»«

تُسيطر السياسية والاقتصاد وهواجسهما على اهتمام المواطن العادي في ثورات الربيع العربي، لكننا سنبتعد هنا عن الساحتين، في الذكرى السادسة لثورة يناير.

سنستعرض في هذا التقرير ملامح الصراع بين السينما والسُلطة، الذي رُبما كان من الصراعات القليلة التي لم تخسر فيها الثورة حتى الآن.

ممنوع من العرض.. والممنوع مرغوب

«مش من حقي أحلم يا أستاذ؟»، قال هذه الكلمات الطفل عُمر بائع البطاطا للمُصور أحمد رمضان عندما سأله عن حلمه المُستقبلي. اعتاد عُمر أن يتجول في محيط وسط البلد بعربته التي تمثل مصدر رِزقه الوحيد، ليبيع ما يقضي به حاجة يومه، وفي مرة من المرات التي يبحث فيها الطفل عن رزقه أخذته قدماه لمُحيط السِفارة الأمريكية في أثناء اشتباكات بين المُتظاهرين والأمن، ليلقى الطفل مصرعه برصاصتين، ثَبتَ بعد ذلك أن مصدرهم «الميري».

انطلاقًا من هذه القصة قرّر المؤلف والمُخرج أحمد رُشدي بالاشتراك مع السيناريست حمدي حسن، أن يصنعا فيلمهم «بائع البطاطا المجهول». وقررا اختيار الفنان المُعارض للنظام خالد أبو النجا للبطولة، وبعدها يختار مهرجان دبي السينمائي الدولي الفيلم للعرض لكي يعرض فيه، ثم يُفاجأ فريق العمل بتراجع المهرجان عن عرض الفيلم بتقديم اعتذار قالت فيه «تأسف إدارة مهرجان دُبي السينمائي الدولي، وفريق عمل الفيلم المُشارك في مسابقة المُهر الصغير، عن عدم تمكنهم من عرض فيلم بائع البطاطا المجهول لظروف طارئة وخارجة عن إدارة الطرفين؛ مُتمنين للفيلم النجاح في عرضه المُقبل».

يتساءل البعض ما إذا كان منع الفيلم بسبب قِصتُه أم بسبب بطله خالد أبو النجا، لكن سواء هذا أو ذاك لن تكون النتيجة مُختلفة، فالفيلم يمثل وجهة نظر ثورية، والبطل أحد المنتمين للثورة والمثيرين للقلاقل للسلطة المصرية الجديدة.

جاء الرفض أيضًا من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي على عرض فيلم «آخر أيام المدينة». وقال تامر السعيد مُخرج الفيلم إن الفيلم لاقى تَعنُتًا غير مفهوم من إدراة المهرجان، كما أوضح تامر خلال لقائه في برنامج هُنا العاصمة إنه ظل يعمل على الفيلم لمُدة عشرِ سنوات وفي النهاية لا يجد فرصة عرضه في بلده.

إعلان فيلم آخر أيام المدينة

الفيلم تدور أحداثه في عام 2009 داخل مدينة القاهرة، وبطله خالد هو مُخرج شاب يُحاول أن يصنع فيلمًا عن المدينة وأحلامها المُختلفة، في نفس الوقت الذي تُريد فيه حبيبته أن تُهاجر خارج البلاد بالإضافة لاحتمالية طرده من شقته.

وقال المُدير الفني للمهرجان يوسف شريف رزق الله في تصريحٍ له إن الفيلم لم يُعرض في المهرجان نتيجة عرضه كثيرًا في المهرجانات الخارجية.

جدير بالذكر أن المهرجان كان تحت رعاية وزارة الثقافة المِصرية، وكان تحت إشراف اللجنة التي يرأسها خالد عبد الجليل رئيس الجهاز القومي للسينما منذ عهد حسني مُبارك حتى الآن رغم الاحتجاجات التي قامت مُطالبة برحيله.

يعتقد بعض الفنانين، إنه بشكل أو بآخر تُعتبر هذه التصرفات عديمة الجدوى لأن جُزءًا أساسيًّا من جوهر ثورة 25 يناير كان من أجل توقّف الدولة عن لعب دور الأب -الرقيب- أيًا كانت الأسباب التي تدفعها لذلك، والآن حتى لو مُنعت بعض الأفلام من العرض فإنها تصل للناس بطريقة أو بأخرى.

سينما الثورة.. لا تضعوا الخمر القديم في إناء جديد

قال مُقرر لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة حمد كامل القليوبي أن السينما تتجاهل الثورة أو تقوم بمنع بعض الأفلام غالبًا لأسباب تتعلق بفكرة المزاج الجمعي المصري، فهو يميل إلى البحث عن المتعة والترفيه، نظرًا لظروفه المتأزمة دائمًا.

وانطلاقًا من رأي مُشابه قدم الباحث أحمد عبد العال ورقة بحثية بعنوان «السينما المصرية والثورة، قراءة مُغايرة وبديهيات مُستقرة» يقول فيها إن «السينما عمومًا خرجت من رَحِم المسرح الفُكاهي والترفيهي، وإنها مُقيدّة رقابيًا باعتبارها صناعة رأسمالية هدفها الربح، فالسينما تعتمد على آلية العرض والطلب، وهو ما يجعلنا نقدّم اهتمامات الجمهور».

كما يرى أن أسباب بُعد السينما إلى حدٍ ما عن تقديم أعمال ثورية يرجع إلى الظرف الاجتماعي والواقع المأزوم وافتقار المزاج الجمعي للمصريين.

الناقد ناجي فوزي يرى إن الزمن تغير، وإنه على كثرة الأفلام التي تعرّضت للثورة وأحوالها؛ من «18 يوم» إلى «بعد الموقعة» و«الشتا اللي فات» بالإضافة إلى «فرش وغطا» و«فبراير الأسود» و«حظ سعيد» رغم أنها لاقت مشاكل سواء في تصويرها أو في عرضها، لكنّها عُرضت بعد ذلك، بل إن رفضها في البداية وجّه اهتمام المُشاهدين لرؤيتها عن غيرها كما يرى.

رُبما علينا أن نذكر هُنا أيضًا فيلم لاشين الذي تنبأ بثورة 23 يوليو، وكان الفيلم من إنتاج أستديو مصر. يَحكي عن حاكم فاسد يخلعة شعبُه ويجعل من الجيش الحاكم الجديد القوي والمُسيطر والعادل. مُنع الفيلم آنذاك بذريعة أنه إهانة للذات الملكية وتحريض على التمرد والثورة، لكنّه لا يزال من علامات السينما المِصرية رغم مرور أكثر من 60 عامًا.

رُبما نرى بمرور الزمن تمجيدًا لعدد من هذه الأفلام التي لاقت نفس المصاعب، ورُبما لن يكتشف ولا غيرهم إن منع هذه الأفلام كان سبب تركيز النظر عليها ومحاولة مُشاهداتِها.

سينما الثورة.. رُبما هي مكسب الثورة الأكبر

يعتقد أستاذ النقد السينمائي ناجي فوزي في حواره لساسة بوست إن الثورة استطاعت تحقيق مكاسب إعلامية وسينمائية كبيرة، حيث جعلت في يد كُل فرد مِنا كاميرا خاصة يستطيع تصوير كُل ما يُريده. كما يرى أن الدولة لن تستطيع منع ذلك الكم الكبير من الأفلام.

أستاذ النقد السينمائي ناجي فوزي

«الناس محدش هيعرف يضحك عليها تاني، 25 يناير غيرت حاجات كتير ولو حصل حاجة بعد كدا محدش هيعرف يوقف الناس ولا حتى الإعلام. في شُحنات ومشاعر عند الناس دلوقتي محدش عبّر عنها من المُثقفين والسينمائيين». *الناقد ناجي فوزي.

وأوضح فوزي إن جانبًا كبيرًا من الأوراق البحثية التي تحدثت عن السينما والثورة تُشير بوضوح إلى العلاقة بين سياسة الدولة بِصفة عامة والأفلام التي تتناول الثورة ووصفها بأنها علاقة ذات طابع رِقابي من جانب السُلطات الحاكمة في الدولة، لكنّها لا تُشكّل نقطة ضعف للسينمائيين بعد الثورة.

يرى الناقد «عصام زكريا» أن عددًا كبيرًا من شباب السينمائيين المُنتمين إلى الطبقة المُتعلمة المُثقفة التي كانت في طليعة الثورة قد شاركوا بكاميراتهم الخاصة في توثيق ما حدث في يناير (كانون الثاني)، وقام مُعظمهم بتحويل هذه المواد بعد ذلك إلى أفلام وثائقية بإنتاج مُستقل أو بالاشتراك مع مؤسسة.

يفتح عصام بذلك ملفًا على قدر من الأهمية بتصنيفه للأفلام التي اتخدت من الثورة عمومًا موضوعها الأساسي إلى قسمين؛ أولهما كان بإشراف شركات إنتاجية وإعلامية ومحطات تلفزيون وصحف، والثانية هي الأفلام المُستقلة التي أنتجها أفراد، وهذه الأخيرة رُبما يُرجح عدم اعتمادها على رأسمالي كبير استقلاليتها.

حيث يُشير إلى أن الأفلام غير الروائية العديدة التي أنتجتها الصحافة والتلفزيون كانت مُحاولات جيدة حتى لو لم يلق بعضها نجاحًا أو رواجًا كبيرًا، وتأتي قناة الجزيرة الإخبارية في المُقدمة بين المؤسسات الإعلامية برصيد 30 فيلمًا، ويُعتبر فيلم «الطريق إلى التحرير» النموذج المثالي لهم.

كما قامت «بي بي سي» بإنتاج تقريرها المُهم والنموذجي «الثورة الضاحكة» فعلى الرغم من كونه تقريرًا إخباريًّا إلى إنه أقرب إلى فيلم وثائقي، وقامت أيضًا بإنتاج سلسلة من جزئين تحمل عنوان «يوميات الثورة».

وكانت قناة «أون تي في» قد أنتجت فيلمًا وثائقيًا عن الثورة يحمل اسم «25 يناير يوم بيوم» بعد التلفزيون المصري الذي لم يُنتج هو الآخر إلّا فيلمًا واحدًا «اسمي ميدان التحرير» عُرض الفيلم بعد مضايقات كانت تهدف لمنع عرضه. ويُمكننا أن نُجزم أنه من بين كُل الفضائيات المصرية التي تقوم بإنتاج المحتوى الإعلامي لم يوجد إلّا فيلمين فقط، بحسبه.

فيلم اسمي ميدان التحرير

فيلم وثائقي يبحث عن دوافع ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، ويُعتبر نقلة نوعية في نهج الإعلام الرسمي المصري لتغطية الأحداث، أنتجه عاملون بقناة النيل للأخبار، ومُنع من العرض أول الأمر، حتى أجبر وزير الإعلام بحكومة الجنزوري على عرضه نتيجة ضغوط العاملين وتهديدهم بقطع البث في حالة استمرار رفض عرضه.

أيضًا أنتجت مؤسسة الشروق عددًا من الأفلام في «سلسلة يوميات الثورة» تُشبة تلك التي أنتجتها قناة الجزيرة والتي تحمل نفس الاسم. كما أنتجت صحيفة المصري اليوم فيلمًا وثائقيًا بعنوان «الثورة خبر» ويُمكن الإشارة إلى أن الفيلم أُختير للعرض في مهرجان برلين لكن لم تتقدم أي من القنوات العربية لشراء حقوق عرضة حتى الآن لأسباب لا يعلمها أحد.

فيلم الثورة خبر كامل

ويقول عصام إنه رُبما للمرة الأولى التي يُعرض فيها فيلم وثائقي طويل مُكون من ثلاثة أفلام قصيرة في دور العرض السينمائي العامة المُخصصة للأفلام الروائية، بالرغم من إنها يُمكن أن تعرض ذلك لكن قديمًا كان في إطار مُناسبة كمهرجان أو احتفال ثقافي ما ولكن المُختلف هُنا أن الفيلم الذي يَحمل عنوان «الطيب والشرس والسياسي» إخراج الثلاثة «تامر عزت وأيتن أمين وعمرو سلامة» قد أُنتج خصيصًا للعرض العام.

ويوضّح ناجي إن الأفلام الروائية التي أُنتجت بعد الثورة ليست على المستوى المطلوب باستثناء ضعيف فيلم «18 يوم»، الذي اشترك في إخراجه عشرة مُخرجين. ويُرجع ذلك لأسباب تتعلق بالقصور الفني للقائمين على تلك الأعمال وليس إلى التكاليف الإنتاجية التي تتطلبها هذه الأعمال. فالأفلام التي تُترك لها حرية إنتاجية ومادية كبيرة أيضًا تضع نفسها في أخطاء فنية أيضًا بحسبه.

كما يرى إن كُل صُناع الأفلام يعلمون أن الشرط الأساسي في قبول الفيلم ليست الموافقة المبدأية ولكن الموافقة النهائية تتوقف على مُشاهدة الفيلم، هذا الشرط تحديدًا يضعهم تحت رحمة الرقابة والمُجازفة التي يُمكن من خلالها عدم عرض الفيلم.

«يقول أنه يبدو الأمر وكأننا لم نقم بثورة وإنما فتحنا بالوعة كانت تُغطي عفنًا وحشرات وزواحف لا أوّل لها ولا آخر. رُبما بشكلٍ من الأشكال تصف هذه الجُملة حقيقة قاسية بعض الشيء، لكن هكذا تكون السينما وهكذا يكون دور الفن في الحديث عن المسكوت عنه وإظهار خطايا الجميع، بحسبه. ويُضيف ناجي على ذلك قوله «إن العلاقة بين السينما والثورة تحمل ضمن محتواها ذاته ما يتعلق بحقيقة ثورية الفن السينمائي الذي يُعتبر آخر الثورات هو الآخر بالنسبة لعالم الفنون».

لا توجد دعاية سيئة

يقول ناجي فوزي بالرغم من إننا ما زلنا في دولة سلطوية، لكن يجب علينا ألّا نضع للرقابة أو سُلطة الدولة اهتمامًا عند التفكير في إنتاج عمل سينمائي أو عمل فني عمومًا. حيث أصبحت منصات العرض أكثر وأوسع نِطاقًا، كما إن المُعارضة التي توجد حاليًا هشّة وضعيفة حين نُقارنها بسابقيها؛ لن تكون هي نفسها التي كانت أيام مُبارك مثلًا.

في كِتابه الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني) من 2011 «هجائية السينما للسُلطة في مصر» يقدّم فوزي أطروحته بخصوص الأفلام التي يصفها بالنفاقية كونها أُنُتجت خصوصًا بهدف نفاق السُلطة والحكومة، لكن باحترافية شديدة وتحايُل حوّلت هذه الأفلام قِبلتها لتسخر من السلطة والحكومات بحسب رأيه، مثل «جواز بقرار جمهوري»، و«طباخ الريّس».

أي إننا بحسبه يُمكننا أن نجعل من تحايلنا ولا نقول (رمزية) تجعل الأفلام حِكرًا على عدد قليل يفهمها، لكنه التحايل بالإضافة إلى فهمنا الجيد للوضع القائم، فرصة لتمرير أفلام تسخط من النِظام وتثور عليه بدون أن تصطدم به.

رُبما أصبح للجمهور المصري نتيجة الثورة تلك «الصِفةالانتقائية» التي تجعله صاحب رأي فيما يحدث، ولا يُمرّر الأحداث والأخبار مثل ذي قبل. ورُبما على المُبدعين والفنانين أن يجتهدوا أكثر لإظهار أكبر قدر من الحقيقة والإبداع الفني، لكن حتى إذا اعترفنا بفشل الثورة سياسيًا، وإذا اعترفنا أيضًا بعدم تحقيق المُتوقع من السينما والفن في تمثيل حدث بأهميتها وجذريتها، إلا إننا لا يُمكننا إلى الآن أن نجزم على فشل السينما أو نجاحها. حيث لا تزال هُناك فرصة لتعويض ذلك وإظهار المزيد من الإبداع، وربما في الحقيقة أن الثورة السينمائية هي الوحيدة التي لا زالت مُستمرة.

إقرأ أيضًا: الفن والثورة المصريَّة: قصَّة الخُذلان

عرض التعليقات
تحميل المزيد