يؤمن القليل من الأشخاص بقضية ما، ثم يختارون أن يخوضوا معركتهم الخاصة من أجل نصرة هذه القضية بمفردهم دون شريك لهم يؤازرهم الاحتجاج، ويرفع معهم لافتات الاعتراض ويهتف معهم بشعار ما أمام المارة. ويمكن أن يمضي هؤلاء، الكثير من السنوات وهم يدافعون عن قضيتهم، دون كلل أو ملل من أجل تحقيق أهدافهم مهما بلغت المعوقات والاعتداءات التي قد تنال منهم، ردًا على احتجاجهم المخالف للجماعة.

1- وليام توماس.. أول من اعتصم أمام البيت الأبيض

في يونيو (حزيران) عام 1981، قرر رجل يدعى وليام توماس أن يخوض بمفرده واحدًا من أطول الاحتجاجات في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، متحديًا حظر التظاهر أمام البيت الأبيض الذي طُبق بعد تفجيرات أوكلاهوما عام 1995.

وليام توماس

اختار توماس رصيف «لافاييت سكوار» المواجه لنوافذ البيت الأبيض من الجهة الشمالية، كي يكون أقرب في احتجاجه ضد السياسية الأمريكية، من الرؤساء الأمريكيين الذين تناوبوا على الحكم فترة احتجاجه، وبعد عام واحد من اعتصامه انضمت إليه كونسيتيون بيكيتو، ليتظاهرا معًا لـ«المطالبة بالسلام والعدالة للبشرية أجمع». إذ أخذا يوزعان المنشورات والشعارات على المارة، ومع مرور الوقت زادت حماسة الاثنان للقضية الفلسطينية، وقضايا حقوق الإنسان الأخرى في العالم. وقد كانا يقضيان نهارهما أمام البيت الأبيض ثم يعودان إلى منزليهما مساءً، قبل أن يقررا نصب خيمة وتحويل الاعتصام إلى 24 ساعة مستمرة.

واعتقد المارة أن هذا الرجل صاحب اللحية المثارة والنظرة الشديدة مجنون، لكنه استمر بالاعتصام حتى مع تعرضه لعشرات المرات من الاعتقالات والمحاكمة، وكذلك المراقبة من قبل قناصة الخدمة السرية، ولم يخجل توماس الذي كان يمتلك شركة لصناعة المجوهرات قبل أن يصبح متطوعًا في جماعة «اللاعنف الإبداعي» من الاعتراف أن كان مدمنًا سابقًا للهيروين، ولديه سجل جنائي يمتد من نيويورك إلى مصر لأسباب مختلفة منها سرقة السيارات وانتهاك التأشيرة.

وعند وفاة توماس الذي ولد في مارس (آذار) 1947، بسبب مرض رئوي ظلت كونسيتيون وحيدة تكمل اعتصامها، وقد قالت قبل وفاتها عن توماس: «لطالما قبضت علينا الشرطة، وتم ضربنا من اليهود، وكثيرًا ما تجاهلتنا الجماهير أمام البيت الأبيض ولم يكن الأمر سهلًا طوال تلك المدة، نحن ضحينا بالكثير، وسأتحمل لأن القضايا التي أدافع عنها تستحق الكثير».

من قصص الخذلان المنسية.. كيف باع العرب القضية الفلسطينية؟

2- كونسيتيون بيكيتو.. اعتصام لمدة 35 عامًا

قررت المواطنة الأمريكية من أصل إسباني كونسيتيون بيكيتو، الاعتصام بشكل المستمر أمام البيت الأبيض، منذ أغسطس (آب) 1981 حتى توفيت في يناير (كانون الثاني) 2016، بمركز للنساء المشردات، تديره منظمة غير حكومية في واشنطن.

كونسيتيون بيكيتو

وبذلك تكون كونسيتيون قد أمضت ثلاثة عقود ونصف من الاعتصام أمام البيت الأبيض، وتحديدًا في شارع بنسلفانيا المقابل له، حيث تخطت مدة احتجاجها مدة احتجاج وليام توماس الذي افتتح اعتصامه قبلها بعام، وقد عاصرت كونسيتيون خلال فترة احتجاجها خمسة رؤساء أمريكيين، هم: رونالد ريجان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما.

واتخذت كونسيتيون من مظلة فناء قديمة التفت بالبلاستيك كي تقيها من تقلبات الجو؛ بيتًا تزينه من الخارج لوحات كتبت عليها شعارات تؤمن بها كونسيتيون، فقد بدأت كونسيتيون احتجاجًا على انتشار الأسلحة النووية، ثم لم تلبث أن تابعت الاهتمام بقضايا العالم الحقوقية، وكانت القضية الفلسطينية على رأس أولوياتها، إذ رفعت لافتات كتبت فيها عبارات تأييد لفلسطين ومناهضة لأفعال قوات الاحتلال الإسرائيلي، كتبت بعضها باللغة العبرية ووضعت بجوارها صورًا لمجازر ضد الفلسطينيين وحجرًا رسمت عليه علم فلسطين، وصور أخرى لراشيل كوري الناشطة التي قتلها الاحتلال بغزة دهسًا بالدبابات، عندما اعترضت على هدم منازل الفلسطينيين عام 2003، وقد قالت كونسيتيون: «أنا سعيدة بالجلوس على الطاولة التي أفردها ليلًا سريرًا لي، وأكتب أيضًا لافتات أوقفوا الأسلحة النووية، وفكوا الحصار عن غزة».

صاحبة الاعتصام الأطول: «كوني» تفارق الحياة بعد أن أوصت العالم ألا يصمت أمام «جرائم إسرائيل»

واعتاد السياح أمام البيت الأبيض على رؤية كونسيتيون بوجهها المجعد وهي تبدو غارقة في عالمها الخاص، وقد شكك البعض في صحتها العقلية مثلما حدث مع توماس، لكنهم استجابوا للاستماع لها وقراءة المطبوعات التي توزعها، وتقدير جهدها المستمر في كل الظروف الجوية المختلفة، سواء خلال العواصف الثلجية أو في موجات الحر الشديد .

3- «لبيك يا أقصى» صوت نسائي وحيد من موريتانيا

«لا سفير ولا سفارة ولا علاقة بأمريكا؛ لبيك يا أقصى، بالروح بالدم نفديك يا أقصى»، واحدة من جملة شعارات هتفت بها كثيرًا سيدة واحدة قامت بخطوة جريئة حين احتجت وحدها أمام السفارة الأمريكية في العاصمة الموريتانية نواكشوط.

تأتي هذه السيدة من منزلها المتواضع الواقع جنوب نواكشوط لتحتج بهذه الطريقة على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس، عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

لا يهمها شيء غير توصيل رسالتها، حتى أنها لم تستجب لطلبات الصحافيين بمحاورتها لمعرفة بعض المعلومات حول قرارها، فقد اكتفت بالقول بحماسة شديدة: «لا وقت يضيع خارج المطالبة الملحة بطرد الصهاينة وتطهير أرض الأقصى وحرم القدس الشريف من رجسهم»، وقال مراسل «القدس العربي» عنها: «تمكث هذه السيدة التي تخلت عن أطفالها وعن أشغالها ساعات طوالًا كل يوم قبالة السفارة الأمريكية في نواكشوط، وهي تلتحف العلم الفلسطيني مرددة شعارات عدة»، وتابع المراسل: «قالت يجب الرد على ترامب، إنه الوحيد الذي يتحدانا، السيدة غاضبة على العرب شعوبًا وقادة، فهي تقول: خضع الرؤساء لأنهم دمى تحركها أمريكا، لكن لا أقبل أن يخضع الشعوب ولا أفهم سبب ذلك ولا أقبل عذرًا».

فيليتسيا لانجر.. المحامية الإسرائيلية التي أفنت عمرها في الدفاع عن الفلسطينيين

4- سيمون فروفي المطالب بمقاطعة إسرائيل من ساحة «دام»

أكثر من 500 مظاهرة فردية في أمستردام عاصمة هولندا، ومنشورات لا يستطيع إحصاءها وزعها على السياح الذين يقصدون ساحة «دام» في العاصمة، أنه الناشط الهولندي سيمون فروفي الذي يتظاهر بمفرده منذ أكثر من أربعة أعوام ونصف لنصرة الفلسطينيين، وضد ما تقترفه إسرائيل، التي ركز في مظاهراته على المطالبة بمقاطعتها.

فروفي الذي ينتقد أيضًا الموقف السياسي للحكومة الهولندية في هذا الإطار، يأتي إلى الساحة التي يمر بها السياح بشكل كثيف كل أسبوعين مهما كانت الأوضاع الجوية، ومثل غيره من المعارضين للسياسات الإسرائيلية تعرض لهجمات متكررة من يهود، وقد وصل الأمر لحد اعتياد جندي إسرائيلي سابق منذ عامين على التعرض له. يقول فورفي في حديث لوكالة «الأناضول»: «هذا تصرف بشع جدًا، وقد تعرضت للتوقيف 15 مرة بسببه، وذات مرة قضت المحكمة بأن يدفع الجندي لي تعويضًا بعد أن مزق معطفي»، ويضيف فورفي: «الظلم الذي تشهده فلسطين سيء ومؤسف للغاية، وما يحصل في غزة بشكل خاص هو عبارة عن وحشية وعلينا أن نفعل شيئا حيال هذا الوضع».

الصليب سلاحًا في وجه الاحتلال.. 4 مقاومين «مسيحيين» حملوا هم فلسطين على أكتافهم

ويؤكد فورفي أنه لا يقوم بعمل معادٍ للسامية؛ وإنما هو تعبير عن حب واحترام للفلسطينيين. وبرغم ذلك أخذت وسائل الاعلام الإسرائيلية في الفترة الأخيرة تركز على ما اسمته ارتفاع نسبة معادة السامية في هولندا، فقد جاء في تقرير لصحيفة «جيروزاليم بوست» معنون بـ«معاداة السامية في هولندا» أنه: «بالنظر إلى حقيقة أن هذه الكراهية متوطنة بين المسلمين الهولنديين، وبالنظر إلى حقيقة أن نسبتهم وتأثيرهم في البلاد في ازدياد؛ وبالنظر إلى حقيقة أنه لا توجد بالفعل قوى مضادة، فإنه حتى في وسائل الإعلام الهولندية هناك أشياء مروعة مكتوبة على أساس منتظم عن اليهود وإسرائيل، إذا لم يستطع المرء الاعتماد على هولندا لإلحاق الهزيمة بهذا الاتجاه، فلن يكون هناك من سيحقق أداء أفضل».

المصادر

تحميل المزيد