للشهر الثاني على التوالي؛ تتواصل الاحتجاجات المناوئة لحكم الرئيس المالي إبراهيم أبو بكر كيتا؛ وبالرغم من التنازلات التي أعلن عنها الرئيس المالي في سبيل حل الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد منذ إجراء الانتخابات التشريعية في مارس (آذار) الماضي ورفض تحالف المعارضة لنتيجتها، إلّا أن الشارع لم يعرف الهدوء منذ شهرين.

وتطوّرت مسارات الاحتجاجات مؤخرًا بعد سقوط عدّة ضحايا برصاص قوات الأمن؛ وإصرار المتظاهرين على إسقاط نظام كايتا؛ ممّا زاد من مخاوف الجيران والقوى العالمية من احتمال أن يؤدي هذا المأزق السياسي إلى زيادة زعزعة استقرار البلاد ومنطقة الساحل؛ خاصةً إذا تعرضت الحملة العسكرية الدولية على التنظيمات المسلّحة في الساحل الأفريقي بقيادة فرنسا إلى الخطر، وذلك عقب تزايد الدعوات الشعبية الرافضة لبقاء القوات الأجنبية وعلى رأسها القوات الفرنسية بالبلاد. 

يأتي هذا في وقتٍ أعلنت فيه القوات الفرنسية عن مقتل أبرز قادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي – أنشط الجماعات المسلحة بالساحل الأفريقي – واحتمال عودة التنظيم للنشاط انتقامًا لقادته؛ ما يجعل منطقة الصحراء الكبرى والساحل الأفريقي محط أنظار العالم كونها أكثر البقاع المرشّحة لأن تتحوّل إلى بؤرة حرب؛ ومسارعة دول الجوار ومن بينها الجزائر إلى تبني الخيار العسكري ضدّ أي تهديدات قد تشكلها تلك التنظيمات المسلحة. 

في هذا التقرير نستطلع الوضع في مالي غداة المظاهرات الشعبية المناوئة لنظام كايتا ونستشرف واقع منطقة الساحل والصحراء على ضوء التطورات الأخيرة. 

حراك مالي.. لكمةٌ لـ«إبيكا» وأخرى لـ«فرنسا» 

في 26 من مايو (أيار) 2020؛ تمّ تشكيل تحالف «إم 5 آر إف بي» الذي يضمُّ قادة سياسيين ودينيين وقادة المجتمع المدني المالي؛ وكانت أولى قراراته الحشد لانطلاق حراكٍ مليوني للمطالبة باستقالة الرئيس أبو بكر إبراهيم كايتا المعروف اختصارًا باسم «إبيكا» وذلك لإخفاقه – حسب المتظاهرين – في إخماد العنف الذي تذكيه الجماعات المسلحة والمليشيات العرقية، إلى جانب النزاع حول نتائج الانتخابات التشريعية التي أجريت في مارس (آذار) الماضي.

وفي الخامس من يونيو (حزيران) الماضي؛ خرجت فعلًا مظاهرات حاشدة؛ وذلك استجابةً لدعوات التظاهر التي أطلقها تحالف المعارضة وعلى رأس هذا التحالف تأتي دعوة «تنسيق الحركات والجمعيات والمتعاطفين مع الإمام محمود ديكو»، رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في البلاد سابقًا، والذي يعدّ من أهم الزعامات الدينية والسياسية، كما نتج عنها تحالف باسم «حركة 5 يونيو».

الرئيس المالي إبراهيم بوبكر كايتا

وقد احتشد المتظاهرون في ساحة الاستقلال والشوارع المحيطة بها؛ وذلك للمطالبة باستقالة الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا، وإسقاط نظامه الحاكم الذي فشل في إدارة الأزمات المتعددة الأبعاد في البلاد منذ وصوله إلى سُدة الحكم في عام 2013 حتى الآن، بعد أن تمّ تمديد حكمه لولاية ثانية سنة 2018.

أول رد فعل للرئيس المالي على دعوات إسقاطه كان إلقاءه خطابًا دعا فيه قادة الحراك للحوار، قائلًا إن «يده ممدودة للتفاوض، وإن بابه مفتوح»، قبل أن يعمد إلى إقالة الحكومة، ويعلن سعيه لتشكيل حكومة جديدة، تكون أكثر استجابة لتطلعات الماليين.

إحتجاجات حاشدة ت

احتجاجات حاشدة تطالب الرئيس المالي إيبكا بالرحيل مصدر الصورة، (روسيا اليوم)

تلك التنازلات لم تشبع شهية المتظاهرين الذي وضعوا استقالة إبيكا سقفًا لمطالبهم؛ ليرفض قادة تحالف المعارضة وعلى رأسهم محمود ديكو دعوة كايتا، ويدعو من جهته إلى احتجاج ثانٍ في 19 يونيو (حزيران) الماضي، قائلًا عن الرئيس إنه «لم يتعلم الدرس، لا يستمع إلى الناس، ولكن هذه المرة سيفهم».

تضاعف عدد المحتجين في ثاني مظاهرة تشهدها العاصمة المالية باماكو ضدّ الرئيس إيبكا، وانتقلت شرارة الاحتجاجات إلى مدن مالية كبرى؛ وقدّرت هيئات محلية عدد المحتجين في الجمعة الثانية من حراك الماليين بنحو مليون متظاهر. 

وفي العاشر من الشهر الجاري؛ تجمهر أكثر من مليون متظاهر في شوارع العاصمة المالية باماكو؛ للمطالبة بتنحي الرئيس المالي؛ وذلك عقب دعوات من «حركة 5 يونيو» للشروع في عصيانٍ مدنيٍ في ورقة ضغطٍ جديدةٍ لإجبار كايتا على الاستقالة، وسقط عشرات المتظاهرين ما بين قتلى وجرحى نتيجة استخدام الشرطة للقوة لفضّ الاحتجاجات التي تطورت إلى عملية استيلاء على المباني الحكومية مثل مبنى الإذاعة والتلفزيون الذي توقّف الجمعة الماضية عن البث. 

كما شرعت قوات الأمن المالية في شنّ حملة اعتقالاتٍ واسعةٍ طالت قادة حركة 5 يونيو؛ وذكر بيانٌ لتحالف المعارضة أنّ قوات الشرطة اعتقلت تشوجويل كوكالا مايجا وماونتاجا تول، وهما شخصيتان بارزتان في الحركة الاحتجاجية، إلى جانب عدد من النشطاء الآخرين يوم السبت، كما اعتقل عيسى كاو دجيم وهو أحد زعماء الاحتجاجات يوم الجمعة حسب ذات البيان.

صورة مقتطعة من فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لعملية حرق العلم الفرنسي في احتجاجات مالي.

ولم يكن الرئيس المالي إبراهيم كايتا الوحيد المستهدف من هذه المظاهرات؛ إذ رفعت وسط المسيرات الغاضبة شعارات غاضبة من تواجد القوات الأجنبية بالبلاد وعلى رأسها القوات الفرنسية التي طالبها المحتجون بالرحيل، لتكون فرنسا بذلك من أكثر الدول المتضررة من التطورات التي تشهدها مالي. 

وبالرغم من عدم إعلان فرنسا عن رأيها فيما تشهده باماكو من احتجاجات مناوئة للرئيس كايتا الذي يحظى بالدعم الفرنسي؛ إلّا أنّ تزعم شخصيات إسلامية ومناهضة للمصالح الفرنسية بمالي قد يجبر فرنسا حسب المراقبين على أن تكون متوجسة من هذا الحراك وحريصة على صناعة مخرج سياسي يضمن لها الحفاظ على المصالح على أقل تقدير. 

«في نفسٍ اليوم».. القاعدة تخسر قائدها و«إبيكا» يخسر الماليين 

لعبت الأقدار والصدف في الأحداث التي تشهدها مالي لعبها؛ فبينما كان تحالف المعارضة يخطط لبدء المظاهرات ضد نظام كايتا، كانت معلوماتٌ واردةٌ من قوات الجيش الأمريكي في أفريقيا «أفريكوم» تفيد بوجود «صيدٍ ثمين» في المنطقة الصحراوية المنبسطة بصحراء مدينة تساليت (شمال شرق مالي) المغطاة بأكوام من الصخور الملتهبة بفعل درجة الحرارة العالية. كان ذلك الصيد الثمين عبارة عن سيارة دفعٍ رباعي بها خمسةٌ من قادة «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» على رأسهم زعيم التنظيم الجزائري عبد المالك دروكدال. 

المكان الذي اغتيل فيه زعيم تنظيم القاعدة دروكدال

وفي اللحظة التي كانت فيها العاصمة المالية باماكو تعجُّ بالمتظاهرين الغاضبين من الوضع في بلادهم والمطالبين رئيسهم بالرحيل؛ أقلعت في الخامس من يونيو الماضي طائرتا هيلكوبتر من قاعدةٍ غير بعيدة عن تلك المظاهرات؛ للقيام بمهمة إنهاء حياة زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. 

بعد ساعاتٍ من المواجهة؛ تمكنت القوات الخاصة الفرنسية وبمساعدة طائرة من دون طيّار، من اغتيال أخطر عنصر بمنطقة الساحل الأفريقي والصحراء الكبرى ودفنه بموقع الاستهداف رفقة ثلاثة من مرافقيه من بينهم توفيق شعيب، القيادي البارز في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والمسؤول عن الدعاية والتنسيق لـ«تجمع نُصرة الإسلام والمسلمين» بقيادة المالي إياد غالي.

تأتي هذه الضربة الفرنسية لتكمل ما تبقى من التنظيم الذي تعرّض لهزاتٍ كبيرة عقب مقتل أبرز قادته في استهدافٍ آخر حين قتلت القوات الفرنسية جمال عكاشة المعروف بـ«يحيى أبو الهمام»، أمير إمارة الصحراء بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب العام الماضي إضافةً إلى أبو عياض التونسي زعيم منظمة «أنصار الشريعة»، ومحمد الزهاوي الليبي، وأبو طلحة الليبي، والحسن الأنصاري، ونوح أبو مسروق، وأبو دجانة القصيمي، وحبيب الأنصاري، ومنصور أغ القاسم الأنصاري، كما ألقت القوات الفرنسية القبض على محمد مربات، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في مالي، في عملية نفذتها في مايو (أيار) الماضي، وفقًا لتصريحات وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي.

وعقب مقتل زعيم تنظيم «القاعدة في المغرب الإسلامي» عبد المالك دروكدال، صارت ثلاث شخصيات تهيمن أكثر من أي وقت مضى على المشهد الجهادي في الساحل هم إياد غالي ومحمد كوفا من تنظيم القاعدة، وأبو وليد الصحراوي من تنظيم الدولة الإسلامية «داعش».

ويخشى المراقبون من أن يؤثر الجو السياسي المحتقن والمغذى بالمظاهرات التي تشهدها البلاد للمطالبة بتنحي كايتا في أن يعيد إلى الأذهان سيناريو سيطرة الجماعات المسلحة على الشمال المالي بعد حدوث انقلاب سنة 2012. 

هل تعود منطقة الساحل الأفريقي والصحراء إلى بؤرة توتر من جديد؟

تحظى منطقة الساحل الأفريقي والصحراء الكبرى، باهتمام دولي كبيرٍ؛ خصوصًا في ضوء تنامي التهديدات التي تمثلها الجماعات المسلحة التي تنشط في هذه «البؤرة الساخنة» القابلة للاشتعال من جديدٍ؛ وتخشى دول الجوار والقوى العالمية من تصاعد أنشطة تلك الجماعات واستغلالها للأوضاع التي تعيشها المنطقة. 

ولم يخف الإعلام الفرنسي مخاوفه من سقوط الحكم في مالي بيد الإسلاميين؛ الذين من شأنهم تهديد استقرار المنطقة بحسب وجهة النظر الفرنسية؛ ففي تقرير لجريدة «لوبوان الفرنسية» تتساءل الصحيفة عمّا إذا كانت الشعبية الجارفة التي بات «الإمام» وأستاذ لغة العربية محمد ديكو – إسلامي مالي من المناهضين لتواجد القوات الأجنبية في بلاده – يتمتّع بها ستجعله يتقلد زمام الأمور نهاية المطاف بدلًا عن كيتا، وأضافت الصحيفة في تقريرها أنّ الصراع بين الإمام ديكو والرئيس الحالي وصل إلى نقطة اللاعودة، متوقعةً أن يؤثر ذلك في استقرار البلاد، كما لم تخف الصحيفة مخاوفها من دعوة ديكو لتطبيق الشريعة الإسلامية؛ وهو الأمر الذي قد يجعل مالي مأوى للجماعات الإسلامية المتطرفة بحسبها. 

محمود ديكو، أحد قادة الحراك في مالي

من جهة أخرى لم تسلم المناطق الحدودية الجزائرية هي الأخرى من الاحتجاجات؛ فقد شهدت الشهر الماضي مدينتا تيمياوين وتين زواتين الحدوديتان احتجاجات عنيفة أسفرت عن سقوط عدّة ضحايا؛ وسط ارتفاع موجة الغضب وزيادة دعوات العصيان بالمنطقة. ولعلّ أبرز المخاوف التي يعزى إليها العديد من المراقبين لشؤون الساحل الأفريقي هي إعادة التنظيمات المسلحة هيكلتها؛ بعد الضربات المتتالية التي تلقتها وإعادة إنتاج نفسها من جديد، والسعي إلى الانتقام. 

تجدر الإشارة إلى أنّ العاصمة الموريتانية نواكشوط استقبلت مطلع الشهر الجاري اجتماعًا لقادة مجموعة دول الساحل بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وقادة دول كلٍ من موريتانيا، ومالي، والنيجر، وتشاد وبوركينا فاسو، ونتج عن الاجتماع تشكيل قوةٍ قوامها 3 آلاف جندي، لدعم مجموعة الخمس في الساحل في مواجهتها للتهديدات الأمنية، وعلى رأسها الإرهاب.

وتسابق الجزائر – المستثناة من تلك القوة – الزمن من أجل تمرير تعديل دستوري يتيح لجيشها المشاركة في العمليات العسكرية بالخارج، بعد أن منع بندٌ دستوري تحوّل سابقًا إلى عقيدة لدى الجيش الجزائري من التواجد في عملية برخان التي أطلقتها القوات الفرنسية ضد الجماعات المسلحة في مالي ومنطقة الساحل رغم التهديد الكبير التي شكّلته تلك الجماعات للجزائر من وجهة نظرها، خصوصًا أثناء هجمات تيقنتورين سنة 2013. 

دولي

منذ 7 شهور
كيف تزاحم روسيا الغرب الآن على كعكة الساحل الأفريقي؟

المصادر

تحميل المزيد