولت حماس «بدنا نعيش» إلى «ارحل يا عباس»

اختتم الأسبوع الماضي بحراك قام به مجموع من سكان قطاع غزة، احتجاجًا على التدهور الاقتصادي الذي وصل لأوجه بعد 12 عامًا من الحصار الإسرائيلي الناجم عن وصول «حماس» إلى دفة الحكم في عام 2006.

ونادى المحتجون الذي أطلقوا على حراكهم «بدنا نعيش» بوقف العمل على جمع الضرائب على السلع والخدمات، وتوفير فرص عمل دائمة للعمال والخريجين. وسرعان ما انتشرت مقاطع فيديو تظهر عناصر من الأجهزة الأمنية التابعين لحركة «حماس» تقمع  المتظاهرين وتعتقل النشطاء والصحافيين الذين تناولوا الحراك.

بالطبع لم تكن «حركة فتح» العدو اللدود لـ«حماس» قادرة على تفويت الاحتجاجات دون تحقيق مكاسب منها، فسرعان ما اهتمت وسائل الإعلام المحسوبة عليها بالحراك، وخاصة أسلوب القمع الذي تعاملت به «حماس» مع المتظاهرين، فخصصت موجات مفتوحة على شاشة «تلفزيون فلسطين» الرسمي لهذا الحراك، ودخلت شخصيات محسوبة عليها على خط الدفاع عن الحراك، وانكبت منصات «حركة فتح» نحو التحريض على الخروج ضد «حماس» وإسقاط انقلابها على السلطة الفلسطينية، إذ قال عضو المجلس الثوري لـ«حركة فتح»، المتحدث باسمها أسامة القواسمي عبر «تلفزيون فلسطين»: إن «الطريق إلى القدس يبدأ من إنهاء الاستبداد والظلم بغزة».

ومضت السلطة الفلسطينية عبر وسائل إعلامها وشخصيات تابعة لها؛ نحو إبراز أعمال القمع التي تنفذها أجهزة الأمن بغزة، وأنها متناسبة بشكل كبير مع إجراءاتها التي أفضت لنكبة القطاع عبر قطع الرواتب عن الموظفين وإلحاق خصومات كبير بالآخرين.

كذلك سُرت إسرائيل بما يحدث في غزة على أمل أن تحصد ما عجزت عن تحقيقه لسنوات، فالأخيرة لا تتنازل عن حلمها بالتخلص من معضلة قطاع غزة عبر إسقاط «حماس» بيد السكان بأنفسهم، وتمنت أن يحل الربيع العربي فقط في قطاع غزة ليخلصهم من تهديدات «حماس» بالانزلاق نحو مواجهة واسعة قبل الانتخابات في التاسع من أبريل (نيسان) 2019 في حال لم تلتزم  بتقديم تسهيلات مدنية في غزة، ولذلك تابع الأمن الإسرائيلي باهتمام كبير الحراك الشعبي في غزة، وهو يسترجع تعهد وزير الجيش السابق أفيغدور ليبرمان بدفع الجماهير لإسقاط «حماس»، حين قال: إنه «الخيار الوحيد لنجاة الغزيين من الضائقة التي يعيشونها».

وبغض النظر عن صدق «حماس» أو كذبها في أن الحراك مدعوم من جهات خارجية، جاء  تدخل «فتح» في الاحتجاجات «على الطبطاب» كما يقول العامة في قطاع غزة، قاصدين بذلك أنها أتت لـ«حماس» على طبق من ذهب. فقد بدأت «حماس» باستغلال استماتة «فتح» وقادة أجهزتها الأمنية في رام الله وإظهار منظمي الحراك على أنهم استغلوا الوضع المعيشي لأهداف سياسية؛  لذلك ما أن جاء اليوم الثالث على هذا الحراك حتى كانت «حماس» قد تمكنت من قلب الطاولة بذكاء وأنهت الحراك، بل إنها حولت الجموع بفعل المحسوبين عليها نحو رفع لافتات تدين السلطة الفلسطينية وتحملها مسؤولية الحصار على غزة، ليطغوا شعار «ارحل يا عباس» على شعار «بدنا نعيش»،  في المفترقات نفسها التي خرج لتتظاهر ضد «حماس».

يقول تسيفي يحزكيلي الخبير الإسرائيلي في الشؤون الفلسطينية: «القطاع يشهد حالة من فقدان الصبر، ويريد سكانه استدراج إسرائيل إلى جولة جديدة صغيرة من المواجهة، أو تصعيد محدود لعدة أيام، وهم يعلمون تمامًا أن إسرائيل معنية بالدرجة الأولى بموسم الانتخابات، ولا أحد فيها يريد أن يدخل رأسه في السرير الغزاوي المريض»، موضحًا لصحيفة «معاريف» العبرية: «حماس تدير التوتر الحاصل في غزة بمزيد من الذكاء، وتجبر إسرائيل في النهاية على تقديم التنازلات، حتى لو خرجت إلى عملية عسكرية فستكون إسرائيل أول من يوقفها، حماس أدخلت إسرائيل في الزاوية، وقد مضى علينا وقت طويل نقف بجانب الجدار نراقب ما يحصل في غزة، وأمام كل حادث صغير أو إطلاق نار متجدد نفقد الردع الإسرائيلي».

مسيرات العودة.. عام على كوابيس جنرالات إسرائيل

اختارت «حماس» الذكرى السنوية الثانية والأربعين ليوم الأرض، والذي يُحيي في 30 مارس (آذار) من كل عام حادثة مصادرة إسرائيل لآلاف الدونمات في مدن الداخل المحتل: الجليل والمثلث والنقب، عام  1976، خطوة عملية لتحريك سكان قطاع غزة نحو التظاهر ضد الحصار الإسرائيلي المطبق على قطاع غزة منذ 12 عامًا.

إذ رأت في هذه المظاهرات التي انطلقت في 30 مارس عام 2018؛ الطريقة المثلى لتوجيه غضب السكان من الظروف الصعبة تجاه إسرائيل، وبالفعل أخذ أمر تجمهر عشرات آلاف الفلسطينيين العزل، في عدة مواقع قرب السياج الفاصل بين القطاع وإسرائيل يصبح اعتياديًا في كل يوم جمعة، كما طورت الآليات من مجرد التظاهر لبضعة ساعات في هذا اليوم، إلى ابتكار ما بات يعرف بـ«الإرباك الليلي».

تلك الفعاليات التي فرضت حربًا متواصلة على الإسرائيليين سواء مستوطنين أو جنودًا متواجدين في منطقة غلاف غزة، ففيما يواصل خبراء المتفجرات وقوات الهندسة الإسرائيلية إبطال العبوات الناسفة، لا يستطيع المستوطنين الخلاص من البالونات الحارقة التي تتساقط على بيوتهم ومحاصيلهم الزراعية، كما تشمل فعاليات الإرباك الليلي إشعال الإطارات التالفة (الكوشوك)، وإطلاق أصوات صافرات إنذار عبر مكبرات الصوت، مع تسليط أضواء الليزر تجاه الجنود المتمركزين قرب السياج بغية استنزافهم وإرباكهم.

ومع لجوء إسرائيل لطرق عدة لمواجهة المسيرات التي راح ضحيتها مئات المدنيين الفلسطينيين لم تجد إسرائيل وسيلة رادعة حقًا لوقف تلك المسيرات، حتى أن قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف أخذوا يستجدون سكان غزة باللغة العربية لوقف هذه المظاهرات، مثلما قال ليبرمان على صفحته في «تويتر»:  «إلى سكان قطاع غزة: قيادة حماس تغامر في حياتكم. كل من يقترب من الجدار يعرض حياته للخطر. أنصحكم مواصلة حياتكم العادية والطبيعية وعدم المشاركة في الاستفزاز».

ولم تنعم إسرائيل بالهدوء جراء هذه الفعاليات، إلا عبر تفاهمات التهدئة التي كانت تحدث بين الفنية والأخرى بفعل الوساطة المصرية، وذلك مقابل تحقيق مطالب لـ«حماس» تتعلق بتحسين الوضع الاقتصادي لسكان قطاع غزة. لذلك ومع قرب مرور العام على انطلاق هذه المسيرات تكون إسرائيل قد أدركت أنها أمام شكل جديد من أشكال المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية لم تحدث خلال العقود السابقة.

ويعترف المحللون الإسرائيليين بذلك، إذ يقول المحلل للشؤون الشرق الأوسط آفي يسسخاروف: إن «المظاهرات أدت إلى سيطرة حماس على الأجندة السياسية والإعلامية الفلسطينية، وهي تتصدر الخطاب الوطني دون أي منافسة من حركة فتح التي تسيطر على السلطة»، مضيفًا في موقع «تايمز أوف إسرائيل» أن «ادعاءات الجيش الإسرائيلي المتكررة بأن حماس تستغل الحشود في غزة، وترسل مسلحيها لاختراق السياج الحدودي وتستهدف الجنود الإسرائيليين تحت غطاء الدخان الناتج عن حرق الإطارات، كما أنها ترسل الأطفال للصفوف الأمامية؛ كل هذه الادعاءات لا تلقى أصداء كثيرة، باستثناء الإدارة الأمريكية».

فيما يرى رئيس قسم الدراسات الفلسطينية بمركز «ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا»، ميخائيل ميلشتاين أن «اندلاع مسيرات العودة في مثل هذه الأيام قبل عام، تعطينا نموذجًا آخر لم تعتد عليه إسرائيل في قطاع غزة، لأنها اعتادت على التعامل مع تهديدات ذات طابع عسكري، ومنها إطلاق القذائف الصاروخية، وحفر الأنفاق، وعمليات القنص، ووضع العبوات الناسفة، وإلقاء القنابل الحارقة، لكن المسيرات الشعبية شكلت نمطًا جديدًا شبيهًا بما يواجهه الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية من احتكاك مباشر مع الجنود الإسرائيليين».

ويشير ميلشتاين إلى أن «حماس في هذه المواجهة ترى أنها حققت إنجازات تمثلت باستقالة وزير الحرب أفيغدور ليبرمان، وتبكير موعد الانتخابات، بجانب تحقيق إنجازات فلسطينية تمثلت بتخفيف ظروف الحصار عن غزة في الشهور الأخيرة، وتحقيق تفاهمات مع مصر وقطر والأمم المتحدة، وفرت بموجبها رواتب لموظفيها، وتحسين التيار الكهربائي».

الغضب الساطع آتٍ.. هل تنهي «مسيرة العودة الكبرى» التغريبة الفلسطينية؟

المصادر

تحميل المزيد