مع الزيادة الكبيرة لحشود المتظاهرين في ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية بغداد، بعد ستة أيام على اندلاع احتجاجات الموجة الثانية من تظاهرات أكتوبر  (تشرين الأول) 2019، توجهت أعداد كبيرة من المتظاهرين تحملهم الحماسة إلى جسر السنك المؤدي إلى المنطقة الخضراء، وهناك حدثت معركة غير متكافئة، حيث قمعت قوات الأمن المتظاهرين العزَّل بالرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع؛ ما تسبب بوقوع قتلى وعشرات الجرحى.

لماذا تدافع قوات الأمن عن جسر السنك؟

في الساعات الأولى من ليلة الثلاثين من أكتوبر، وبعد وصول مئات الآلاف من المتظاهرين إلى ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية بغداد، تحركت مجاميع شبابية غاضبة إلى جسر السنك وأسقطت الكتل الكونكريتية المسلحة، التي وضعتها قوات الأمن لإغلاق الجسر، وبعد عبور المتظاهرين حاجز الصد الأول أطلقت تلك القوات رصاصها وقنابلها المسيلة للدموع لمنع المتظاهرين من العبور إلى المنطقة الخضراء، حيث منازل المسؤولين، والوزراء، وقادة الأمن، ومقرات البعثات الدبلوماسية الأجنبية.

أهمية جسر السنك تتمثل في كونه يربط منطقة السنك في جانب الرصافة من بغداد، بمنطقة الصالحية في جانب الكرخ، والتي تضم المنطقة الخضراء، والسفارة الإيرانية التي قيل إنَّها كانت هدف المتظاهرين الذين يتهمونها بإدارة القمع من خلال المليشيات العراقية الموالية لإيران؛ إذ تشير تقارير استخباراتية عن تكوين خلية أزمة يقودها عدد من ضباط الحرس الثوري الإيراني وعلى رأسهم قاسم سليماني لإجهاض الاحتجاجات في بغداد ومدن الجنوب.

لحظة إسقاط الكتل الكونكريتية على جسر السنك

عن واقعة الجسر، وفي اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» تحدث علاء هاشم، وهو أحد المشاركين في تظاهرات ساحة التحرير قائلًا: «في ساعات المساء الأولى انسحبت قوات الأمن من مقدمة الجسر باتجاه ساحة التحرير، وهذا ما أغرى المتظاهرين بالتقدم نحو جسر السنك، وبعد إسقاط الحاجز الأول من الكتل الكونكريتية أطلقت قوات الأمن قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص بشكل أفقي على المتظاهرين، وهذا ما تسبب بسقوط عدد كبير من الضحايا».

يتابع علاء هاشم لـ«ساسة بوست»: «لا أحد يعرف لماذا انسحبت قوات الأمن من مقدمة الجسر، وهناك اعتقاد بأنَّها أرادت تشتيت الحشود عن ساحة التحرير، والإيقاع بالمتظاهرين على الجسر، واتهامهم بارتكاب أعمال تخريب حتى يسهل عليها فض اعتصام التحرير وإخلاء بناية المطعم التركي المحاذية لجسر الجمهورية المؤدي مباشرة إلى المنطقة الخضراء».

«الشرطة النهرية عززت وجود قوات الأمن على جسر السنك» يقول علاء ويضيف: «نقلت الشرطة النهرية بقواربها أعدادًا كبيرة من قوات مكافحة الشغب إلى جسر السنك لقمع المتظاهرين، وأكد لي مصدر طبي خاص في مستشفى الجملة العصبية وصول أكثر من 30 مصابًا، نصفهم أُدخلوا إلى العناية المركزة ووضعهم حرج للغاية».

المتظاهرون العراقيون على جسر السنك ببغداد

جبهة أخرى للوصول إلى المنطقة الخضراء

مصادر أخرى تحدثت عن فتح المتظاهرين جبهة جديدة من جهة ساحة الخلاني حيث تقع على يمينها مبانٍ حكومية ومقرات مهمة منها: فندق المنصور، ومحافظة بغداد، وشبكة الاعلام العراقي، والطرق المؤدية إليها مغلقة بالكتل الكونكريتية، أما عن يسارها فيقع مبنى السفارة الإيرانية، وهو طريق مغلق إلا أمام الأرتال العسكرية. 

يحاول المتظاهرون الآن التمسك بجسر السنك، بحسب تلك المصادر، وإقامة حاجز صد هناك، والتمركز في الأبنية القريبة منه، على غرار ما فعلوه في بناية المطعم التركي القريب من جسر الجمهورية، وكل هذا لتأمين ساحة التحرير والحفاظ على زخم الحشود هناك، وتأمين وجودها، وإبعاد خطر استهدافها بالطلقات النارية وقنابل الغاز المسيلة للدموع، التي تطلقها قوات مكافحة الشغب والشرطة الاتحادية من جسري السنك والجمهورية.

المتحدث السابق باسم الحشد الشعبي، والقيادي في مليشيا منظمة بدر الموالية لإيران تحدث في تسجيل صوتي حصل عليه «ساسة بوست» عن أحداث جسر السنك، مؤكدًا أنَّ المتظاهرين، وغالبيتهم من الشباب، تحركوا باتجاه الجسر، ولحساسية المكان بسبب وجود السفارة الإيرانية؛ مُنِع المتظاهرون من التقدم من خلال إطلاق قنابل غاز المسيل للدموع، وبحسب النوري فإنَّ القوات الموجودة على الجسر سيطرت على الوضع بالكامل.

لحظة إسقاط الكتل الكونكريتية على جسر السنك

مرشد إيران غاضب.. إنذار في المنطقة الخضراء

بالتزامن مع محاولات المتظاهرين في العاصمة العراقية بغداد عبور جسر السنك باتجاه المنطقة الخضراء، أعلنت خلية الإعلام الأمني التابعة لوزارة الدفاع العراقية سقوط صاروخ داخل المنطقة الخضراء، وقالت الخلية إنَّ القصف أسفر عن قتل منتسب في القوات الأمنية.

مصادر عسكرية خاصة من داخل المنطقة الخضراء قالت لـ«ساسة بوست» إن القصف استهدف السفارة الأمريكية، حيث سقطت قذيفة هاون على حاجز التفتيش المؤدي إلى السفارة، والذي يُعرف بــ«سيطرة بابيلون»، وأن القتيل هو منتسب للجيش العراقي برتبة عريف، واسمه علي حسين هتيمي.

بعد أحداث جسر السنك والقصف على السفارة الأمريكية، دوَّت صافرات الإنذار داخل المنطقة الخضراء، وأعقب ذلك دوي ثلاثة انفجارات في المنطقة الخضراء أيضًا، لكن الجهات الحكومية العراقية لم تصدر توضيحًا بشأن تفاصيل تلك الانفجارات والأماكن التي استهدفتها داخل المنطقة شديدة التحصين.

التطورات الأخيرة في العراق، وخاصة في العاصمة بغداد، جاءت بعد تصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي اتهم فيها التظاهرات في العراق ولبنان بأنها أعمال شغب تسببها «أمريكا والكيان الصهيوني وبعض الدول الغربيّة»، وقال في تغريدة له على حسابه الناطق باللغة العربية على تويتر: «أكبر ضربة يُمكن أن يوجّهها الأعداء إلى أيّ بلد هي أن يسلبوه الأمن، الأمر الذي بدأوه في بعض بلدان المنطقة. أوصي الحريصين على العراق ولبنان أن يعالجوا أعمال الشّغب وانعدام الأمن، الذي تسبّبه في بلادهم أمريكا، والكيان الصهيوني، وبعض الدول الغربيّة بأموال بعض الدول الرجعيّة».

تصريحات خامنئي التي دعا فيها من أسماهم «الحريصين على العراق ولبنان» لمعالجة أعمال الشّغب وانعدام الأمن، تتزامن مع إعلان مفوضية حقوق الإنسان التابعة للبرلمان العراقي في حصيلة غير منتهية عن وقوع مائة قتيل وأكثر من 5 آلاف مصاب في صفوف المتظاهرين، منذ 25 أكتوبر 2019، حيث اندلاع الموجة الثانية من «تظاهرات أكتوبر»، وبذلك يكون العدد الكلي لضحايا تظاهرات أكتوبر حتى وقت كتابة هذا التقرير 258 قتيلاً وأكثر من 12 ألف مصاب بحسب الإحصاءات الرسمية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد