حين سافر كارلوس جريجوريو هرنانديز فاسكويز، البالغ من العمر 16 عامًا، من جواتيمالا إلى الولايات المتحدة؛ لم يكن يتخيَّل أن حلم الهجرة لأمريكا سينتهي به يتقيأ الدم بجوار مرحاضٍ، بينما يتلوى جسده من الألم، داخل زنزانهٍ في مركز احتجاز طالبي الهجرة لأمريكا التابع لمدينة ماكالين في ولاية تكساس. وألا يكتشف أحد أنه لفظ أنفاسه الأخيرة إلا بعد مرور أربع ساعات، ظلت فيها جثته ملقاة في هذا الوضع المثير للأسى.

حالته الصحية المترديّة لم تشفع له لدى السلطات الفيدرالية، التي تزعم أنها أدخلت تحسينات بعشرات الملايين من الدولارات، على الرعاية المقدمة للمهاجرين المحتجزين؛ كي يُنقل إلى مستشفى، برغم ارتفاع درجة حرارة جسده إلى 39.4 مئوية، وتوصية الطبيب بضرورة نقله إلى المستشفى.

 تُرِك كارلوس ليذوي ببطء، عند الساعات الأولى من صباح يوم 20 مايو (أيار) 2019، حتى لم تعد في جسده قطرة من حياة.

هذه اللحظات الأخيرة من حياة الفتى الجواتيماليّ، تؤكد ما خلُصت إليه تحقيقات صحافية من أن منشآت الاحتجاز على طول الحدود الأمريكية ليس لديها عدد كافٍ من الموظفين، وتفتقر إلى البروتوكولات الملائمة لتقييم صحة المهاجرين، ما يعني أن التحذيرات المستمرة منذ سنوات، من داخل الحكومة وخارجها، ذهبت أدراج الرياح، ومعها أرواح البشر الذين داعبهم حلم الهجرة لأمريكا فانتزعت إدارة ترامب بدلًا من ذلك أرواحهم.

بالتوابيت.. هكذا يُستقبل الحالمين بالهجرة لأمريكا

لك يكن الفتى كارلوس بِدْعًا من المهاجرين الذين قضوا نحبهم في ظروف مشابهة وهم ما يزالون في مقتبل العمر، بل هو سادس مهاجر يقل عمره عن 18 عامًا يموت في الحجز الفيدرالي منذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. وعلى الرغم من أن الأطفال المهاجرين كانوا يتدفقون عبر الحدود الجنوبية الغربية بأعداد كبيرة طيلة العقد الفائت، فإن أيًّا منهم لم يلق هذا المصير، حتى تغيَّر المشهد مؤخرًا في عهد رجل الأعمال الذي أصبح رئيسًا.

وإذا كان كارلوس يناهز 16 عامًا، فإن فيليب جوميز ألونزو لم يكن اجتاز الثامنة من عمره، حين باغتته الحمى في يومه السادس من الاحتجاز داخل منشأة حدودية في تكساس، وارتفعت حرارة جسده إلى ما يقارب 40 درجة مئوية. صحيحٌ أنه نُقِل إلى المستشفى، لكنه خرج بعد عدة ساعات وعاد إلى زنزانةٍ تابعةٍ لحرس الحدود، وهناك لفظ أنفاسه الأخيرة في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2018.

وبرغم أن موت فيليب عقب وفاة جاكلين كال ماكين، البالغة من العمر سبع سنوات بثلاثة أسابيع، تسبب في إثارة غضب الجمهور والمشرعين، فإن توابيت الموت لم تتوقف عن حمل الضحايا إلى مثواهم الأخير.

ففي أبريل (نيسان) 2019 توفي مهاجر من المكسيك يبلغ من العمر 54 عامًا بعدما لازمته الحمى عدة أيام داخل زنزانة انفرادية. وفي مايو من العام ذاته، شنق شاب من الهند يبلغ من العمر 21 عامًا نفسه في سجن أريزونا. وفي غُرَّة يونيو (حزيران)، توفي طالب لجوء يبلغ من العمر 25 عامًا يدعى جوهانا ميدينا ليون في مستشفى بتكساس بعد ستة أسابيع قضاها في حجز وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك، وقائمة الضحايا تطول.

ويخلص التحليل الذي أجرته «إن بي سي نيوز» للمعلومات الفيدرالية إلى أن أكثر من 25 مهاجرًا آخرين لقوا حتفهم في منشآت الاحتجاز التابعة لوكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك «آي سي إي (ICE)» منذ تنصيب ترامب رئيسًا. وهذا الرقم لا يشمل من ماتوا في منشآت الاحتجاز التابعة لوكالات فيدرالية أخرى، ومن بينهم أطفال، ناهيك عن الأمراض التي تصيب المحتجزين في ظل ظروف صحية متدهورة.

