في 31 مايو (أيار) 1867 افتُتِحَت في شمالي الهند مدرسة دار العلوم ديوبند، التي اشتُهرت بعد ذلك بجامعة «ديوبند»، نسبة إلى المدينة الهندية الصغيرة التي احتضنت تلك المؤسسة التعليمية الدينية، التي سيرتفع نجمها كثيرًا في السنوات والعقود التالية، حتى أصبحت الأبرز في شبه القارة الهندية، ويتأسس على منوالها مئات المدارس الإسلامية داخل الهند وكذلك باكستان وأفغانستان وغيرهما. 

ونظرًا إلى ما تتسم به المدرسة من خصوصية في الفكر والاعتقاد والسلوك (رغم الاختلافات بين متخرجيها) فقد اعتُبروا طريقة إسلامية متميزة حملت اسم «الديوبندية»، وكان للصعود السياسي والعسكري لحركة طالبان الأفغانية وتمكنها من السلطة بعد 20 عامًا من الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، دورٌ كبير في تسليط الأضواء على هذه الطريقة.

ويرجع هذا إلى أنَّ قادة طالبان وعناصرها تخرجوا من المدارس العلمية الشرعية الديوبندية المنتشرة في أفغانستان وباكستان، والتي نُسجت على منوال المدرسة الأم بـ«ديوبند»، وجدير بالذكر أن موسوعة أكسفورد تذكر أنه بحلول عام 1967م، أي في مئوية الجامعة الديوبندية، كان هناك ما يقارب 9 آلاف مدرسة تُنسب إلى تلك الجامعة في الهند وباكستان وحدهما.

ولا يقتصر انتشار نموذج المدرسة الديوبندية على البلاد الإسلامية الآسيوية، فقد امتدَّ إلى أبعد من ذلك؛ إذ ذكرت الصحافية والباحثة الإنجليزية، إينيس بوين، في دراستها حول خريطة تيارات المجتمع الإسلامي في بريطانيا عام 2015، أن 44% من مساجد بريطانيا – نحو 700 مسجد – تهيمن عليها الطريقة الديوبندية، وكذلك تضم بريطانيا بعض المدارس الديوبندية التقليدية، مثل مدرسة دار العلوم العربية الإسلامية في لانكشير.

ولفتت بوين في دراستها النظر إلى التباين الكبير في المنتسبين إلى تلك الطريقة الديوبندية في بريطانيا، بين ما تسميه هي «الاعتدال» و«التطرف»، فبعض شيوخ الديوبندية في بريطانيا منفتحون على المجتمع الإنجليزي، ويستمتعون بالأنشطة الترفيهية كمتابعة مباريات كرة القدم، بينما هناك آخرون يدعون المسلمين إلى عدم الاندماج مع غير المسلمين، وهناك ديوبنديون بريطانيون يلتزمون الود مع بريطانيا، وهناك آخرون يدعمون بالمال والأفراد حركة طالبان الأفغانية التي كانت تحارب قوات التحالف في أفغانستان، ومن ضمنها القوات البريطانية، وفق روايتها. وبعيدًا حتى عن رواية الباحثة البريطانية، فيبدو بالفعل أن المدرسة متشعبة للغاية ولا يمكن أن نحكي عن صبغة واحدة لها نستطيع أن نجزم بأن أغلبية من ينتمون إليها مصبوغون بها.

وحتى نعرف لماذا تأسَّست تلك المدرسة الدينية التقليدية الكبرى المثيرة للجدل الحالي، وما سر الزخم الذي حظيت به على مدار تاريخها الذي تجاوز 150 عامًا، لا بد أن نعود إلى الوراء قليلًا، حيث الجذور التاريخية لنشأة الديوبندية. 

من رحم الاحتلال.. خلفية تاريخية

بحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي (الثالث عشر الهجري) تمكَّنت بريطانيا من فرض هيمنتها على شبه القارة الهندية، لتضع نهاية لإمبراطورية المغول المسلمين في الهند (Mughal empire) التي حكمت البلاد لأكثر من ثلاثة قرون ونصف.

موقع مدينة ديوبند الهندية التي تحتضن المدرسة الديوبندية (خرائط جوجل)

وشهد العام 1857م (1372هـ) حدثًا محوريًّا في تاريخ الهند؛ إذ أدى تمردُ عسكري للجنود المسلمين في مدينة «ميروت» شمالي الهند إلى اندلاع ثورة هندية عارمة ضد الهيمنة البريطانية، بعد أن انضمت حامية العاصمة دلهي إلى المتمردين، واستولتْ عليها، وأعلن الجنود المتمردون ولاءَهم للشاه، بهادر الثاني، آخر أباطرة مغول الهند. 

دولي

منذ 6 شهور
لعبة القط والفأر.. كيف قاتلت «طالبان» أمريكا للانسحاب من أفغانستان؟

انضمَّ ملايين من المسلمين والهندوس إلى الثورة التي أشعلها الجنود، مدفوعين بالمظالم الدينية والسياسية والاقتصادية التي نجمت عن السيطرة الإنجليزية على مقدرات بلادهم، وما عدُّوه «تغريبًا» مستمرًّا لمناهج التعليم والتربية، فضلًا عن النشاط المكثَّف للجمعيات التبشرية المسيحية المحميةً بشكلٍ غير مباشر بالاحتلال الإنجليزي.

شهدت الأسابيع الأولى انتصاراتٍ للثوار، وهزائم للحاميات الإنجليزية في البلاد، وهجومًا مسلحًا ضد الإنجليز وعملائهم والأجانب عامة، لكن ما لبثت الأمور أن انقلبت لصالح الإنجليز بفعل سوء تنظيم صفوف الثوار من جهة، ووصول الإمدادات البريطانية من جهة أخرى، فنجح الإنجليز في إعادة احتلال دلهي في سبتمبر (أيلول) 1857م، وأجبروا الشاه بهادر الثاني على التنحي مقابل الحفاظ على حياته، وبذلك انتهت رسميًّا إمبراطورية مغول الهند، وخلال العامين التالييْن كان الإنجليز قد أتموا قمع الثورة، وعقدوا محاكمات انتقامية راح ضحيتها الآلاف من المسلمين المشاركين والمتعاطفين مع الثورة، لا سيَّما في العاصمة دلهي.

سرت حالة من الصدمة في صفوف مسلمي الهند من جرَّاء فشل الثورة، وخشي الكثيرون على مستقبل الإسلام والمسلمين في شبه القارة الهندية، لا سيَّما مع إعلان إنجلترا عام 1858م (1373هـ) استعمارها المباشر للهند، بدلًا من الاحتلال بالوكالة تحت شعار «شركة الهند الشرقية الإنجليزية»، وخشي البعض من مسلمي الهند أن يكون مصيرهم في العقود التالية تحت حكم الاستعمار الإنجليزي مثل مصير المسلمين في الأندلس قبل أقل من أربعة قرون.

مسجد المدرسة الديوبندية  

ورأى العديد من علماء الهند الشرعيين، ومنهم الشيخ محمد قاسم النانوتوي، الذي شارك في القتال في عدد من معارك الثورة ضد الإنجليز، كما يذكر رفيقه محمد يعقوب النانوتوي في ترجمته له في كتاب «الإمام محمد قاسم النانوتوي كما رأيته»، أن المرحلة الحالية تحتاج إلى تجنب الصدام المباشر مع الإنجليز، الأقوى سياسيًّا وعسكريًّا، والاتجاه إلى الاستعداد طويل المدى، والحفاظ على الدين بنشر العلم الشرعي، لا سيما في صفوف الأجيال الجديدة، ومنها جاءت فكرة تأسيس مدرسة دار العلوم بمدينة ديوبند الصغيرة، الواقعة في ولاية أوتاربراديش الهندية، تلك الولاية التي تضم مدينة أجرا الهندية التاريخية، وبها أبرز أثر تاريخي إسلامي في الهند، وهو مقبرة تاج محل الشهيرة.

وقد وضع المؤسس دستورًا للجامعة، يتضمن بنودًا ثمانية. من تلك البنود أن الجامعة لا تأخذ أي مساعدة أو معاونة من الحكومة، مهما كانت الحكومة مسلمة أو غير مسلمة، وإنما تعتمدُ على تبرعات المسلمين *ساجد محمد، أستاذ اللغة العربية والحديث في جامعة ديوبند في لقاء تلفزيوني.

ووفقًا للموقع الرسمي للمدرسة، فقد كان الفقيه رشيد أحمد الكنكوهي (المتوفى 1323هـ)، والأديب ذو الفقار علي (المتوفى 1322هـ)، والشيخ الحاج عابد حسين، من أبرز من أسهموا مع الشيخ النانوتوي في تأسيس المدرسة الديوبندية، ولم يكتفِ النانوتوي بتأسيس دار العلوم بديوبند، بل أسَّس على منوالها بعض المدارس الإسلامية الأخرى مثل الجامعة القاسمية في «مراد آباد» بالهند، وغيرها. 

