يظهر أن كرة الثلج المتدحرجة لم تتوقف بعد، إذ لليوم الرابع تستمر تداعيات حادث «بائع السمك»، الذي مات سحقًا بواسطة شاحنة جمع القمامة، فيما تتواصل المظاهرات في عدد من المدن والبلدات المغربية، تضامنًا مع من يطلق عليه «شهيد الحكرة»، محسن فكري.

ما آخر تطورات الاحتجاجات؟

تجددت أمس الاثنين الاحتجاجات في بعض المناطق المغربية، حيث خرج العشرات للتظاهر في كل من الرباط وسطات وخريبكة، ورفعوا شعارات ترفض «الحكرة» وتطالب بـ«العدالة والكرامة».

أما في مدينة الحسيمة، حيث دفن محسن فكري تاجر السمك، فقد شهدت اعتصامًا ليليًا حاشدًا، رفع خلاله المتظاهرون هتافات قوية، تجاوزت التضامن مع ابن مدينتهم إلى شعارات اجتماعية وحقوقية، تطالب «بالعيش الكريم والسكن اللائق والمستشفيات وبالتشغيل»، وتدعو كذلك إلى فتح تحقيق في واقعة مقتل خمس مواطنين حرقًا داخل مؤسسة بنكية في الحسيمة، إبان «حراك20  فبراير» قبل ست سنوات، وهي الواقعة التي يحملون السلطات مسؤوليتها.

ولم يفوت المحتجون فرصة إلقاء جام غضبهم على رئيس الحكومة المغربية، عبد الإله بنكيران، الذي التزم الصمت حيال واقعة «بائع السمك»، ودعا جمهوره في حزب العدالة والتنمية إلى عدم الخروج في المظاهرات الشعبية، حيث رفعوا شعارات تصفه بـ «البهلوان» و«الانتهازي»، محملين إياه مسؤولية «وفاة فكري وكل ما يعانيه المغاربة من أوضاع مزرية»، على حد تعبيرهم.

ونقلت وكالة رويترز عن أحد منظمي المظاهرات، بأن الاحتجاجات «ستستمر حتى تتم معاقبة كل المسؤولين عن الجريمة وتطهير الإدارة العامة من الفاسدين، بالإضافة إلى تقديم ضمانات بعدم حدوث ذلك مرة أخرى»، مما يؤكد فرضية استمرار المظاهرات خلال الأيام القادمة.

من جهة أخرى، قاطع تلاميذ عدة مدن شمال المغرب، يوم الإثنين، الدراسة في المؤسسات التعليمية، وخرجوا في مظاهرات حاشدة تندد بـ»مقتل محسن فكري«، غير أن الدراسة عادت لتستمر خلال اليوم الثلاثاء.

وكان لافتًا في الاحتجاجات التي يشهدها المغرب منذ ليلة الجمعة من الأسبوع المنصرم، الطابع السلمي الذي يميزها حتى الآن، رغم الشعارات القوية، بفضل العديد من الشباب الذين تطوعوا لتنظيم الحشود، خلافًا لما وقع سنة 2011، حيث شهدت بعض المدن احتجاجات عنيفة، تخللها الكثير من أعمال الشغب والتكسير، الأمر الذي واجهته السلطات آنذاك بالقوة الحازمة.

ولم تقتصر مسيرات «شهيد السمك» على داخل المغرب فقط، بل تجاوزته إلى خارج البلاد، حيث نظم العشرات من الجالية المغربية المقيمة في فرنسا، أمس الإثنين، وقفة احتجاجية أمام السفارة المغربية بباريس، طالب فيها المحتجون بتحقيق «العدالة والكرامة ورفع الظلم والحكرة في البلاد»، كما رفعت شعارات تقرع المخزن من قبيل: «يا مخزن يا جبان.. شعب المغرب لا يهان» و«يا مخزن يا خسيس.. شعب المغرب ماشي رخيص»، داعين إياه إلى الرحيل للأبد.

وكانت فعاليات سياسية وحقوقية مغربية ناشطة في فرنسا قد دعت إلى مظاهرات أمام سفارة الرباط بباريس، على إثر واقعة بائع السمك الذي ابتلعته شاحنة القمامة، وكان لافتًا مشاركة عدد من الهيئات الفرنسية المتضامنة.

أين وصل التحقيق في مقتل فكري؟

أصدر الملك محمد السادس تعليماته مبكرًا، منذ يوم السبت، لإجراء تحقيق في مقتل محسن فكري، وكشف ملابسات الحادث الذي أشعل غضبًا شعبيًا، ومن ثمّ كلف الوكيل العام للفرقة الوطنية للشرطة القضائية، الكائن مقرها بالدار البيضاء، بالقيام ببحث معمق.

تطرح واقعة بائع السمك أسئلة حارقة، مرتبطة بعميلة الوفاة نفسها وبالسمك المصادَر، فمن أعطى الأمر بتشغيل آلة القمامة التي سحقت عظام الفقيد؟ ومن نفذ؟ ومن سمح بالصيد في وقت الراحة البيولوجية للأسماك؟ ومن هي الجهة التي صادت تلك الأسماك المحظورة؟ ومن تكفل بنقل سمك ممنوع من الصيد؟ وقبل كل ذلك، هل كانت الوفاة عملية قتل عن عمد أم انتحار أم سوء تصرف في وضع مربك؟

بحسب المعطيات الأولية حول القضية، يقول وكيل الملك، في بلاغ له عممته وكالة المغرب العربي للأنباء، «إن الفقيد محسن فكري اشترى من بعض الصيادين في ميناء الحسيمة نصف طن من سمك بوسيف (أسبادون)»، وهو سمك محظور صيده خلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) من كل سنة، احترامًا للراحة البيولوجية، بمقتضى قرار وزير الصيد البحري عدد 13-1176، الذي تم إقراره في الثامن من أبريل (نيسان) 2013.

يضيف الوكيل العام أيضًا أن محسن فكري كلَّف أحد معارفه بنقل السمك الذي اشتراه على متن سيارة لم تخضع للمراقبة قبل مغادرة الميناء، مما دفع أحد أفراد الأمن المداوم بالمكان إلى التبليغ عن السيارة، فأوقفتها السلطات المسؤولة في شارع طارق بن زياد، وأمرت بإتلافها.

ويذكر بلاغ الوكيل موضحًا طريقة وفاة تاجر السمك، أنه «حين كانت مصالح شركة نقل النفايات تهم بمحاولة نقل الأسماك من السيارة إلى شاحنة نقل النفايات، بعد تلقي سائق هذه الأخيرة إشارة من أحد عمال الشركة بتزويد آلة الضغط بالكهرباء من أجل تشغيلها، صعد الفقيد مصحوبًا ببعض الأشخاص إلى الجهة الخلفية لشاحنة نقل النفايات للحيلولة دون وضع الأسماك بها، وفي هذه الأثناء اشتغلت آلة الضغط جراء جر الجهاز الموجود في يمين الجهة الخلفية للشاحنة مما أدى إلى وفاته».

في نفس السياق، قررت محكمة الاستئناف بالحسيمة إحالة11  شخص على قاضي التحقيق، من بينهم اثنين من رجال السلطة ومندوب الصيد البحري، ورئيس مصلحة بمندوبية الصيد البحري، وطبيب رئيس مصلحة الطب البيطري، بتهم التزوير في محضر رسمي والمشاركة فيه والقتل غير العمد، وذلك بعد الاستماع لعشرين شخص وإجراء معاينات، على إثر حادثة مقتل محسن فكري.

لكن التحقيقات حتى الآن تستبعد فرضية القتل العمد، حيث يقول الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف، إنه »لم يثبت من البحث المجرى في النازلة صدور أي أمر بالاعتداء على الضحية من طرف أي جهة، فيما لا تزال الأبحاث جارية حول القضية، الشيء الذي ربما يسفر عن مستجدات جديدة ومتورطين جدد.

إلى أين يتجه الوضع؟

على الرغم من أن الاحتجاجات لا تزال متواصلة في بعض المناطق المغربية، إلا أنها تبدو متجه شيئًا فشيئًا نحول التلاشي، ولاسيما بعد خروج والد المرحوم وشقيقه في فيديو علني، يرفضان فيه ما سميانه بـ«استغلال وفاة ابنهم في المزايدات السياسية والإعلامية».

 

بيد أنه من المتوقع أن تتجدد المظاهرات في يوم الأحد المقبل، اليوم الذي أصبح مرادفًا للاحتجاج في المغرب منذ حراك 20 فبراير (شباط) 2011، بعدما أبدى محتجون أمام البرلمان عزمهم النزول إلى الشارع نهاية الأسبوع، حسبما ذكر موقع «لكم».

ويحذر ناشطون كثر على الشبكات الاجتماعية مما أسموه «أجندات خارجية تحاول خلق الفتنة والفوضى في البلاد«، ويدعون الناس إلى عدم الخروج في المظاهرات لتجنب »مصير سوريا وليبيا» على حد قولهم، فيما ذهب آخرون إلى انتقاد مظاهر تحيل إلى النعرات العرقية، التي تخللت بعض الاحتجاجات.

بينما يعلن قسم آخر من رواد مواقع التواصل الاجتماعي تأييدهم الكامل للاحتجاجات الشعبية ويعتبرون مروجي المنشورات التي تتهم المظاهرات بـ«الفتنة أنهم» «محسوبين على «أجندات حزب العدالة والتنمية والمخزن»، ويؤكدون حقهم في التظاهر ضد ما وصفوه «الحكرة والتهميش و اللاعدالة» التي تعيشها البلاد تحت حكم المخزن، كما يقولون.

من جانب آخر، يشدد المتظاهرون على سلمية مسيراتهم الاحتجاجية، ويرفضون استغلال مظاهراتهم من قبل جهات سياسية أو «بلطجية»، نافين اتهامات «الفتنة» التي تكال لهم، فيما يخشى مراقبون أن تتحول الاحتجاجات إلى مطالبات سياسية اجتماعية، قد تنذر بتفاقم الوضع.

وتأتي هذه الاحتجاجات الفجائية بالمغرب في ظروف حساسة، تعرف مشاورات سياسية لتشكيل الحكومة الائتلافية الجديدة، وتنظيم «كوب 22».

عرض التعليقات
تحميل المزيد