الموت وأشياء أخرى.. هذا ما ينتظر من يرغبون بالهجرة لأمريكا

على الرغم من أشباح الموتى التي تخيم على مراكز الاحتجاز الأمريكية؛ يرى ترامب أن المهاجرين الذين يقبعون داخل زنازين حرس الحدود يعيشون في ظروف أفضل بكثير من الظروف المتوفرة لديهم في بلدانهم الأصلية.

لكن حين زار وفد من الحزب الديمقراطي منشآت تابعة لدورية الحدود في تكساس، وجدوا أن المهاجرين يجبرون على الشرب من المرحاض، ما دفعهم إلى وصف هيئة الجمارك وحماية الحدود بأنها «وكالة مارقة». وما كان من ترامب في المقابل إلا أن هرع كعادته إلى «تويتر» ليهاجم المنتقدين بوابل من التغريدات.

 

وإن كان الديمقراطيون مدفوعين بحساباتٍ حزبية، من وجهة نظر الرئيس الجمهوريّ، فالتحقيق الذي أجراه المفتش العام في وزارة الأمن الداخلي ونُشِرَت نتائجه بتاريخ 2 يوليو (تموز) 2019 عن ظروف مراكز الاحتجاز في ريو جراندي فالي، يؤكد أن الاكتظاظ في تلك المنشآت يشكل «خطرًا مباشرًا» ليس فقط على المهاجرين، بل أيضًا على الموظفين.

وأكد المفتش العام في تقرير سابق نشر بتاريخ 3 يونيو 2019 وجود «انتهاكات فظيعة»، بما في ذلك توافر أنشوطات يمكن استخدامها مشانق داخل الزنازين، وعدم كفاية الرعاية الطبية، والطعام الفاسد، وغيرها من الظروف التي تُعَرِّض صحة المحتجزين للخطر.

وثبت من تفتيش وزارة الأمن الداخلي أن الموظفين يتجاهلون التحذيرات الصحية المتكررة التي تصلهم، مثلما حدث مع رجل مصاب بالفصام انتهى به المطاف منتحرًا في زنزانته الانفرادية.

وتردي الظروف لا يقتصر على منشأة واحدة، حسبما يؤكد مورين بيلوسيو المحامي في مجموعة «New York Lawyers for the Public Interest» التي رفعت دعوى قضائية ضد أحد سجون نيوجيرسي ومقدم رعاية صحية خاص نيابة عن عائلة معتقل توفي بسبب تردي الظروف داخل منشأة الاحتجاز في عام 2017.

ترامب للمهاجرين: لا تأتوا إلى بلادنا!

الإجابة جاءت على لسانه شخصيًّا في تغريدة نشرها يوم الثالث من يوليو 2019 قال فيها إن «إذا كان المهاجرون غير الشرعيين ليسوا راضين عن ظروف مراكز الاحتجاز التي بنيت بسرعة أو جرى إعادة تجهيزها، فما عليك سوى إخبارهم بألا يأتوا  (إلى بلادنا). وهكذا تُحَلّ كل المشكلات».

ولم يكتفِ ترامب بنشر التغريدات من هذا النوع، بل سعت إدارته إلى كبح جماح الهجرة لأمريكا من خلال رفع الرسوم على طلبات اللجوء، مما يقلل العدد اليومي للمهاجرين الذين يمكنهم التقدم بطلب للجوء في موانئ الدخول، وإجبار أكثر من 13 ألف مهاجر على العودة إلى المكسيك لانتظار نتائج النظر في طلباتهم.

وفي أبريل 2019، حاولت الإدارة الأمريكية حرمان المهاجرين من حضور جلسات الاستماع، ما يبقيهم في السجن حتى تسوية قضاياهم، لولا أن قاضيًا فيدراليًّا في سياتل تصدَّى للقرار الذي أصدرته وزارة العدل.

والإدارة الأمريكية بصنيعها هذا «تريد إرسال رسالة مفادها أنكم سوف تعتقلون إذا قدمتم إلى بلادنا»، كما تقول جودي رابينوفيتز، نائبة مدير مشروع حقوق المهاجرين في «الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية»، وأضافت: «نحن نتحدث عن أشخاص يفرون بحياتهم ويبحثون عن الأمان. وكل ما نفعله من أجلهم هو إلقاؤهم في غيابات السجن».

من أجل ذلك وصفت كاثرينا أوبزر، كبيرة مستشاري السياسة في منظمة «Women’s Refugee Commission» المعنية بحقوق اللاجئات، هذا النهج بأنه «توسع طائش وغير مسبوق لنظام عقابي ومضر ومكلف. لا توفر الحكومة الأمريكية ولو الحد الأدنى لضمان حصول المهاجرين على الرعاية الطبية والصحية النفسية التي يحتاجون إليها».

«تعددت الوسائل والموت واحد».. هذه خيارات ترامب للمهاجرين

قبل صعود ترامب إلى السلطة، ولأكثر من عقد من الزمن، سُمِح لطالبي الهجرة لأمريكا الذين لديهم «مخاوف ذات مصداقية» من التعرض للاضطهاد في بلدانهم الأصلية، أن يطلبوا عقد جلسة ليتمكنوا من إطلاق سراحهم بكفالة، أثناء النظر في قضايا اللجوء الخاصة بهم، وهو ما يستغرق في بعض الأحيان أشهرًا أو ربما سنوات.

والمهاجرون الذين تحتجزهم الولايات المتحدة حتى الموت إنما هم أشخاص مدنيون ربما يكونون ارتكبوا مخالفة إدارية، لكنهم ليسوا مجرمين قبض عليهم متلبسين بجرائم جنائية. وحتى لو كانوا كذلك، فلا يُفتَرَض أن يتحوَّل احتجازهم إلى وسيلة عقابية تصل إلى حد إزهاق أرواحهم.

Embed from Getty Images

بيدَ أن ترامب يقترح تدابير أكثر تطرفًا مثل إطلاق النار على المهاجرين، وبعضها يبدو كأنه مستمد من فيلم خياليّ مثل تحصين الحدود بخندق ممتلئ بالأفاعي والتماسيح، كما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز».

وإذا تجرَّأ مسؤول وأوضح لساكن البيت الأبيض أنه لا يستطيع مخالفة القوانين وخرق المعايير الدولية، فلن يكون مصيره أفضل من مصير وزيرة الأمن الداخلي كريستن نيلسن التي كانت رأس حربة لإدارة ترامب، وفصلت أطفال المهاجرين عن آبائهم؛ ورغم ذلك اعتُبِرَ أنها «ليست متطرفة بما يكفي»- حسب تعبير الديمقراطيين- وطُرِدَت من منصبها في نهاية المطاف، بناء على توصية من ستيفن ميلر، مساعد البيت الأبيض ومهندس جدول أعمال ترامب بشأن الهجرة.

هكذا تجعل سياسة «الهجرة الترامبية» أمريكا أكثر فقرًا

يقول ترامب ومسؤولوه إن سياسة الفصل بين أطفال المهاجرين وعائلاتهم تردعهم عن الهجرة لأمريكا، بينما تؤكد المذكرات الداخلية الصادرة عن وزارة الأمن الداخلي (DHS) أن هذه السياسة لم تؤت ثمارها المرجوة.

بل ارتفع عدد المهاجرين الأفارقة بمعدل 50% تقريبًا من عام 2010 إلى عام 2018، ما يمثل أكثر من ضعف معدل نمو الهجرة لأمريكا من آسيا أو أمريكا الجنوبية أو منطقة البحر الكاريبي إلى الولايات المتحدة، وفقًا لتحليل أجراه موقع «كوارتز» لبيانات مكتب الإحصاء الأمريكي.

Embed from Getty Images

وبينما يقول ترامب إن سياساته تهدف إلى الحفاظ على خير أمريكا للأمريكيين، فإنها في الواقع تضاعف عدد موظفي الحدود إلى ما يقرب من 40 ألف عميل، وتلتهم مليارات الدولارات للطائرات بدون طيار وغيرها من «التكنولوجيا الذكية» لتحسين مراقبة الحدود التي تبلغ حوالي 2000 ميل مع المكسيك، ما يلقي بمزيد من الأعباء على كاهل الميزانية الحكومية.

وحتى حين تنجح الإدارة الأمريكية في الحد من الهجرة لأمريكا بصورة قانونية؛ فإنها تفشل في جني الثمار التي ترجوها من وراء ذلك، بل «تجعل أمريكا أكثر فقرًا»؛ حسبما خلص مقال للكاتب إريك ليفيتز في مجلة «نيويورك». ولن يكون بالإمكان استيعاب أبعاد الصورة الكاملة سوى بالابتعاد عن ضجيج الخطاب الشعبوي الذي يتبناه ترامب ومؤيدوه، والتأمُّل بنظرة أكثر عمقًا في معدل المواليد في الولايات المتحدة الذي ينخفض​​بشكل كبير، واقتراب هذا البلد أكثر فأكثر من مرحلة الشيخوخة السكانية.

وهل استطاعت هذه القوة العظمى تجنب التأثير السلبي لظاهرة الهجرة لأمريكا في رخائها؛ إلا لأنها كانت جذابة للغاية وترحب بالمهاجرين المهرة الذين يعوضون ما ينقصها من كفاءات؟ وفي حين ينظر ترامب إلى المهاجرين بوصفهم عبئًا، يذكره إريك ليفيتز بأن البشر هم أغلى الموارد، وإن لم يصدقه فلييمم وجهه شطر الصين. ويضيف: «سيكون من الصعب للغاية أن تحافظ أمريكا على مستوياتها المعيشية المرتفعة، أو تفوقها على المسرح العالمي؛ ما لم تجعل الهجرة لأمريكا أولوية للسياسة العامة».

سياسة

منذ سنتين
وصفها بـ«بؤر القذارة».. كيف تنظر أمريكا إلى أفريقيا في عهد ترامب على أرض الواقع؟
1187
مصطفى مصيلحي

المصادر

تحميل المزيد