وكان تأسيس المدرسة بدائيًّا وبسيطًا للغاية؛ إذ ظلَّ الطلاب لسبع سنواتٍ يدرسون في الهواء الطلق أو في المسجد، ولم يتأسَّس أول المباني الخاصة بها إلا عام 1875م (1291هـ)، واشتملت مناهج المدرسة الديوبندية على كافة فروع العلوم الشرعية واللغة العربية، التي يتلقاها التلاميذ على يد الشيوخ بسندٍ متصلٍ إلى مؤلفي الكتب التي يدرسونها وفق الأسلوب السماعي التراثي الشائع في مدراس التعليم الإسلامي قبل إقرار نظام التعليم الحديث. 

ويذكر مؤلف كتاب «الإمام محمد قاسم النانوتوي كما رأيته» كيف شارك علماء المدرسة الديوبندية بفاعلية في المناظرات الدينية في مواجهة الهندوس والمسيحيين عامي 1876 و1877م، وكذلك مشاركتهم في بعض الأعمال الاجتماعية، مثل تشجيع تزويج الأرامل وغير ذلك من الأعمال الخيرية، وضمت المدرسة الأم ما يُعرَف بالمقبرة القاسمية والتي تضم رفات المئات من علماء وشيوخ المدرسة الراحلين، وسُميت على اسم المؤسس محمد قاسم النانوتوي.

إنني رأيت في مدرسة ديوبند، التي تلقب بأزهر الهند، نهضة دينية وعلمية جديدة، أرجو أن يكون لها نفع عظيم. وما قرت عيني بشيء في الهند كما قرت برؤية مدرسة ديوبند. *الشيخ محمد رشيد رضا تلميذ الإمام محمد عبده يمتدح مدرسة ديوبند بعد زيارته لها مطلع القرن العشرين

ومن جهة أخرى واجه علماء ديوبند ما رأوه أنه محاولة الإنجليز دعم طرق جديدة في فهم الدين على النمط الغربي، ويتباهى الموقع الرسمي لعلماء ديوبند بما يسميه أدوار المدرسة التاريخية في مواجهة الاستعمار و«ذيوله الفكرية والثقافية» كما يصفونها مثل البهائية والقاديانية. في المقابل، لم يجد الديوبنديون غضاضة في الاشتراك مع غير المسلمين، وخصوصًا الهندوس، في مواجهة الاستعمار الإنجليزي، فانضم بعضهم إلى جهود تحرير الهند التي تزعَّمها المهاتما غاندي.

واستمر انخراط العلماء والطلاب الديوبنديون في مقاومة الوجود الإنجليزي ببلادهم مع بقية مكونات المجتمع الهندي، حتى حانت لحظة رحيل الاستعمار الإنجليزي التي تزامنت مع انشقاق باكستان المسلمة عام 1947م من الهند ذات الأغلبية الهندوسية، وقد مثَّل الحدثان محطة فاصلة في تاريخ المدرسة الديوبندية، إذ هاجر المئات من علماء وطلاب الديوبندية إلى باكستان الوليدة، وأنشأوا هناك العديد من المدارس الإسلامية على نمط المدرسة الأم نفسه، وإن لم يكن تحت إشرافها الإداري والمالي.

وكذلك أنشأ بعض علماء الديوبندية مدرستين في مكة والمدينة في النصف الأول من القرن العشرين، ومن أبرز المدارس التي انبثقت عن الديوبندية في القرن العشرين أيضًا، مدرسة «ندوة العلماء» في «لكناو» بالهند، التي ينتسب إليها العالم الديني الشهير أبو الحسن الندوي، صاحب كتاب «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين»

وتذكر الباحثة باربرا ميتكالف في دراستها عن الديوبندية وطالبان، أن المدرسة الديوبندية بعد رحيل الاستعمار الإنجليزي عن الهند، اتجهت كذلك إلى مواجهة التيارات العلمانية الحديثة، مثل الشيوعية والماركسية والليبرالية، ولذا انخرط العديد من الشباب المنتسب إلى تلك المدرسة الفكرية في محاربة النظام الشيوعي الذي حكم أفغانستان في السبعينيات وحاول فرض نمط علماني ثقافي على المجتمع الأفغاني، وبالطبع شارك هؤلاء الشباب في الحرب الأفغانية ضد الاحتلال السوفيتي في الثمانينيات.

وفي خضم هذا ساعدت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية على تنظيم هؤلاء الشباب المتحمسين الذين انتمى جزء كبير منهم إلى المدارس الديوبندية، لا سيَّما من أبناء عرقية البشتون الأفغانية، والتي سينحدر منها، فيما بعد، معظم مقاتلي حركة طالبان، ولعب هؤلاء الشباب دورًا رائدًا في مقاومة الوجود السوفيتي، وبموازاة ذلك حصلت المدارس الديوبندية على دعم مالي من تلك المساعدات المخصصة لباكستان، فضلًا عن المساعدات القادمة من المملكة العربية السعودية.

وإلى جانب ذلك، أسهم القمع الهندي للمسلمين في إقليم كشمير المتنازع عليه مع باكستان، إلى التفاف الكثير من المسلمين الهنود حول مدرسة ديوبند، كرد فعل هوياتي، كما أسهم في توجه بعض طلاب تلك المدرسة وأشباهها نحو المزيد من الحركية والتنظيم، ومواجهة الاحتلال الهندي لكشمير بما تيسر من السلاح والسياسة.

أما حاليًا فتبلغ الميزانية السنوية للمدرسة الديوبندية نحو مائتيْ مليون روبية هندية، وهو ما يوازي أقل بقليل من 3 ملايين دولار أمريكي، وتتوفَّر جميعها من تبرعات الأفراد، وتراقب مواردها ومصارفها السلطات الحكومية الهندية المُختصَّة، وتشكو إدارة المدرسة من أن تلك الميزانية لا تكفي إلا بالكاد المصاريف الأساسية، وتغطية التوسعات التي تفرضها زيادة أعداد الطلاب والأنشطة.

السمات الفكرية البارزة للديوبندية

وجملة القول: إنه ليس هناك ناحية من نواحي الدين ينحرف فيها علماء ديوبند قيد شعرة عن التفسير المُتوَارَث للإسلام وعن مزاجه وذوقه الأصيلين. والإسلام دين الاعتدال، وعلماء ديوبند يتبنون هذا الدين الوسط، وطريقهم يمر بين الإفراط والتفريط. ومن خصائص الاعتدال أن الإفراط والتفريط كليهما يشكوانه ويتأذيان به؛ فالإفراط يتهمه بالتفريط، والتفريط يعيبه بالإفراط. *بيان أساس مذهب علماء ديوبند على الموقع الرسمي لجامعة ديوبند

تصنف «الموسوعة الميسَّرة للأديان والأحزاب والمذاهب المعاصرة» الديوبندية على أنها طريقة إسلامية تتبع المذهب الحنفي في الفقه، أما في العقيدة فهي تتبع المدرسة الماتريدية مائلة قليلًا إلى الأشعرية عقيدةً، وأن الديوبنديين متصوفين طرقيين سلوكًا، ومن اللافت أن تلك الثلاثية لم تكن أمرًا مميزًا خاصًّا بأبناء جامعة ديوبند؛ إذ سبقهم إليها في القرون السابقة أحد أبرز الدول الإسلامية وهي الدولة العثمانية.

وينظر الديوبنديون حاليًا بتوقير بالغ إلى التراث الفكري لولي الله الدهلوي، صاحب الكتاب الشهير «حجة الله البالغة»، وهو من أبرز الشخصيات العلمية الإسلامية في تاريخ الهند في القرون الثلاثة الأخيرة، وقد وُلدَ الدهلوي عام 1703م (1114هـ) لأسرة اشتهرت بالعلم وذات مكانة مرموقة، في وقتٍ شهد فيه العالم الإسلامي تراجعًا كبيرًا على كافة الأصعدة، وبداية تغوُّل القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى على أطراف البلاد الإسلامية، وضمن تلك العملية الاستعمارية برزت هيمنة شركة الهند الشرقية الإنجليزية على الهند مستغلة الضعف الذي سرى في أوصال دولة مغول الهند.

تأثر ولي الله الدهلوي بما رآه في زمنه من ضعف المسلمين وتشتتهم، وعاد من رحلته الطويلة إلى الحجاز وقد تشبَّع بأفكار عن إصلاح الأمة وما سماه «تنقية العقائد الدينية» والعودة إلى الأصولية الإسلامية كما وردت في القرآن، ولذا حرص على ترجمة القرآن بنفسه إلى اللغة الفارسية التي كانت تعد لغة العلم في الهند وجوارها آنذاك. كما عمل الدهلوي على التخلص مما عده «بدعًا فكرية ذات أصولٍ وثنية» دخلت إلى ثقافة المسلمين ناتجة من تأثرهم بالاحتكاك الطويل بالهندوس، ورأى أن الأولوية الكبرى هي توحيد الأمة ضد أعدائها، وتجنب التساهل في تكفير المسلمين.

كذلك تركت مدرسة الحديث بالحجاز بصمتها على فكر الدهلوي، فحاول مواجهة الأفكار الصوفية السائدة في الهند في عصره، والانفتاح على المراجع الفقهية خارج المذهب الحنفي السائد في البلاد، فأقدم على شرح وتدريس مُوطَّأ الإمام مالك، ودعا إلى كسر حلقة التعصب للمذاهب الفقهية، والانفتاح على أيسر وأرجح الأقوال الفقهية في أي مذهبٍ من المذاهب الأربعة، كما أكَّد الدهلوي صواب اجتهاد العلماء في إطار المذاهب الأربعة المعروفة، وألف كتابًا مخصصًا لقضية الاجتهاد وتفاصيلها أسماه: «عِقدُ الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد».

تاريخ

منذ 3 شهور
قبل 14 قرنًا من حكم طالبان.. كيف وصل الإسلام أفغانستان؟

وإلى جانب ولي الله الدهلوي، يوقر الديوبنديون أيضًا تراث الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي المتوفى عام 1034هـ (1624م)، والذي يعده الديوبنديون مجدد الألفية الثانية في التاريخ الإسلامي، والذي كانت له رحلته أيضًا إلى الأراضي المقدسة في الحجاز، والتي عاد بعدها أيضًا ليواجه ما رأى أنه «بدع ذات أصول هندوسية وفلسفية تشرَّبتها الطرق الصوفية».

وبالإضافة إلى تراث الرمزين، تنتسب الديوبندية المعاصرة ومن ضمنها حركة طالبان الأفغانية إلى المذهب الحنفي، ويؤكد قادتها انفتاحهم على كافة المذاهب السنية، وينتشر مذهب الإمام أبي حنيفة في أوساط مسلمي آسيا وشاع التعصب له قديمًا في الهند، وهذا التعصب هو ما حاول شاه ولي الله الدهلوي أن يكسر من حدته بالانفتاح على باقي المذاهب السنية.

عقيدة الديوبندية بين الماتريدية والأشعرية

شاعت المدرسة الماتريدية في آسيا الإسلامية، وتنتسب إلى الإمام أبي منصور الماتريدي المولود قرب سمرقند – أوزباكستان الحالية – في القرن الرابع الهجري، ولا يقبل الماتريدية في مسائل العقائد إلا نصوص القرآن والسنة النبوية المتواترة، قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، أما غير ذلك من أحاديث الآحاد، فإن لم توافق ما يرونه عقلًا، يقومون بتأويلها بدلًا من الأخذ بظاهر النص.

ويحتل الماتريديون منطقة وسطى بين الأشعرية والمعتزلة، وكانوا في الأغلب يعتنقون المذهب الحنفي في الفقه، وهذا ليس مستغربًا، لأنه أقل المذاهب تمسكًا بحرفية النصوص، لا سيما الأحاديث النبوية، وهذا يتفق مع النسق الفكري العام للماتريدية، وكان لتمدد الدولة العثمانية دورُ بارز في انتشار العقيدة الماتريدية في أرجاء مختلفة من العالم الإسلامي، وخصوصًا بين مسلمي آسيا.

لذا فإن الديوبندية ماتريدية في المجمل، مع بعض التأثرات الأشعرية، ولذا يرميهم بعض «الوهابيين» بالابتداع، فمثلًا موقع «الإسلام سؤال وجواب» الذي يشرف عليه الشيخ السلفي محمد صالح المنجد، يُخرج الديوبندية من نطاق أهل السنة والجماعة، ويضعها خارج مفهوم «الفرقة الناجية» في المقابل تعتبر الديوبنديىة مصطلح «الفرقة الناجية» شاملًا لأهل السنة والجماعة جميعًا على اختلاف أطيافهم، وكذلك يهاجم بعض الديوبندية خصومهم من «السلفيين» نتيجة ما يرونه تساهلًا منهم في إثبات الصفات لله سبحانه وتعالى، والاعتماد على أحاديث الآحاد في هذا الباب. 

وجديرٌ بالذكر أيضًا أن مؤسس جماعة التبليغ والدعوة ذائعة الصيت، وهو الشيخ محمد إلياس المتوفى عام 1944م، هو تلميذ لأحد كبار مؤسسي جامعة ديوبند، الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، وقد بايعه بيعة المريد لشيخه على عادة الصوفية. ولذا تُعد تلك الجماعة التي تضم الآلاف حول العالم، من المشتغلين بدعوة الأفراد إلى الإيمان والعمل الصالح، من ثمار المدرسة الديوبندية.

التصوف.. علاقة متوترة بالسلفية

التصوف الطرقي من أبرز العناصر المكونة للشخصية الديوبندية، وقد بايع مؤسسو المدرسة مثل الشيخ النانوتوي والكنكوهي وغيرهم، الإمام الصوفي إمداد الله المهاجر المكي، وكانوا يظهرون كراماته وولايته، وكذلك تأثر الديوبنديون بأربع طرق صوفية رئيسة هي: النقشبندية والجشتية والقادرية والسهروردية، فعظموا شيوخ تلك الطرق، ورفعوا من مكانة الأوراد والأذكار المنسوبة إليهم.

ورغم ذلك، فإن علماء الديوبندية يعارضون تقديس أضرحة الأولياء، ويرونه بدعة، وأفتى الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، أحد مؤسسي المدرسة الديوبندية، بأن طلب الحاجات من المدفون في الضريح هو «شرك بالله»، حسب فتواه، وأن تقبيل الأضرحة من «البدع المحرمة المأخوذة من اليهود والمسيحيين»، حسب تعبيره، وأن طلب المدد من صاحب الضريح «حرام»، وفقًا لما روي عنه، وكذلك لا يصح أن تُشد الرحال إلى مقابر الشيوخ والصالحين لشبهة الوقوع في الشرك، من وجهة نظره.

وكذلك اشتهر أكثر علماء الديوبندية بالزهد الصوفي في حياتهم الشخصية، لا سيما في المظاهر، وعلى رأس هؤلاء الشيخ محمد قاسم النانوتوي، والذي يروي صديقه محمد يعقوب الكثير من نماذج هذا الزهد الصوفي في كتابه: «الإمام محمد قاسم النانوتوي كما رأيته».

ويشيع بين الديوبندية توقير بعض رموز التصوف التي تعاديها المدارس السلفية المختلفة، وأبرز تلك الرموز هما الحلاج ومحيي الدين بن عربي، ويصرح بعضهم بتعظيم كل من ابن تيمية، وابن عربي في آن، رغم ما بين الرجليْن من اختلافاتٍ فكرية كبيرة.

مقطع متداول على «يوتيوب» لبعض عناصر طالبان يستجوبون بعض السلفيين 

لذا فقد كانت علاقة السلفيين (الوهابيين تحديدًا) بالديوبنديين متوترة، نتيجة الخلافات الفكرية الكبيرة بين الجانبين، وقد ورد في ثنايا كتاب «ذكريات عربي أفغاني: أبو جعفر المصري القندهاري»، وهو أحد الجهاديين المصريين الذين شاركوا في أواخر مراحل الحرب ضد السوفيت في الثمانينيات، نماذج من التوتر بين المقاتلين الأفغان – جلُّهم من خريجي المدارس الديوبندية – والسلفيين من الجهاديين العرب، فمثلًا كاد ينشب قتال بين الجانبيْن نتيجة الخلاف حول صلاة الجنازة على الشهداء، والتي يُقرها المذهب الحنفي، بينما يخالفه رأي الفقهاء الآخرين الذي يتبناه هؤلاء الجهاديون.

وقد جمع الباحث السلفي سيد طالب الرحمن، في كتابه «الديوبندية: تعريفها – عقائدها» كل ما يأخذُه السلفيون على المدرسة الديوبندية من وجهة نظرهم، لا سيما الرواسب الصوفية في فكر شيوخها المؤسسين مثل رشيد الكنكوهي، وطالب المدني، فنسب إليهم بعض الاعتقادات الصوفية مثل الإيمان بوحدة الوجود، وفناء العبد في المعبود، وكذلك المبالغة في تعظيم شيوخهم وفق عقيدة  تُسمى: تصور الشيخ، وهو تخيل حضور الشيخ بعد وفاته وتبادل الآراء معه.

واقتبس طالب الرحمن في كتابه أقوالًا منسوبة للشيخ الكنكوهي تقول إنه رأى طيف شيخه الصوفي إمداد الله المهاجر المكي لثلاث سنواتٍ كاملة بعد وفاة الشيخ، وأنه كان لا يفعل شيئًا إلا بأمره، لكن أخذ البعض على هذا الكتاب المذكور أنه جمع كل ما هو غريب عن الديوبندية في مكانٍ واحدٍ، وتؤكد الموسوعة الميسرة للمذاهب الإسلامية المعاصرة، والتي ألفها مجموعة من الباحثين ذوي الميول السلفية الوهابية، شيوع التصوف الطرقي والبدعي، كما يصفونه، بين الديوبندية، فيذكرون:

«الديوبندية أئمة في العلوم النقلية والعقلية؛ إلا أنهم متصوفة محضة، وعند كثير منهم بدعٌ قبورية، كما يشهد عليهم كتابهم المهنَّد على المفنَّد للشيخ خليل أحمد السهارنفوري أحد أئمتهم، وهو من أهم كتب الديوبندية في العقيدة» * الموسوعة الميسرة للمذاهب الإسلامية المعاصرة والتي ألفها مجموعة من الباحثين ذوي الميول الوهابية

ورغم تأكيد اعتزازهم بالانتساب إلى الصوفية سلوكًا وتزكية، ينفي الديوبنديون عن أنفسهم الكثير من مظاهر ما يعدونه من الغلو الصوفي التي يُرمَوْن بها. كما يرددون أن القرآن والسنة وسيرة السلف من الصحابة والتابعين هي نهجهم الأصيل، وأن المغالاة في تقدير الأشخاص وادعاء عصمتهم كما يفعل الشيعة على سبيل المثال مع أئمتهم، هو نهجٌ مرفوض من الديوبنديين.

ومن اللافت أنه عندما يَرِد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في بعض المقالات على الموقع الرسمي للمدرسة الديوبندية، فإنه يأتي متبوعًا بعبارة: «رحمه الله» كما يصفونه بـ«مجدد دعوة التوحيد» ويستنكرون تكفيره، ويرون أن فتاوى تكفير الوهابية التي سرت في الهند في النصف الأول من القرن العشرين كانت بتحريض من علماء السلطان التابعين لسلطات الاستعمار الإنجليزي.

ولا شك أن الاحتكاك الكثيف بالسلفية الجهادية، وأصحاب التوجهات الوهابية، لا سيَّما الوافدون من جزيرة العرب للمشاركة في الجهاد الأفعاني ومن انتسبوا لتنظيم القاعدة الذي احتمى بحكم طالبان الأول بين عامي 1996 و2001م، قد ترك بعض بصماته الفكرية على صفوف حركة طالبان الديوبندية، لا سيما في تخفيف الآثار الصوفية لديهم.

وعزز هذا التأثير دعم المملكة العربية السعودية ماليًّا ومعنويًّا في السبعينيات والثمانينيات، الاختراق الوهابي للمدارس الديوبندية، وقد برز بعض أصحاب الميول السلفية بين خريجي المدارس ديوبندية الأصل، مثل حكيم الله مسعود، زعيم حركة طالبان باكستان، والذي قتلته طائرة بدون طيار أمريكية عام 2013.

طالبان.. إلى أي حد هي ديوبندية حقًّا؟

كل أفغاني هو ديوبندي! سيد رحمة الله هاشمي، أحد سفراء حركة طالبان، في تصريح عام 2001م

كلمة «طالبان» تعني «الطلاب» باللغة البشتونية التي يتحدث بها مجموعة البشتون، وهي العرقية الأكبر في أفغانستان، وينتسب أغلب مقاتلي حركة طالبان إليها، وتنحدر عناصر الحركة من بين صفوف طلاب العلم بالمدارس الدينية التقليدية في أفغانستان وباكستان، وكذلك تخرَّج جلُّ قيادات حركة طالبان السابقين والحاليين من المدارس الديوبندية، وعلى رأسهم المؤسس الملا محمد عمر، لذا تعد «طالبان» التطور الحركي الإسلامي السياسي الأبرز للمدرسة الفكرية الديوبندية.

ورغم أن الاتجاه العام للديوبندية كان يميل إلى التركيز على العلوم الشرعية واللغة العربية، والمناقشات الفكرية والثقافية، والبعد نسبيًّا عن غمار السياسة والصراعات المسلحة بعد رحيل الاستعمار، فإن ظروفًا كبرى شهدتها المنطقة، مثل الحروب المتكررة بين الهند وباكستان، والمد الشيوعي ثم الاحتلال السوفيتي لأفغانستان عام 1979م، ونجاح الثورة الإسلامية في إيران في العام نفسه، وما أحدثه هذا من مدٍّ ثوريٍّ في البلاد الإسلامية، وكذلك تمدد الجماعات الإسلامية السياسية السنية (مثل الإخوان المسلمين وغيرها) فضلًا عن الشيعية، كل تلك العوامل دفعت بالكثير من أبناء المدرسة الديوبندية وروافدها للانخراط التنظيمي والحركي في السياسة والحرب.

وقد تضاعفت أعداد الملتحقين بالمدارس التقليدية الديوبندية لا سيَّما في صفوف البشتون الأفغان منذ عام 1979م، نوعًا من أنواع مقاومة الغزو السوفيتي الشيوعي الفكري والعسكري، ثم ظهرت حركة طالبان لأول مرة عام 1994م رد فعل على حالة الفوضى التي ضربت أفغانستان بعد هزيمة السوفيت ورحيلهم، وسقوط الحكومة الشيوعية عام 1992م، ويعد انتصارهم المرة الأولى التي تصل فيها «الديوبندية» إلى قمة هرم السلطة في بلدٍ إسلامي، وهي التي نشأت تحت سطوة احتلالٍ أجنبي لبلدٍ إسلامي، ورد فعلٍ على الهزيمة.

ورغم انتساب حركة طالبان إلى المجال الفكري العام للديوبندية فإن الانفصال الهندي الباكستاني، والعداوة المتأصلة بين الدولتيْن، قد حال دون وجود تواصل فكري وإداري متين بين الجامعة الديوبندية الأم في الهند، والفروع العديدة التي نشأت على منوالها في باكستان وأفغانستان، (وهي منفصلة إداريًّا وماليًّا عن المدرسة الأم في الهند) والتي أفرزت حركة طالبان.

ولذلك فلا غرابة أنه بالرغم مما يبديه علماء المدرسة الديوبندية الأم في الهند وطلابها من تقدير عام لحركة طالبان وقتالها ضد القوات الأمريكية، فإنهم يحرصون على أخذ مسافة من الحركة تنظيميًّا، نافين أي علاقة مباشرة لهم بها، ولعل السبب في هذا هو الخوف من نقمة السلطات الهندية التي تعتبر طالبان حركة «إرهابية حليفة لباكستان».

وقد حرص الشيخ مولانا أرشد مدني، المسؤول في المدرسة الديوبندية على التأكيد في مقابلة له مع الإذاعة الوطنية الأمريكية «npr» على نفي أية صلة مباشرة بين المدرسة وطالبان، إذ صرَّح أن 99% على الأقل من مقاتلي طالبان لم يسبق لهم زيارة الهند يومًا، وأن علاقتهم بالمدرسة الديوبندية هي المنابع الفكرية المشتركة.

وما زالت إدارة مدرسة دار العلوم ديوبند حريصة على نفي وصمة «نشر الإرهاب» عن نفسها، خوفًا من أن تتعرض لملاحقة السلطات الهندية، لا سيما في ظل هجوم القيادات الهندوسية على المدرسة، وتحريضهم للحكومة الهندية على إغلاق جامعة ديوبند التي يعدها خصومها «مفرخة للإرهاب».

وأكدت المدرسة في عدد من المؤتمرات عامي 2008 و2009م رفضها للهجمات الانتحارية، ودعمها للتعايش السلمي المشترك مع غير المسلمين، وجاء هذا في ذروة اشتعال الصراع في أفغانستان بين مقاتلي طالبان وقوات الاحتلال الأمريكي وحلفائها، واستهداف القوات الأمريكية للمدارس التقليدية في باكستان وخريجيها، مرات عديدة، بتهمة أنها من روافد «الإرهاب»، مما أسفر عن توتر العلاقات بين الحليفيْن باكستان والولايات المتحدة. 

جامعة ديوبند ورغم إصرار علمائها المعاصرين على نفي الصلة بين الإسلام و«الإرهاب»، وأنها تحاول أن تقدم نفسها للعالم على أنها رائدة في مواجهة مختلف أشكال التطرف المحسوبة على الإسلام، مع ذلك لم تأخذ خطًّا عدائيًّا تجاه حركة طالبان.

ففي مقالٍ لافت لأسرار الحق القاسمي، أحد علماء ديوبند، في مجلة «الداعي» التابعة للمدرسة أواخر عام 2017م، تنبأ القاسمي باستيلاء طالبان على أفغانستان بمجرد رحيل الاحتلال الأمريكي، واتهم الأمريكيين بتدمير أفغانستان، ونشر التطرف والتعصب ردَّ فعلٍ على حربهم غير المنصفة ضد الإسلام باسم «الحرب على الإرهاب»، وأن جرائمهم ضد المدنيين في أفغانستان وباكستان هي الوقود الذي يُذكي «التطرف والإرهاب». وفي مقالٍ آخر في المجلة نفسها في مارس (آذار) 2011م، يذكر المحرر نصًّا:

     وإنَّ الطالبان كانوا أحسنَ بكل المقاييس لأفغانستان وشعبها من الاحتلال الأمريكيِّ الغربيِّ الذي جرَّد ولا يزال، أفغانستان من كلّ خير، وعانى ولا يزال الشعب الأفغاني المسلم من جرائه الويلات التي لا أوَّل لها ولا آخر. *أسرار الحق القاسمي

كما انتقد مقالٌ آخر عام 2008م بلهجةٍ شديدة، الرئيس الباكستاني الأسبق برويز مشرف، لتحالفه مع الأمريكيين ضد طالبان وأفغانستان، وما قدمه لقوات الاحتلال الأمريكي من تسهيلات عسكرية أساسية. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد