1,079

احتفلت إسرائيل نهاية العام الماضي بأنّها وصلت المرحلة ما قبل الأخيرة للتطبيع المباشر مع أغلبية الدول العربية، خاصة تلك الأكثر تأثيرًا في المنطقة في إشارة إلى السعودية والإمارات؛ وفي الوقت الذي يغلب فيه الصمت والسرية على ذلك الملف من الجانب العربي، يخرج رئيس الحكومة الإسرائيلية في أكثر من مناسبة ليُلعن وهو يحتسى نخب نجاحه أنّ: «التعاون الذي يحدث اليوم لم يسبق حدوثه في تاريخنا»، ثم كشف لاحقًا عن وجود اتصالات سرية دائمة هي «الأوسع نطاقًا من تلك التي جرت في أي حقبة سابقة من تاريخ إسرائيل».

لكنّه في الأوقات التي لم يحتسِ فيها كؤوس الخمر، يُعبّر نتنياهو صراحةً عن مخاوفه: «وجودنا ليس بديهيًا، ونحن نعمل من أجل ضمان أن تبقى إسرائيل مائة سنة دون أي تهديد ضدها»؛ ولا يكاد يمرّ مائة شهر على تصريحه المثير، حتى يُقيّد الانتصار السياسي الاستثنائي بتوّرط إسرائيل في ثلاث حروب وشيكة لا ترغبُ في خوضهم، في كل من لبنان وسوريا وغزة.

(1) غزة.. الحربُ القادمة حتميّة؟

كتائب القسام أعلنت رفع درجة الاستعداد للحالة القصوى استعدادًا لأي عدوان.

عقب انتهاء الحرب الثالثة على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2014، التي سُمّيت باسم «الجرف الصامد» من جانب الاحتلال الإسرائيلي، و«العصف المأكول» من جانب حركة حماس، بدأ الطرفان للاستعداد الرسمي للحرب القادمة، فقامت إسرائيل بشراء معدات ثقيلة أمريكية لهدم الأنفاق، واستحداث قوات حرب الشوارع، كما بدأت بعمل مناورات خلف قطاع غزة تحاكي الحرب، كان آخرها قبل أسبوعٍ قرب الحدود، واشتركت فيها جميع القوات النظامية إضافة لقوة الاحتياط التي استُدعِيت، كما أنها قامت باستهداف القيادات وآخرهم الزواري، إضافة للضغط بالجانب المصري أحيانًا في عمليات غلق معبر رفح، وبين تلك الأوراق، برزت ورقةٌ واحدة انقلبت عكس توقعات الجميع.

Embed from Getty Images

كانت محاصرة القطاع اقتصاديًا هي إحدى الخطط الموضوعة بهدف دفع سكان غزة للتمرد، فقد رأت إسرائيل أنّ إسقاط حكومة حماس التي تُسيطر على القطاع منذ عام 2007، قد يكون سريعًا عن طريق إحداث أزمة إنسانية متعمّدة من خلال نقص الكهرباء والغذاء والعمل، والتي تتزامن مع التنافس الفلسطيني–الفلسطيني على القطاع من خلال قيام الرئيس محمود عباس بقطع 30% من مرتبات موظفي غزة، وإعلانه أنه لن يدفع فاتورة كهرباء القطاع، بالرغم من أنّ الطرفيْن وقّعا اتفاق المصالحة الأخير في أكتوبر من العام الماضي، برعاية المخابرات المصرية، إلا أنّ عباس لم يلتزم ببنود المصالحة بصرف الرواتب حتى الآن؛ وإمعانًا في الخناق، قررت إسرائيل تقليص تزويد الكهرباء لمحطة توليد الطاقة في القطاع بنسبة 35%، ثم قامت الولايات المتحدة بتجميد نصف الأموال المخصصة لوكالة «أونروا» التي تقدم مساعدات للاجئين الفلسطينيين، وكانت نتائج تلك الخُطة التي توّحدت فيها أهداف كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وعباس لإزاحة حماس نتائج عكسية دعت إسرائيل نفسها للتراجع.

حذر رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية، قبل يومين، أثناء اجتماع الحكومة الإسرائيلية، من أنّ الانهيار الاقتصادي والإنساني الذي يشهده القطاع، سيدفع حماس لمواجهة عسكرية حتمية ضد إسرائيل لتغيير قواعد اللعبة، وبحسب ما أذاعته القناة الثانية الإسرائيلية فإن الخارجية الإسرائيلية حثت الرئيس الأمريكي سرًا للتراجع عن قراره وقف تمويل «الأونروا» مع الاحتفاظ بتأييدها علنًا، أشارت القناة أيضًا إلى أن الوضع في غزة دفع الحكومة لدراسة إمكانية مساعدة القطاع إنسانيًا، في بادرة هي الأولى من نوعها في تاريخ الاحتلال؛ كما وافق وزير الدفاع الإسرائيلي على السماح بنقل المزيد من الوقود ومعدات البناء والمركبات والعمال إلى القطاع، إسرائيل أيضًا فرضت ضغوطات على عباس لكي يقوم بتسديد فاتورة الكهرباء لها لإنهاء الظلام الذي امتد في القطاع ستة أشهر.

اقرأ أيضًا: القدس فلسطينية.. ملف «ساسة بوست» لكل ما تريد معرفته عن القرار الأمريكي بشأن القدس

ورغم أنّ حالة التوتر بين الطرفين تكرَّرت أكثر منذ حرب 2014، إلا أنّ الصدام بات وشيكًا أكثر من أي وقتٍ مضى؛ فالحركة اعتبرت أن إعلان الرئيس الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل «سيفتح أبواب جهنم على الجميع»، وهو الذي تزامن معه إطلاق صواريخ من داخل القطاع تجاه عسقلان، لترد المدفعية الإسرائيلية بقصف مواقع تابعة لحماس، كما وُضع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية على قوائم الإرهاب الأمريكية، ومؤخرًا أجرت الحركة تجارب شبه يومية لإطلاق صواريخ إضافة للتدريبات العسكرية، وصرحت الحركة قبل أسبوع بأنها مستعدة لمواجهة أي عدوان على غزة، ويبدو أنّ إسرائيل استعانت بحليفتها القاهرة لمنع أي تصعيد.

قبل يومين وصل وفد من حماس بقيادة رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية إلى القاهرة، وبحسب البيان الذي أصدرته الحركة فإن الزيارة تضمنت بحث تخفيف معاناة القطاع، ومناقشة تنفيذ اتفاق المصالحة، في إشارة إلى أنّ فشل المفاوضات يعني اندلاع الحرب. المثير أنّ كتائب القسام الذراع العسكري لحركة حماس أعلنت أمس الاستنفار في صفوفها للرد على أي عدوان إسرائيلي نظرًا للأحداث في شمال فلسطين، والتي تتضمن التصعيد العسكري على الحدود السورية واللبنانية، في الوقت الذي ما زال فيه الوفد في القاهرة للتشاور.

(2) لبنان.. الجدار العازل فتيل الحرب القادمة!

بدأ الجيش الإسرائيلي قبل أيام ببناء جدار إسمنتي جنوب الخط الأزرق الفاصل بينها وبين لبنان، والذي رسمته الأمم المتحدة عقب  الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، وبررت إسرائيل أنّ الهدف المعلن لبناء الجدار الإسمنتي هو منع حزب الله من احتلال البلدات الإسرائيلية الحدودية أو أسر جنود فيها في حال وقعت مواجهة جديدة بين الطرفين، إضافة إلى منع أية صواريخ مضادة للدروع من استهداف المنازل القريبة من خط الحدود، ومنع الحزب من مراقبة التحركات العسكرية والمدنية هناك، ويُشار إلى أنّه يوجد 55 بلدة إسرائيلية حدودية يقطنها نحو 156 ألف إسرائيلي، 18 منها تقع مباشرة بمحاذاة الجدار.

لبنان بدأ باتخاذ الإجراءات الدبلوماسية، فخلال الاجتماع الذي عُقد بين عسكريين لبنانيين وإسرائيليين برئاسة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة قبل يومين، اعتبرت بيروت أنّ الجدار يمسّ سيادتها على اعتبار أنّه يمرُّ في أراضٍ لبنانية، اللافت للنظر أنّ ذلك الاعتراض يأتي بعد أيام من رفض إسرائيل خطط لبنان قبل أيام للتنقيب عن الغاز في الحدود البحرية المتنازع عليها، حيث يتنازع الطرفان حول مثلث بحري يُسمّى «بلوك 9» تصل مساحته إلى 860 كيلومترًا مربعًا كان لبنان قد طرح الشهر الماضي مناقصة استثمارها للتنقيب عن الغاز، وهو ما اعتبرته إسرائيل أعمالًا استفزازية، كما اعتبرت أنّ مشاركة الشركات الدولية فيها ستكون من قبيل الخطأ، وسبق لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري أن غرّد عبر «تويتر»: «نحن نواجه عدوانًا كبيرًا بما يتعلق بثروة لبنان النفطية».

وبالرغم من أنّ وجهة النزاع الأبرز معروفة؛ إلا أنّ الحدود البرية شهدت استنفارًا أمنيًا، تزامنًا مع إعلان لبنان أنه لن يسمح للجدار أن يمرّ عبر أراضيه، وفي الوقت الذي أعلن فيه المجلس الأعلى للدفاع اللبناني الذي يضم الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء وقائد الجيش، أنه «يُعطي الغطاء السياسي للقوى العسكرية لمواجهة أي اعتداء إسرائيلي على الحدود في البر والبحر»، كشف مسؤولون لبنانيون أنّ الولايات المتحدة أرسلت مبعوثها إلى بيروت قادمًا من تل أبيب، وهو يحمل رسالة مفادها أنّ إسرائيل لا تسعى للتصعيد،لكنّ الأزمة تظل باقية طالما لن يتنازل لبنان عن موقفه.

حذر حسن نصر الله الحكومة الإسرائيلية من حرب قادمة في حال استمر بناء الجدار، وحسب ما نشرته صحيفة «جيراليزم» الإسرائيلية، فإنّ الحكومة الإسرائيلية مستعدة للحرب القادمة رغم أنها لا تريد التورط فيها، من أجل تقليص الهيمنة الإيرانية في لبنان، ومنع حزب الله من بناء مصانع صواريخ دقيقة، ويُشار إلى أنّ حسن نصر الله يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة تضم 100 ألف صاروخ دقيق الإصابة قادر على إصابة سماء إسرائيل بدقة، وتتخوف حكومة نتنياهو من استهداف منصات الغاز الإسرائيلية في البحر المتوسط في حال وقعت أي مواجهة جديدة، لذا ستدفع أمريكا بوزير خارجيتها إلى لبنان خلال الأسبوع الجاري لاحتواء الأزمة.

ورغم أنّ القدرة العسكرية الإسرائيلية تفوق قدرات حزب الله وحماس معًا، إلا أنّها دائمًا ما تتجنب التورط في حرب شاملة كان آخرها حرب عام 2006، عقب اجتياحه للأراضي الإسرائيلية وقيامه بقتل أربعة جنود وأسر جنديين، ورغم أنّ إسرائيل تعتقد أنّ حسن نصر الله لن يغامر بالحرب حاليًا في ظل الانتخابات البرلمانية القادمة بعد ثلاثة أشهر، إضافة إلى أنه يحتاج أولًا  إلى إعادة ما يقرب من 6 آلاف جندي قابعين في سوريا أثبتوا تفوقًا عسكريًا في حماية نظام الأسد، المثير أنّ خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، أنشأ الجيش الإسرائيلي مدينة كاملة تُحاكي مدن حزب الله، بهدف تدريب جنوده على حرب المدن التي يبدو أن الجدار العازل سيكون أحد أسبابها.

(3) سوريا.. ساحة الحرب بين إيران وإسرائيل

رغم أنّ الطائرات الإسرائيلية اعتادت منذ سنوات أن تخترق المجال الجوي السوري وتقوم بشنّ غارات جوية على مخازن للأسلحة ومنشآت يُعتقد أنها إيرانية، بهدف منع وصول الصواريخ الإيرانية إلى حزب الله اللبناني، إلا أنّ إسقاط الطائرة الإسرائيلية (إف 16) عن طريق الدفاع الجوي السوري، صاحبه اجتماع طارئ لوزارة الدفاع الإسرائيلية، سرعان ما عُرفت نتائجه، حين سُمع دوي انفجارات في ريف دمشق نتيجة غارات إسرائيلية انتقامية، لكنّ الأزمة لم تنتهِ بالانتقام.

(الطائرة الإسرائيلية التي أسقطها الجيش السوري) المصدر: مواقع التواصل.

في حين أعلن الجيش الإسرائيلي أنه لا يرغب بالتصعيد ضد سوريا وإيران، إلا أنّ رواية إسرائيل بشأن قيام طائرة إيرانية بدون طيار باختراق المجال الجوي لها فتح الباب للتساؤل حول معركة قادمة على أرض سوريا، خاصة بعدما صرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي بأن التهديدات الإيرانية اقتربت من حدودهم، أيضًا بعدما وافق الرئيس السوري بشار الأسد على توقيع اتفاقية تمنح إيران إنشاء قواعد عسكرية في سوريا تشمل قاعدة بحرية وقواعد لسلاح الجو والقوات البرية الإيرانية، إضافة لاستقطاب عشرات الآلاف من المقاتلين الشيعة، وبالرغم من أنّ إيران تنفي وجودها عسكريًا في سوريا، إلا أنّ صحيفة الديلي ميل البريطانية كشفت وجود قاعدة البيت الزجاجي القريبة من مطار دمشق والتي تعتبر حاليًا مركز القيادة للحرس الثوري الإيراني.

اقرأ أيضًا: حرب شاملة أم مجرد «زوبعة».. كيف ستستثمر إسرائيل وروسيا إسقاط الطائرة ضد إيران؟

صحيفة «جيراليزم» الإسرائيلية، عبّرت عن مخاوف القادة الإسرائيليين من التعوّيل على السياسة الأمريكية لحمايتها من الخطر الإيراني، لذا اتجهت صوب روسيا، التي تُعتبر حاليًا بوصلة التهدئة بين كل الأطراف، ويرغب الجيش الإسرائيلي في  ألا يقترب حزب الله اللبناني أو الميليشيات الإيرانية من خط وقف إطلاق النار في هضبة الجولان المحتلة، وأن تمارس روسيا ضغوطات على إيران وعلى الرئيس بشار الأسد من أجل عدم بناء قواعد عسكرية ومصانع صواريخ إيرانية في سوريا.

قائد سلاح الجو الإسرائيلي سبق له أن أعلن قبل إسقاط الطائرة، أن قواته تتدرب الآن استعدادًا للمواجهات المقبلة، والمثير أنّ روسيا قامت مؤخرًا بإنشاء نظام دفاع جوي متكامل للجيش السوري لتحديث الدفاعات الجوية إضافة إلى ترقية أنظمة الصواريخ بعيدة المدى، كما أنها نشرت منظومتي «إس 300» و«إس 400» شمال غرب سوريا، ليس هذا فقط؛ فروسيا التي تعتبر الأسد «حليفها» الأهم في المنطقة، أعلنت تأسيس قاعدة جديدة – رأس الوعر – تبعد نحو 50 كيلومترًا عن العاصمة دمشق، و85 كيلومترًا عن هضبة الجولان، وهو ما من شأنه أنّ يجعل روسيا لاعبًا أساسيًا في الحرب والسلم.

وبحسب ما نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية تعليقًا على إسقاط الطائرة، فإنّ الحكومة الإسرائيلية خلقت انطباعًا خاطئًا بشأن أنّ موسكو سوف تنحاز لإسرائيل في جهودها لتحجيم النفوذ الإيراني في كل من سوريا ولبنان، مضيفةً أنّ موسكو تسعى بالأساس إلى أن تصبح لاعبًا لا يمكن الاستغناء عنه في الشرق الأوسط، وخلاف ذلك فليس لها مصلحة في حل الخلافات الإسرائيلية–الإيرانية، مشيرة إلى أنّها ستتجاهل الخلافات والتوتر حين يتجه في طريق يتطلب معه التوسط الروسي.

اقرأ أيضًا: «هآرتس»: 7 أمور تشرح لك التصعيد الإسرائيلي- الإيراني الأخير في سوريا