يبدو أن الأزمة المالية العالمية التي ضربت الاقتصادات الدولية في العام 2008 وما بعدها، لا تريد أن تترك النظام المالي العالمي وشأنه، حتى بعد مرور ثماني سنوات على اندلاع الأزمة.

ففضلًا عن التباطؤ في النمو الاقتصادي والركود الذي ضرب العديد من الاقتصادات بسبب هذه الأزمة؛ فإن الخطر القادم الذي يهدد بحدوث أزمة مالية عالمية أخرى، يخرج من رحم تداعيات أزمة 2008، ومن عمق القارة الأوروبية، وبشكل محدد من أقوى اقتصاديات القارة العجوز؛ «ألمانيا».

بداية الأزمة

في منتصف شهر سبتمبر (أيلول) الماضي تقريبًا، قال «دويتشه بنك» عملاق المصارف الاستثمارية في ألمانيا وأوروبا، إن وزارة العدل الأمريكية تطالب البنك بدفع غرامة مقدارها14 مليار دولار، وذلك بسبب قضايا احتيال، تتعلق بمبيعات سندات رهن عقاري في الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية في 2008، وتحديدًا في الفترة من2005 إلى 2007، إذ كانت سببًا مباشرًا في اندلاع هذه الأزمة فيما بعد.

يأتي هذا التصريح بعد أن كشفت صحيفة وول ستريت جورنال هذا الخبر لأول مرة، من خلال تسريب لهذا القرار.

وقد بدأت وزارة العدل الأمريكية تحقيقات مع البنوك داخل الولايات المتحدة، حول مزاعم قيامها بمنح رهونات عقارية لمقترضين ليست لديهم الملاءة المالية، ثم قيامها بتحصيل هذه الديون بوصفها استثمارات آمنة وبيع الخطر لآخرين.

وفي أعقاب هذه التحقيقات، فرضت وزارة العدل الأمريكية العديد من الغرامات على عدد من البنوك داخل الولايات المتحدة؛ ففي العام2013 فرضت على بنك «جي بي مروغان» غرامة قدرها 13 مليار دولار، وفي العام 2014 طالبت «سيتي بنك» بدفع 12 مليار دولار، وانتهى الأمر بدفع 7 مليارات دولار، وفي نفس العام 2014 دفع بنك «أوف أمريكا» 16.7 مليار دولار، وفي بداية العام الجاري دفع بنك «غولد مان ساكس» 5.1 مليار دولار.

وفي نفس السياق، فإن البنك يقوم بمفاوضات مع وزارة العدل الأمريكية، لتخفيض هذه الغرامة لنسبة تتراوح بين3 إلى7 مليارات دولار، وإلى هذه النقطة، لا توجد أدنى مشكلة.

اختلالات هيكلية عميقة

ولكن الإشكالية الكبرى التي تهدد النظام العالمي برمته، تأتي من إحتمالية عدم قدرة دويتشه بنك على السداد، بسبب مشاكل كبيرة يعاني منها؛ فالبنك يعاني من انخفاض كبير في قيمة أسهمه، بعد أن lرتفعت قيمة الأسهم في العام2007 إلى مستويات قياسية وصلت إلى100 يورو، ومنذ هذا الوقت حتى شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، فقد خسرت قيمة السهم نحو73% حيث وصل إلى27.8 يورو، ومنذ ذلك الوقت حتى هذه اللحظة، تراجعت قيمة أسهم البنك لتقبع تحت مستوى10 يوروهات لأول مرة في تاريخه.

المصدر: سي إن بي سي عربية

كما يعاني البنك من تبعات أزمة2008 إلى الآن، بسبب إقراضه عشرات المليارات لبلدان تعرضت لأزمات قوية، مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، بالإضافة إلى المخالفات القانونية وشبهات غسيل الأموال، وهو الأمر الذي كلفه العديد من المليارات الأخرى.

كما يحمل البنك محفظة من المشتقات المالية والائتمانية، وبها جزء من الرهون العقارية الأمريكية تُقدر بنحو 42 تريليون يورو، أي أكثر من عشرة أضعاف حجم الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا، ويأتي الخطر الأكبر من تراجع قيمة هذه المشتقات بشكل كبير، بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وسقوط العديد من الاقتصادات العالمية في براثن الركود.

ويعود تاريخ إنشاء أكبر بنك في ألمانيا إلى عام 1870، ويمتلك 2790 فرعًا في70 دولة حول العالم، وما يقارب100 ألف موظف، ومن بين عملائه عمالقة الصناعة الألمانية، كما أن صفقات التجارة بين الدول العربية وألمانيا، والتي تبلغ قيمتها نحو 52 مليار يورو خلال 2015؛ تتم عبر هذا البنك الذي يُعَدّ شبه الوحيد للتجارة الخارجية الألمانية.

هل سيكون دوتيشه بنك «ليمان براذرز» جديدًا؟

ويحذر البعض من تكرار مشهد إفلاس بنك «ليمان براذرز» الأمريكي في العام 2008، إذ اعتُبِر ذلك المفتاح الرئيسي لبدء الأزمة المالية العالمية في نفس العام.

ومما يعزز من هذه التخوفات؛ ما ورد في تقرير لصندوق النقد الدولي في يونيو (حزيران) الماضي، من أن دويتشه بنك هي المؤسسة المالية التي ينطلق منها حاليًا أكبر خطر على النظام المالي العالمي ككل.

وعبرت صحيفة سي إن إن الأمريكية إن «انهيار دويتشه بنك يعني تدهور النظام المصرفي العالمي».

من جانبه قال الباحث الاقتصادي بورس براون لصحيفة »الاقتصادية»، إن امتداد الأزمة يترافق أيضًا مع وضع اقتصادي يتصف بالركود في معظم بلدان الاتحاد وتدهور في قيمة اليورو، ومن ثم فإننا أمام أزمة متداخلة تعلو بعض عناصرها على الأخرى، لكنها جميعًا تؤدي إلى إضعاف الاتحاد الأوروبي، وإذا اتسع نطاق الأزمة المصرفية فإن الاتحاد الأوروبي سيواجه أوضاعًا صعبة تتطلب تغييرات جوهرية في بنائه الداخلي.

وقد عززت التخوفات أيضًا بشأن مستقبل البنك؛ عبوره بصعوبه لاختبارات الجهد الأوروبية، كما أن فرعه في الولايات المتحدة قد فشل في اختبارات الجهد التي يجريها الاحتياطي الفيدرالي.

وكان الاحتياطي الفيدرالي قد وجه انتقادات لدويتشه بنك في شهر يوليو (تموز) الماضي »لضعفه في التخطيط المالي وعدم تحقيقه تقدمًا عن العام السابق».

وفي سياق متصل، فقد أشار الدكتور محمد العريان المحلل الاقتصادي لدى بلومبيرج في عموده، إنه يستبعد حدوث سيناريو بنك ليمان لدويتشه بنك، لاختلاف الظروف الحالية عما كان عليه الوضع في مستهل أزمة 2008، فليس من المحتمل أن يتسبب دويتشه بنك في حدوث أزمة مثل التي سببها ليمان براذرز، إذ إن مصادر تمويل دويتشه بنك أكثر تنوعًا، كما أن ميزانيته أقوى مما كان عليه بنك ليمان، بالإضافة إلى أن دويتشه بنك يمتلك الحصول على تمويل طارئ من البنك المركزي الأوروبي.

وأشار العريان إلى أن الضغط سيخف على البنك بمجرد الوصول إلى تسوية بينه وبين وزارة العدل الأمريكية. كما أن البيئة الحالية مختلفة تمامًا عما كانت عليه عام2008 إذ إن دويتشه بنك لا يُعدّ جزءًا من عاصفة آخذة في النمو وتهدد النظام المالي العالمي، وعلى الرغم من هشاشة بعض البنوك الأوروبية، إلا أن هناك العديد من البنوك الأخرى استطاعت تقوية مراكزها.

ونتيجة لهذه المشاكل، فقد قام البنك العام الماضي بإجراء العديد من الإصلاحات الهيكلية على نطاق واسع، وتتضمن هذه الإصلاحات إغلاق فروع للبنك، وتسريح الآلاف من العمال.

وفي هذا الإطار، فقد عمد الرئيس التنفيذي لـدويتشه بنك، جون كريان، البريطاني الأصل، الذي تولى المهمة العام الماضي، عمد إلى طمأنة الموظفين منذ بضعة أيام، وقال كريان إنه يتفهم انزعاج الموظفين من التكهنات التي ثارت على نطاق واسع في وسائل الإعلام بأن عددًا قليلًا من عملاء البنك من صناديق التحوط غادر المجموعة، ولكن البنك يقف على أرضية صلبة، ولديه أكثر من 20 مليون عميل.

كما قال أيضًا في رسالة داخلية للموظفين، اطلعت عليها رويترز، إن »هناك قوى في السوق حاليًا تريد تقويض الثقة فينا… مهمتنا الآن هي ضمان ألّا يكون لهذه الصورة المشوهة تأثير أكبر على أنشطتنا اليومية».

وجدير بالذكر إن كريان سوف يقوم بزيارة إلى واشنطن خلال أيام لاستكمال المفاوضات مع وزارة العدل الأمريكية، وإقناعها بتخفيض الغرامة، وفي نفس السياق، أشارت صحيفة وول ستريت جورنال منذ يومين إلى أن المفاوضات مستمرة بين البنك ووزارة العدل الأمريكية.

تحسن ملحوظ

وعلى أثر الأنباء التي تشير إلى احتمالية التوصل لاتفاق بين البنك ووزارة العدل الأمريكية خلال الأيام القليلة القادمة، نشرت وكالة الأنباء الفرنسية فرانس برس الجمعة الماضية خبرًا يتحدث عن اقتراب البنك من التوصل لتسوية مع وزارة العدل الأمريكية، لتخفيض الغرامة من14 مليار دولار إلى 5.4 مليار دولار؛ فقد ارتفع مؤشر سهم دويتشه بنك، اليوم الموافق الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) بواقع 2% وهو أعلى مستوى له منذ أسبوعين.

وفي غضون ذلك، فقد قالت وكالة موديز للتصنيف الائتماني إنه إذا استطاع البنك تسوية القضية بمبلغ يقارب3.1 مليار دولار، فسينعكس ذلك إيجابًا على حاملي السندات، ولكن إذا وصلت قيمة الغرامة إلى 5.7 مليار دولار، فإنها ستقوض ربحية 2016 ، لكنها لن تؤثر كثيرًا على الوضع الرأسمالي للبنك.

أما عن الموقف الحكومي الألماني تجاه الأزمة الحالة التي يمر بها عملاق مصارف الاستثمار في ألمانيا وأوروبا، فلا يزال غامضًا بعض الشيء، فالتصريحات الحكومية حتى الآن تكتفي بانتقاد مسؤولي البنك بشدة، وتوجيه الاتهامات اللاذعة لهم، بأنهم السبب الرئيسي فيما يحدث حاليًا.

فمنذ يومين انتقد وزير الاقتصاد الألماني سيغمار غابريال السياسات «غير المسئولة» للمشرفين على دويتشه بنك، إذ قال: «لا أعلم إذا كان علينا البكاء أم الضحك لرؤية مصرف جعل من المضاربة نموذجًا للأعمال، ويطرح نفسه اليوم ضحية لذلك»، كما أشار إلى النتيجة التي ستحصل من جراء الأزمة الحالية وهي أن آلاف الأشخاص سيخسرون وظائفهم، وعليهم دفع ثمن جنون أشخاص غير مسئولين في مواقع القيادة.

وكانت صحيفة «دي تسايت» الألمانية الأسبوعية قد ذكرت أن الحكومة الألمانية والسلطات المالية تعد لتحركات محتملة لتمكين البنك من بيع أصول أخرى بأسعار من شأنها تخفيف الضغط على البنك.

وأضافت الصحيفة التي لم تفصح عن مصدر معلوماتها، إنه في حالة الضرورة القصوى، يمكن أن تعرض الحكومة الألمانية الحصول على حصة مباشرة بنسبة 25% من البنك.

ولكن وزارة المالية الألمانية نفت هذه المعلومات في بيان رسمي، وقالت: «هذا التقرير خاطئ. الحكومة الألمانية لا تعد أي خطط إنقاذ. لا يوجد سبب للتكهن بمثل هذه الخطط».

وكذلك ذكر مصدران مطلعان إن هيئة الرقابة المالية الاتحادية في ألمانيا «بافين» لا تعمل على خطة إنقاذ.

ويعرف عن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل رفضها تدخل الدول لإنقاذ البنوك المتعثرة، فكانت تشترط على الحكومة اليونانية مقابل حزم المساعدات، ألا تتدخل لإنقاذ بنوكها المتعثرة.

ولكن الوضع هنا مختلف بعض الشيء، فنحن نتحدث عن أكبر بنك في ألمانيا ومن أكبر البنوك الأوروبية، فهل تترك ألمانيا هذا العملاق ليعلن إفلاسه إذا ما عجز عن سداد الغرامة الأمريكية أو الديون الأخرى؟ هل ستدع الحكومة الألمانية سقوط قطعة الدومينو الأولى ليصحبه سقوط مؤسسات مصرفية أخرى، ويدخل النظام المالي والاقتصادي العالمي في براثن أزمة جديدة، وهو بالكاد بدأ يتعافى من آثار أزمة 2008؟

احتمالات الإنقاذ أكبر من الإفلاس

في الواقع يصعب تحقق هذا السيناريو، لأن الجميع سوف يخسر بما فيهم الولايات المتحدة نفسها، لذا ففي أحلك الظروف ستتغاضى الولايات المتحدة عن الغرامة أو تقللها إلى نسبة منخفضة جدًا، إذ إن الخسائر التي تعود عليها وعلى الاقتصاد العالمي، ستتجاوز تكلفتها مئات المليارات.

كما أن الحكومة الألمانية لن تدع الأحداث تأخذ هذا المنحنى الكئيب، وربما هي تنتظر لآخر لحظة حتى ترى مقدار ما سوف تتحمله الأطراف المتفاوضة من هذه الأزمة، على أن تتدخل في حالة تدهور الأمور، ومن أنها تريد من خلال موقفها الحالي توصيل رسالة لباقي البنوك الأوروبية عمومًا والألمانية بشكل خاص، بألا تحيد عن القواعد المصرفية السليمة وإلا فلن تجد من يقف بجوارها.

وكذلك لن يدع عمالقة الصناعة الألمانية حدوث مثل هذا السيناريو لدويتشه بنك، ففي مقال نشر بالصفحة الأولى من صحيفة «فرانكفورتر ألجماينه زونتاج تسايتونج»، دافع كبار رجال الأعمال الألمان من شركات مثل «باسف، دايملر، إي. أون، آر. دبليو. إي، سيمنس» عن دويتشه بنك.

ومن الجدير بالذكر، تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وخاصة ألمانيا مؤخرًا، بسبب فرض الاتحاد الأوروبي متأخرات ضرائب على شركة أبل الأمريكية بمقدار 13 مليار يورو، وهي الخطوة التي وجهت بسببها حكومة الولايات المتحدة، وكذلك بعض الشركات الأخرى؛ النقد اللاذع للاتحاد الأوروبي.

مما جعل البعض يعتبر خطوة وزارة العدل الأمريكية بفرض غرامة على دويتشه بنك؛ جاءت ردًا على خطوة الاتحاد الأوروبي.

وضع الاستثمارات العربية

وعن وضع الاستثمارات العربية في دويتشه بنك، فإنه نظرًا لخسارة الأسهم بأكثر من نصف قيمتها خلال هذا العام فقط، فإن ذلك يعني خسارة حاملي الأسهم حوالي نصف قيمة أصولهم، أما الذين يستثمرون أموالهم في المشتقات المالية فهم أكثر الخاسرين في هذه الأزمة، وتعد الاستثمارات الخليجية هي الأكبر في دويتشه بنك على مستوى الدول العربية، وخصوصًا القطرية منها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد