في الوقت الذي تحدَّث فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن ليبيا بعد اجتماعه مع مجلسه الاستشاري، مبشرًا بأخبار يقول «إنها سارة»؛ كانت حكومة الوفاق تعد العدة لهجوم كبير للمرة الرابعة على «قاعدة الوطية» الجوية، التي تعد أهم قاعدة استراتيجية في الغرب الليبي، بفضل موقعها الجغرافي وتحصينها العسكري الجيد، ولكونها أيضًا القاعدة التي يعتمد عليها الجنرال خليفة حفتر في شن هجماته الجوية على مواقع قوات حكومة الوفاق.

وبحسب ما صرح به الناشط السياسي الليبي المقرب من حكومة الوفاق، فرج شيتاو، لـ«ساسة بوست»، فإن هذا الهجوم الذي شنته قوات الوفاق يوم أمس بحوالي 200 آلية عسكرية على «قاعدة الوطية»؛ كان أمرًا متوقعًا، خاصة بعد سقوط مدن الساحل الليبي في يد قوات حكومة الوفاق؛ إذ لم يتبق لقوات حفتر في الغرب الليبي إلا «قاعدة الوطية»، وأجزاء من مدينة الزنتان، ومدينة ترهونة، وجبهات القتال جنوب مدينة طرابلس.

في هذا التقرير نستعرض معكم مدى أهمية هذه القاعدة للقوات المتحاربة، وتفاصيل المعركة على الأرض.

ما سر رغبة حكومة الوفاق المُلِّحة في السيطرة على «قاعدة الوطية»؟

بمساحة 10 كيلومتر، تقع «قاعدة الوطية» الجوية في الغرب الليبي، وتتبع إداريًّا مدينة الجميل، وتبعد حوالي 27 كيلومترًا من الحدود التونسية. وبحسب الناشط السياسي فرج شيتاو،  فإن هذه القاعدة تحتوي على سرب من الطائرات المقاتلة، إلى جانب عدد من المروحيات المقاتلة، وتحتوي أيضًا على عدد من المصفحات التي قدمتها الإمارات لحفتر، وبعض الأسلحة الحديثة التي استوردها حفتر من حلفائه.

Embed from Getty Images

بدأت حكومة الوفاق الوطني في ليلة الثلاثاء الرابع من مايو (أيار)، والساعات الأول من صباح الأربعاء الخامس من مايو الجاري، حشد عدد كبير من قواتها من مختلف المدن الليبية للاستيلاء على «قاعدة الوطية» من قوات حفتر، التي بدأت بالانحسار بعد ضربات حكومة الوفاق الوطني في مدن الساحل الليبي. سبق هذا الحشد هجمات عديدة شنَّها السلاح الجوي الليبي، مدعومًا بالطائرات المسيرة تركية الصنع، التي أثبتت جدارتها سابقًا في الشمال السوري وفي جبهات القتال حول العاصمة الليبية طرابلس مؤخرًا.

وأهمية هذه القاعدة في الحرب الدائرة حاليًا، أنها مركز ثقل قوات حفتر في الغرب الليبي إلى جانب مدينة ترهونة.  فالقاعدة الجوية استخدمت في ضرب قوات الوفاق منذ بدأ ما أسماه حفتر بعملية «طوفان الكرامة»، إلى جانب هبوط طائرات، التسليح والعتاد في القاعدة، وأنها كانت تمد مدن الساحل الليبي بالدعم – قبل سقوطها على يد قوات الوفاق – ما يجعلها مركز ثقل لقوات حفتر، وعبئًا على قوات حكومة الوفاق الوطني.

واستراتيجيًّا تعد القاعدة ذات إمكانيات تسمح لها بشن هجمات، ليس فقط على الداخل الليبي؛ بل كذلك يمكن استخدامها لاستهداف دولة تونس ودولة الجزائر في حالات الحرب؛ لقربها من الجارتين، ولاتساعها أيضًا، فـ«قاعدة الوطية» بجانب إمكانياتها الجوية يمكنها أن تسع 7 آلاف جندي.

«الوطية» تحت نيران حكومة الوفاق للمرة الرابعة.. هل تختلف هذه المعركة عن سابقتها؟

بينما يقول الناشطون المؤيدون لحفتر على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع إلكترونية مؤيدة له، إن هذا هو الهجوم «الفاشل» الرابع، يقول فرج شيتاو لساسة بوست إن المحاولات الثلاثة السابقة لم تكن بهدف السيطرة على القاعدة، لكن كانت تهدف إلى تطبيق عمليات نوعية فقط.

و«قاعدة الوطية»، ذات التضاريس الصعبة، التي شيدها الأمريكيون في أثناء الحرب العالمية الثانية، بعد هزيمة الإيطاليين على يد قوات الحلفاء، شُيدت بـ«فن عسكري»، فقد بُنيت حسب التضاريس الجغرافية الوعرة في المنطقة، وأضيفت تحصينات تطوق القاعدة لحمايتها من أي هجوم، وبُنيت بعيدًا عن الأماكن المأهولة بالسكان لتكون منطقة عسكرية خالصة في ذلك الزمن.

وترتبط «قاعدة الوطية» بخط إمداد من مدينة الرجبان الواقعة في الجبل الغربي، وأيضًا خط مدينة الزنتان المنقسمة بين قوات حفتر وقوات حكومة الوفاق، وترتبط من خلال هذه المدن بـ«قاعدة الجفرة» الجوية في الجنوب، والتي تعد أهم معقل لقوات حفتر في الجنوب الليبي، فيما تربط هاتان المدينتان «قاعدة الوطية» بالشرق الليبي.

وبحسب فرج شيتاو، فإن القوات التابعة للزنتان قد انسحبت من قاعدة الوطية بعد مفاوضات أجراها اللواء أسامة الجويلي آمر المنطقة العسكرية الغربية – قيادي في مدينة الزنتان أيضًا- ولم يتبق في القاعدة إلا المهجَّرون من مناطق الساحل الليبي، ومن أتوا من شرق البلاد.

«تركيا مستبشرة».. لكن ما حقيقة الوضع العسكري على الأرض؟

بعد سويعات من تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأن هناك «أخبارًا سارة» سترد من ليبيا قريبًا، بدأت قوات حكومة الوفاق الوطني بالحشد العسكري والهجوم على قاعدة الوطية من عدة محاور. إلا أن القاعدة الجوية استعصت على قوات حكومة الوفاق – كعادتها – بسبب موقعها الجغرافي وأهميتها الاستراتيجية، الذي مكنتها من الصمود أمام ضربات قوات حكومة الوفاق.

فبحسب فرج شيتاو، هوجمت القاعدة من محورين؛ غربي وشرقي، من محور مدن الساحل الغربي والمحور الشرقي من مدينة العسة المجاورة لدولة تونس. وكان التخطيط بتنفيذ الخطة على مراحل توقعًا بأن قوات حفتر لن تُسَلِّم بسهولة. موضحًا أن قوات حكومة الوفاق وصلت إلى منتصف قاعدة الوطية ولم يكن هناك أي مقاومة تذكر في المحور الغربي، وإنما قاومت قوات حفتر من المحور الشرقي مستخدمة الصواريخ الموجهة، أو ما يسمى بالكورنيت، والمدفعية الثقيلة، والطائرات المسيرة؛ ما تسبب في انسحاب قوات الوفاق من منتصف قاعدة الوطية.

الخطة العسكرية شملت أيضًا ضربات من الطائرات المسيرة التركية على مخازن الذخيرة وتحصينات قاعدة الوطية قبل أيام من بدء العملية وكذلك خلال العملية التي بدأت في الساعات الأولى من صباح الأربعاء، لكن لا يمكن الجزم بأن «الأخبار المبشرة» التي تحدث عنها أردوغان، هي العملية الأخيرة ضد قاعدة الوطية؛ إذ ربما يتحدث عمومًا عن التطورات الأخيرة، والتي على إثرها تمكنت قوات الوفاق من السيطرة على الساحل الليبي ومدن مجاورة له.

ماذا لو سقطت «قاعدة الوطية» في يد قوات الوفاق؟

بحسب مصدر آخر لـ«ساسة بوست» طلب عدم ذكر اسمه، فإن قوات حكومة الوفاق تمكنت من اقتحام أجزاء من القاعدة التي تتسع مساحتها 400 هكتار (4 كيلومتر مربع) وبذلك أصبحت حكومة الوفاق أقرب للوصول إلى السيطرة الكاملة عليها. لكن على جانب آخر، وبسبب وعورة المنطقة، ومساحتها الشاسعة؛ فإن الدخول إلى منتصف القاعدة لا يعني التمكن من السيطرة عليها، لوجود عدد كبير من التحصينات داخلها، وتعرُّض قوات الوفاق لضربات الطائرات المسيرة ولضربات المدفعية، الأمر الذي أجبر قوات حكومة الوفاق على التحصن داخل التحصينات، حسب المصدر السابق نفسه.

سياسة

منذ شهر
الانتصاراتُ لا تكفي.. ماذا تبقى للوفاق لإنهاء وجود حفتر؟

ويمكن القول إنه في حال سقوط القاعدة الجوية في يد قوات حكومة الوفاق، فإن حفتر سوف يفقد أهم مركز لإقلاع الطائرات المسيرة وأهم مهبط لطائرات الدعم التي تأتي من شرق البلاد. وبالتالي، سوف يفقد جزءًا كبيرًا من قوته الجوية؛ مما يسهل على حكومة الوفاق الهجوم على ما تبقى من مدن تحت سيطرة حفتر.

وحسب ما أدلى به الناشط السياسي فرج شيتاو لـ«ساسة بوست»، فإن الهدف القادم هو مدينة ترهونة التي تعد أكبر معقل لقوات حفتر في الغرب الليبي لكثافتها السكانية ودعمها لحفتر. موضحًا أنها ستصبح الهدف القادم لحكومة الوفاق تلقائيًّا، فقد بدأت قوات الوفاق فعليًّا في شن هجمات على مدينة ترهونة من عدد من المحاور، واكتسبت مساحة جغرافية في أطراف مدينة ترهونة مما يسهل عليها عملياتها.

وجدير بالذكر، أن مدينة ترهونة بطبيعة سكانها سوف تكون ندًّا شرسًا لقوات حكومة الوفاق ولكونها من آخر المعاقل لحفتر في الغرب الليبي، وبالتالي سوف يصب كل ما يملك من إمكانيات لرد قوات حكومة الوفاق عن مدينة ترهونة.

هل قوات الوفاق في طريقها فعلًا لحسم المعركة؟

تدل المؤشرات الميدانية على أن قوات حكومة الوفاق في حالة أفضل من قوات حفتر، بعد سيطرتها على مدن الساحل الليبي، خصوصًا بعد الدعم التركي أثناء الهدنة الأخيرة، والتي اتهم فيها المتحدث العسكري باسم قوات حفتر، لواء أركان حرب أحمد المسماري، تركيا، بأنها استغلت الهدنة لدعم حكومة الوفاق.

ويعتمد الحسم اعتمادًا كبيرًا على سقوط «قاعدة الوطية»، فبسقوطها تصبح مدينة ترهونة تحت ضغط كبير ومنقوصة من الدعم المقدم من القاعدة الجوية، ولاسيما الغطاء الجوي. فهل تستميت قوات حفتر لعلمها بأهمية القاعدة؟  أم تنسحب لعدم قدرتها على المواجهة؟ سؤال سنعرف الإجابة عنه في الأيام المقبلة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد