1,348

قريبًا من جامع النوري ومئذنته المائلة الشهيرة، حيث أعلن زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي الخلافة، تدور المعركة الأخيرة الأكثر تعقيدًا وشراسة في المشهد العسكري العراقي.

الميل الأخير

بدأت القوات العراقية المدعومة بطائرات التحالف الدولي بتاريخ 18 يونيو (حزيران) اقتحام آخر ميل في المدينة القديمة ما يزال بقبضة «تنظيم الدولة الإسلامية- داعش» من أربعة محاور هي: باب البيض جنوب غربي المدينة القديمة وباب لكش في جنوبها والتي أُنيطت مهمة دخولهما إلى قوات الرد السريع التابعة للشرطة الاتحادية، ومن جهة الشمال والغرب حيث منطقتا رأس الجادة والمشاهدة، اللتان سيدخلهما جهاز مكافحة الإرهاب.

الأزقة الضيقة والأحياء القديمة حيث سيجري القتال فيها من منزل إلى منزل، يجعل المعركة أكثر صعوبة على القوات العراقية التي تدرك أنها دخلت إلى منطقة مميتة، وقد وصف قائد التحالف الدولي ستيفن تاونسند حرب الموصل بأنها أصعب حرب حضرية شهدها أو حتى قرأ عنها خلال خدمته التى استمرت 34 عامًا.

لكن القوات العراقية مصرّة على إنهاء وجود التنظيم في الموصل قبل نهاية شهر رمضان وتَمثَّل هذا الإصرار بما قاله قائد جهاز مكافحة الإرهاب عبد الغني الأسدي لـ«ساسة بوست» من أنَّ معركة الميل الأخير هي آخر مسلسل في الحملة لاستعادة الموصل.

القتال من منزل إلى منزل

تُحتّم جغرافية المدينة القديمة في الموصل وطبيعة بنائها على جميع المتقاتلين داخلها، تغيير أساليب قتالهم، فـ»العَوجات«
كما يسميها الموصليون هي أزقة ضيقة جدًا تنتشر في جميع الأحياء القديمة، لا تدخلها المركبات المدنية فضلًا عن العسكرية، وهذا ما جعل تنظيم الدولة الإسلامية يقاوم أكثر فترة ممكنة في تلك المنطقة، ويتخذ من الدراجات النارية وسيلة للتنقل وتنفيذ الهجمات.

هذه الطبيعة الجغرافية وصفها برونو جيدو، ممثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في العراق، بالمتاهة الكثيفة للغاية والتي يتعين القتال فيها سيرًا على الأقدام من منزل لمنزل.

مشكلة كبيرة أخرى تواجه القوات العراقية في المدينة القديمة وهي قناصة التنظيم المنتشرين فوق أسطح البنايات ومنازل المدنيين، وهي تزداد تعقيدًا كلمّا حاولت تلك القوات التقدم من منطقة الطوّافة باتجاه منطقة البدن التي تمتاز بارتفاعها عن بقية أحياء المدينة القديمة ويتخذها تنظيم الدولة الاسلامية مركزًا لقناصته.

موت أحمر

مذابح المدنيين الذين يحاولون المغادرة صارت رادعًا للكثير ممن علقوا هناك والرعب المصاحب لخروجهم جعلهم يلتزمون بيوتهم بانتظار مصيرهم المحتوم. في حي الزنجيلي حين أراد 250 مدنيًا الخروج قبل أن يدهمهم الموت، ماتوا قبل أن يصلوا إلى برّ النجاة الذي كانوا يأملون الوصول إليه.

الكثير من الحوادث المشابهة عاشها من خرجوا، ومن تمكن من النجاة روى حكايات مرعبة عن استهداف التنظيم لهم خلال هروبهم، فمن ينجو من رصاص التنظيم فإنّه لن ينجو على الأرجح من قصف طائرات التحالف وقذائف الهاون التي تسقطها الشرطة العراقية عشوائيًّا على المناطق.

المفوضية الدولية السامية لشؤون اللاجئين قالت إنَّ قناصة التنظيم يطلقون النار على أسر تحاول الفرار سيرًا على الأقدام أو في قوارب عبر نهر دجلة، لأن التنظيم يقوم بقتل كل من يحاول الفرار من أرض الخلافة.

فيديو: ( الناجون من مجزرة حي الزنجيلي )

الحشائش أغلى من البيتزا

نفاد مياه الشرب والغذاء والدواء كانت سببًا في انتشار الأوبئة والأمراض في المدينة القديمة، وبعض العوائل لجأت إلى أكل الحشائش التي بلغ سعر الكيلو جرام الواحد منها 7 دولارات.

(س.م)، وهو مواطن من محلة النبي جرجيس بالمدينة القديمة، قال في اتصال مع »ساسة بوست« إنَّه اشترى قبل ثلاثة أيام 5 كيلو غرام من الطحين بـ200 دولار ومنذ ثلاثة أشهر وهم يأكلون وجبة واحدة من الطعام يوميًا، لكن حياة عائلته هذه مقارنة بالآخرين تعدُّ فاخرة وباذخة، فالكثير من العوائل لا تمتلك غير الحشائش والماء غذاءً يوميًا.

بالإضافة إلى هذا فإن العوائل في الجانب الأيمن ممنوعة من الخروج أو التواصل مع الجانب الأيسر الذي استعادته الحكومة العراقية، ومن يحاول إجراء اتصال هاتفي فإنّه يدفع حياته ثمنًا لأنّ ذلك بالنسبة لتنظيم الدولة الإسلامية يعدُّ خيانة.

موتٌ بالجملة للمدنيين

«إننا نصلي من أجل ألا يحدث قصف على بيوتنا أو قريبًا منها، لأنَّ النتيجة واحدة وهي الموت»، يروي المواطن (س.م) كيف أنَّ تنظيم الدولة الإسلامية يمنعهم من إغلاق الأبواب الخارجية للمنازل حتى يتمكن مقاتلوه من التنقل عبر البيوت وسطوحها لتسهيل حركتهم خلال حرب الشوارع.

هذا الأسلوب يساهم في زيادة أعداد القتلى حين تتعرض منطقة ما لقصف جوي من قبل التحالف الدولي أو القوة الجوية العراقية، وقِدَمُ المباني وتهالكها يجعلها عرضة للسقوط حتى دون قصف والشهادات تتحدث عن مئات الجثث لمدنيين ما تزال تحت الأنقاض مع استحالة الوصول إليها.

قتال اليأس

في الأدبيات العسكرية يُقال: »إذا أردت أن يهرب عدوّك فابنِ له جسرًا من ذهب«، ولكن هذا لم يحدث في معركة الموصل منذ انطلاقها، فالقوات العراقية ومن معها من المليشيات اعتمدت منذ البداية على أسلوب الحصار ثم القصف الكثيف ثم اقتحام المنطقة المستهدفة، وهذا تمامًا ما حدث في المدينة القديمة بالموصل حيث ضيَّقت الخناق عن قصد وخطة مسبقة على مقاتلي التنظيم وحاصرتهم في 26 محلة صغيرة، ولم تترك لهم منفذًا للخروج إن هم أرادوا ذلك.

هذا الأسلوب يدفع مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية إلى القتال بشراسة أو ما يعرف في العُرف العسكري بـ «قتال اليأس»، أي أن المقاتل لا خيار أمامه إلا أن يَقتلَ ويُقتلَ في نهاية المطاف.

الأيام القادمة حبلى بالمجازر

مع وجود نحو 150 ألف مدني محاصرين في الأحياء القديمة بحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإنَّ التوقعات بسقوط أعداد كبيرة من القتلى ترتفع مع هجوم القوات العراقية، واعتماد تنظيم الدولة الإسلامية على القناصين والانتحاريين في صدّ الهجمات والدفاع عن وجوده.

لا يعرف بالضبط العدد الحقيقي لمقاتلي التنظيم المحاصرين في المدينة القديمة، لكن تقديرات الجيش العراقي تشير إلى وجود 300 مقاتل فقط غالبيتهم من القناصة والانتحاريين، وتتهمهم الأمم المتحدة باستخدام المدنيين دروعًا بشرية وتخشى أيضًا من تضائل فرص النجاة هناك.

تعليقات الفيسبوك