ترعرع على الأفكار الشيوعية لكلٍ من ماركس ولينين، ليتحوَّل إلى مناضل ثوري من أعلى طراز، فلم يكتف بالنشاط السياسي والفكري، لكنه حمل السلاح وقاتل من اعتبرهم أعداء. يعتبر البعض أن «دينيز جيزميش» ورفاقه هم بمثابة «تشي جيفارا» التركي ورفاقه، وعندما تقرأ سيرته تلاحظ أنك تقرأ نسخة مشابهة لسيرة تشي جيفارا الثوري الأرجنتيني، لكن هذه المرة في هضبة الأناضول بدلًا من أمريكا اللاتينية.

فما هي قصة «شبيه جيفارا»؟

كان «دينيز جيزميش» ثوريًا ماركسيًا لينينيًا، كان زعيمًا للطلاب وناشطًا سياسيًا في تركيا في أواخر ستينيات القرن الماضي. وكان واحدًا من الأعضاء المؤسسين لجيش التحرير الشعبي التركي (THKO). ولد دينيز ابنًا لمفتش التعليم الابتدائي والنقابي «سيميل جيزميش»، ومعلمة المدرسة الابتدائية موكدس جيزميش. وتلقى تعليمه في مدن تركية مختلفة. قضى معظم طفولته في مدينة سيفاس، حيث نشأ والده. تخرج في المدرسة الثانوية في إسطنبول حيث واجه لأول مرة أفكار الجناح اليساري.

بعد انضمامه إلى حزب العمال التركي (Türkiye İşçi Partisi)، درس القانون في جامعة إسطنبول عام 1966. وفي عام 1968، أسس منظمة الحقوقيين الثوريين (بالتركية: Devrimci Hukukçular Kuruluşu)، واتحاد الطلاب الثوري (بالتركية: Devrimci Öğrenci Birliği). ثم أصبح ناشطًا سياسيًا معروفًا على نحو متزايد، وقاد حادثة الاحتلال المنظم لجامعة إسطنبول من قبل الطلاب في 12 يونيو (حزيران) 1968.

بعد انتهاء عملية الاحتلال والسيطرة هذه بالقوة بعد تدخل قوى الأمن، قاد الاحتجاجات ضد وصول الأسطول الأمريكي السادس في إسطنبول. وقد ألقي القبض على دينيز بسبب هذه الأعمال في 30 يوليو (تموز) 1968، ثم أفرج عنه في 20 أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام. ومع زيادة مشاركته مع حزب العمال التركي، ومع بداية دعوته إلى ثورة وطنية ديمقراطية، بدأت أفكاره في الانتشار، لتلهم قاعدة طلابية ثورية متنامية في البلاد. وفي 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 1968، ألقي القبض عليه مرة أخرى بعد احتجاجه على زيارة السفير الأمريكي لتركيا، ولكن أطلق سراحه فيما بعد.

وفي 16 مارس (آذار) 1969، ألقي القبض عليه مرة أخرى بسبب مشاركته في صراعات مسلحة بين اليمين واليسار، وتم سجنه حتى 3 أبريل (نيسان) من نفس العام. أعيد اعتقال جيزميش بعد أن قاد طلاب كلية الحقوق بجامعة إسطنبول احتجاجًا على مشروع قانون الإصلاح في 31 مايو (أيار) 1969. أغلقت الجامعة مؤقتًا، وأصيب جيزميش في الاشتباكات مع قوات الشرطة.

وعلى الرغم من أن جيزميش كان تحت المراقبة، فقد هرب من المستشفى وذهب إلى معسكرات منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن لتلقي التدريب على حرب العصابات. وانضم جيزميش إلى الفلسطينيين خلال مقاومتهم لقوات الاحتلال الإسرائيلي في كثير من المعارك وعمليات المقاومة المسلحة.

‏صورة المناضل التركي"دينيز غزمش" خلال تطوعه في صفوف المقاومة الفلسطينية قبل إصابته وعودته الى تركيا ليلقى القبض عليه ويعدم في 6 أيار عام 1972

Geplaatst door ‎شبكة اليرموك الإعلامية Yarmouk media network‎ op Dinsdag 5 september 2017

خلال ستينيات القرن الماضي، تقاطع طريق جيزميتش مع عميل المخابرات الأمريكية المزدوج ألدريتش آميس، وهو عميل في المخابرات الأمريكية لكنه كان يعمل في الحقيقة لصالح المخابرات السوفييتية واشتهر بلقب «الخلد». أثناء عملية استطلاع وجمع معلومات عن المخابرات السوفيتية، جند إميس أحد رفقاء دينيز، والذي قدم له معلومات عن عضوية وأنشطة ديفريمسي جينكليك (Devrimci Gençlik)، وهي مجموعة من الشباب الماركسي.

كان المفكر التركي دوغان آفجي أوغلو قد فتح آفاقًا جديدة لليسار بعد تأليفه كتاب «النظام في تركيا»، وهو الكتاب الذي ألهم العديد من المنظمات اليسارية. كما لعب هو نفسه، بصفته أستاذًا جامعيًا، دورًا محرضًا على التمرد الشبابي. وانطلق أنصار «الثورة البورجوازية الديمقراطية» من فكرة أن الحركة التي أنشأها مؤسس الجمهورية «مصطفى كمال أتاتورك»، كانت حركة تحرر وطني بورجوازية بالمعنى الماركسي.

هذه الحركة أنجزت مهمة تحرير البلاد من الاحتلال الأجنبي، لكنها لم تستكمل مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية، وباتت هذه بالتبعية ملقاة على عاتق الطبقة العاملة وممثليها الأيديولوجيين من الشباب، فلقد خانت البورجوازية التركية دورها التاريخي والتحقت بالإمبريالية كما كان يرى اليساريون في ذلك الوقت.

بداية النهاية

في 11 يناير (كانون الثاني) 1971، شارك جيفارا التركي، أو دينيز جيزميش، في سرقة فرع بنك العمل التركي (İş Bankasi) في أنقرة، وهي إحدى العمليات التي كان اليساريون يقومون بها من أجل «تمويل الثورة». وفي 4 مارس (آذار) من ذلك العام أيضًا، اختطف أربعة جنود أمريكيين من مجموعة اللوجستيات الأمريكية ومقرها في منطقة بالجات في العاصمة أنقرة. وبعد الإفراج عن الرهائن، تم القبض عليه هو و«يوسف أسلان» على قيد الحياة خارج العاصمة في أعقاب مواجهة مسلحة مع ضباط الأمن.

بدأت محاكمتهما في 16 يوليو (تموز) 1971، بعد حادثة انقلاب 12 مارس (آذار) من نفس العام، وهو ثاني انقلاب تشهده الجمهورية التركية والذي جاء على خلفية انتشار الاحتجاجات في حقبة الستينيات والركود الاقتصادي في نهاية هذا العقد، مما أدى إلى انتشار المظاهرات في الشوارع وإضرابات العمال والاغتيالات السياسية، بالإضافة لتزايد نفوذ الاتجاه اليساري الذي عارضته الجماعات القومية اليمينية والإسلامية، وصل إلى حد تبادل العنف والقتل بين الطرفين. ومع بداية العقد الجديد، تزايدت عمليات خطف الجنود الأمريكيين وسرقة البنوك وتوقفت الجامعات عن العمل.

جيفارا التركي

جيزميش وأصدقاؤه في جامعة إسطنبول.

وحكم على جيزميش بالإعدام في 9 أكتوبر (تشرين الأول) لانتهاكه المادة 146 من القانون الجنائي التركي، التي تتعلق بمحاولات «الإطاحة بالنظام الدستوري». ووفقًا للإجراءات القانونية في ذلك الوقت، كان يتعين على البرلمان إقرار قانون بالإعدام قبل إرساله إلى رئيس الجمهورية للموافقة النهائية عليه.

في مارس (آذار) وأبريل (نيسان) 1972، وُضع القانون أمام البرلمان، وفي كلتا القراءتين تمت الموافقة عليه بأغلبية ساحقة. عارض بعض السياسيين مثل عصمت إينونو وبولنت أجاويد الحكم، وهما من بين من تولى منصب رئيس الوزراء في فترات مختلفة، ولكن سليمان ديميريل، رئيس الوزراء قبل الانقلاب، صوت هو ورفاقه في حزب العدالة لصالح عمليات الإعدام، وهم يهتفون «ثلاثة منا ثلاثة منهم!»، في إشارة إلى سياسيي الحزب الديمقراطي اليميني – بمن فيهم رئيس الوزراء السابق عدنان مندريس – الذين أعدموا في عام 1961.

إجراءات المحاكمة نفسها لم تثبت أن هؤلاء الشباب ارتكبوا جرائم قتل، لكن النظام الانقلابي الجديد أراد أن يحاكم من خلالهم حركات التمرد الشبابية التي كانت تنذر بالتحول إلى تمرد أوسع يشمل قطاعات أخرى من المجتمع. نحن نتحدث هنا عن نسخة تركية للحركة الشبابية التي انطلقت من جامعة السوربون في ربيع 1968 بشعار «كن واقعيًا واطلب المستحيل!»، وكان المستحيل هو الحرية، المزيد من الحرية.

الإعدام

في 4 مايو (أيار)، رفض الرئيس جودت سوناي، بعد التشاور رسميًا مع وزير العدل ورئيس الوزراء «نهاد إريم»، منح جيزميش العفو. وقد أعدم شنقًا في 6 مايو (أيار) 1972 في سجن أنقرة المركزي إلى جانب حسين إنان ويوسف أصلان. وكان آخر طلب له هو شرب الشاي والاستماع إلى كونسيرتو دي أرانجويز، وكونسرتو غواكين رودريغو.

وكانت آخر كلمات «جيفارا التركي»: «عاشت تركيا مستقلة تمامًا. عاشت الأيديولوجية العظيمة للماركسية اللينينية. عاش الكفاح التركي والكردي من أجل الاستقلال. اللعنة على الإمبريالية. عاش العمال والقرويون».

جيفارا التركي

قبر جيزميش (جيفارا التركي) في تركيا.

هؤلاء الذين أعدموا في 6 مايو (أيار) 1972، طلبوا أن يدفنوا جنبًا إلى جنب مع تايلان أوزغور في أنقرة، ولكن لم يتم منحهم هذه الرغبة الأخيرة. وأوزغور هو أحد قادة الجركة الطلابية عام 1968 ومؤسس جيش التحرير الشعبي التركي، والذي قتل يوم 23 سبتمبر (أيلول) 1969 على يد قوات الشرطة خلال الاحتجاجات الطلابية التي شهدتها جامعة إسطنبول.

ودار سجال حاد، في السنوات الماضية في الصحف التركية، حول فكر جيزميش، فاعتبره بعض الليبراليين قوميًا متعصبًا، بالنظر إلى ما ذكره في رسالة لأبيه قبل إعدامه عن «كرهه للأجانب». بينما دافع عنه بعض الماركسيين قائلين إنه كان ماركسيًا، مستشهدين على حكمهم هذا بالشعار الذي أطلقه أمام حبل المشنقة: «عاشت الأخوة التركية – الكردية! عاشت الماركسية اللينينية!».

ويعيد بعض المحللين نزعة جيزميش المعادية للإمبريالية، التي ربطت حركته بأصولها الأتاتوركية، إلى ظروف عصره. ففي ذلك الوقت كانت هناك الحرب الأمريكية على فيتنام، وانطلاق المقاومة الفلسطينية المسلحة، وانطلاق الثورة الشبابية في الغرب.

ما بعد جيزميش

في عام 1980 اغتيل رئيس الوزراء «نهاد إريم» من قبل «ديفريمي سول» للانتقام من إعدام جيزميش. وفي عام 1987، قال سليمان ديميريل، الذي كان في البداية يدعم نشاط عمليات الإعدام، للصحفي الذي كان يجري معه مقابلة، إن عمليات الإعدام كانت «حادثة وقعت خلال الحرب الباردة»، كما يراها.

Embed from Getty Images
(صورة جيميش مرفوعة خلال إحدى المظاهرات في تركيا عام 2015).

في حين أن عمليات إعدام دينيز جيزميش ويوسف أصلان وحسين إنان في ظل حكم المجلس العسكري عام 1970، ضربت معنويات اليسار في تركيا، إلا أنها على المدى الطويل، جعلت من هؤلاء الشباب الثلاثة رموزًا تمكنت من توحيد اليسار التركي تحتهم بعد وفاتهم. واستمر الصراع بين اليمين واليسار في التصاعد خلال السبعينيات مع الحرب الباردة في الخلفية، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى الانقلاب العسكري عام 1980.

جدير بالذكر أن إحياء ذكريات الثورات والحراك الشبابي في فترة الستينيات والسبعينيات، بدأت تركز عليه وسائل الإعلام حاليًا خصوصًا من خلال المسلسلات التركية التي حكى بعضها مثل هذه الذكريات. على سبيل المثال، مسلسل «ياسمين» أو «Hatırla Sevgili» كما أطلق عليه بالتركية، من بطولة النجمة التركية المعروفة بيرين ساعات، حكى هذه الحقبة وذكرت الحلقة رقم 127 من نسخته العربية يوم إعدام جيزميش ورفاقه.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد