هل يُمكن تصميم الأجنة؟ فنتخلص من الجينات المعيبة ونمنح الأجيال الجديدة مناعة ضد أمراض معينة؟ هذه الأسئلة ليست من قبيل الخيال العلمي، فالأطفال المُصمَّمُون حقيقة جرى تنفيذها، ونتناولها في التقرير التالي.

في البداية.. ما الذي يعنيه مصطلح «الطفل المُصمَّم»؟

«الطفل المصمم» هو رضيع يولد بعد إجراء تدخلات في مرحلة ما قبل زرع البويضة المُلقحة في رحم الأم للتأثير على الخصائص أو السمات التي قد يمتلكها الطفل بعد الولادة.

بشكل أكثر وضوحًا، أثناء عملية التلقيح الصناعي في المُختبرات، يجرى استخدام التقدّم العلمي – الذي وصل إليه مجال الهندسة الوراثية – لفحص الأجنة؛ بحثًا عن الاضطرابات الوراثية قبل زرع البويضة، ويمكن أن يغير الأطباء الجين المُعيب الذي قد يحمله الجنين لكي يُجنَّبَ الطفلُ القادم للحياة مرضًا، أو عيبًا خلقيًا، أو اضطرابًا ما. وعملية التغيير الجيني هذه ينتج عنها طفل «مُصمم».

Embed from Getty Images

لكن هل يقتصر تصميم الأجنة على التعديل الجيني فقط لتجنب الأمراض والاضطرابات الوراثية؟ إجابة هذا السؤال تثير الكثير من المخاوف لدى البعض؛ فقد جرى التنبؤ لأول مرة بفكرة الأطفال المصمَّمين، الذين يختار آباؤهم صفاتهم وسماتهم الشكلية والخلقية، عام 1978 بعد ولادة لويز براون، أول أطفال الأنابيب.

حينها اعتبر البعض فكرة «الطفل المُصمم» خطوة جديدة نحو عالم «شجاع»، حيث يمكن للآباء اختيار جنس طفلهم وصفاته. ثم عادت الفكرة تلوح في الأفق عام 1994 عندما ولدت امرأة بريطانية تبلغ من العمر 59 عامًا توأمًا باستخدام بويضات متبرع، جرى زرعها في رحمها بعيادة خصوبة في إيطاليا.

وما الذي قد تعنيه إمكانية «تصميم الأجنة»؟

الهدف الأساسي من إنشاء أطفال مصممين هو تجنب الإصابة بأمراض وراثية مشفرة بواسطة طفرات في الحمض النووي. ومع التطور في نقل الحمض النووي للميتوكوندريا، واكتشاف أدوات تحرير الجينوم البشري، لم يعد إنتاج أطفال مصمَّمي الجينوم الدقيق خيالًا علميًا.

Embed from Getty Images

فيمكن استخدام الاختبار الجيني السابق لزرع البويضة المُلقحة (PGT-M) للكشف عن الاضطرابات أحادية الجين، أو الجين الواحد لدى الأشخاص الذين لديهم مرض وراثي خطير في عائلاتهم؛ لتجنب نقله إلى أطفالهم.

وعن طريق هذا الاختبار الجيني (PGT-M)، والمعروف باسم «التشخيص الوراثي قبل الزرع (PGD)»، تُفحص الجينات أو الكروموسومات للأجنة بحثًا عن حالة وراثية معينة. في هذه الحالة ستحتاج إلى إجراء التلقيح الاصطناعي في المختبر، حتى لو لم تكن أنت وشريكك تعانيان من مشاكل في الخصوبة.

ويحتاج الجنين إلى اختبار (PGT-M) في حالة إذا:

  • فقدت الأم حملها سابقًا بسبب حالة وراثية خطيرة.
  • لدى الأبوين بالفعل طفل يُعاني من حالة وراثية خطيرة، ويريدان تجنب حدوث ذلك مرة أخرى.
  • وجود تاريخ عائلي من الاضطرابات الوراثية الخطيرة.

أول طفل مُصمم في العالم يبلغ من العمر 21 عامًا الآن!

وُلدت مولي، الطفلة الأولى للأبوين البريطانيين ليزا وجاك ناش، وهي مصابة بفقر الدم (فانكوني)، وهو اضطراب وراثي يؤدي إلى فشل إنتاج نخاع العظام. وعند محاولة الزوجين إنجاب طفل ثانٍ عن طريق التلقيح الاصطناعي، استخدم الأطباء التشخيص الجيني السابق لزرع البويضة للحصول على جنين سليم هذه المرة لا يحمل مرض أخته.

خضعت ليزا لأربع دورات إخصاب في المختبر، قبل أن تحمل بآدم، وفي كل مرة يجري فحص الأجنة للتخلص من تلك التي تحمل الجين المعيب.

Embed from Getty Images

في شهر أغسطس (آب) عام 2000، لم يولد آدم طفلًا سليمًا فحسب، بل كان قادرًا على التبرع – بالخلايا الجذعية التي جرى جمعها من الحبل السري – لأخته الكبرى؛ لتحل محل نخاع العظم المتعثر.

يُعاني الأطفال المصابون بفقر الدم (فانكوني) من نزيف حاد واضطرابات في الجهاز المناعي، ويموتون دائمًا عندما يصلون إلى عمر الثامنة أو التاسعة. العلاج الوحيد الفعّال هو زرع نخاع العظم من شقيق سليم مطابق تمامًا.

سيطرة أبوية! اعتراضات على فكرة «تصميم الأجنة»

البعض يرفض حتى مجرد التفكير في إتاحة تصميم الأجنة، خاصة فيما يتعلق بالسمات غير المرضية، بعض هذه الاعتراضات تتعلق بالسلامة، خاصة في ظل احتمالية ظهور اضطرابات وآثار جانبية قد تكون غير متوقعة. على سبيل المثال، أعلن الباحثون أن إضافة جين معين للفئران جعلها أفضل في التعامل مع المتاهات، ولكن من ناحية أخرى، جعلها هذا الجين شديدة الحساسية للألم.

Embed from Getty Images

بخلاف الجانب الصحي، يرى البعض أن تصميم الأجنة أمر غير أخلاقي، إن لم يكن الهدف طبيًا، ويرى هؤلاء أن التدخلات الجينية تُتيح مزيدًا من التحكم في شكل أطفالنا وشخصياتهم.

فحددت «منظمة الصحة العالمية (WHO)» بعض المخاوف الأخلاقية المتعلقة باختيار الجينوم البشري، منها:

  • اتخاذ القرارات نيابة عن الأجيال القادمة: فيُعتقد أن إعطاء الآباء خيار تصميم الأجنة، لاختيار سمات الأطفال دون موافقتهم، أو معرفتهم، ينتهك حق الطفل في العيش كفرد مستقل. قد يختار الآباء أن يكون طفلهما موسيقيًا، دون أن يختار هو هذا أو يُفضله.

بينما يرى بعض الباحثين أنه قد تكون هناك مغالطة في هذه النقطة، فالجينات تلعب دورًا في صفاتنا وسماتنا، لكن ما تكون عليه شخصياتنا في النهاية، هو نتيجة لتفاعل جينات متعددة مع بعضها البعض، وكلها تتفاعل مع البيئة.

يقول لي سيلفر، عالم الأحياء الدقيقة في جامعة برينستون: «كل ما سيحصل عليه أي شخص من استخدام أي تقنية إنجابية، هو ابن أو ابنة لا يمكن التنبؤ بهما، ولن يستمع الأولاد إلى آبائهم أكثر مما يستمع أطفالي إلي». فحتى لو كان بإمكانك اختيار الجينوم الكامل للطفل، فلن تكون لك سيطرة كاملة على سمات الطفل.

علوم

منذ 3 سنوات
الأمر لا يتعلق بنقص الحب فقط.. الجينات قد تلعب دورًا في خيانة الأزواج!

لكن – وبسبب المخاطر الصحية غير المعروفة، وعدم ثقة الجمهور على نطاق واسع في تعديل الجينات وتصميم الأجنة – يقول عالم الأخلاقيات الحيوية رونالد جرين من كلية دارتموث في نيو هامبشاير لصحيفة الجارديان البريطانية إنه لا يتوقع استخدامًا واسع النطاق لتصميم الأجنة في العقدين المقبلين، حتى ولو للوقاية من الأمراض الوراثية. فيُحذر قائلًا: «هذا قد يكون مصحوبًا بأخطاء خطيرة ومشكلات صحية، إذ ستبدأ الآثار الجانبية الجينية غير المعروفة لدى الأطفال والسكان (المعدلين) في الظهور».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد