في خضم السباق المحموم للبحث عن علاج فعال ضد جائحة فيروس كورونا المستجد، أصبحنا نسمع بين الحين والآخر عن نتائج دراسات تبشر بنتائج واعدة لعقار ما في مواجهة الفيروس التاجي، ولكن التاريخ الحديث علمنا أنه من الجدير أخذ هذه النتائج الواعدة بكثير من الحيطة والحذر.

بالأمس، أعلن باحثون بالمملكة المتحدة أن عقار «ديكساميثازون»، يحسن فرص نجاة بعض المرضى المصابين بـ«كوفيد-19». وشهدت تلك النتائج ترحيبًا من منظمة الصحة العالمية، وإشادة من المجتمع العلمي الذي وصفها بـ«التطور الرائد»، ولكن على الجانب الآخر، توجد كثير من المخاوف المثارة حول استخدام هذا العقار، وأعراضه الجانبية، فضلًا عن القلق المثار حول نتائج الدراسة نفسها. فما الآمال المعلقة والمخاوف المثارة حول استخدام هذا الدواء؟

العلاج الأول الذي يُخفض معدل الوفاة لدى الحالات الحرجة

«إنه العلاج الأول الذي يظهر أنه يخفِّض معدل الوفيات لدى مرضى «كوفيد-19»، الذين يحتاجون إلى دعم الأكسجين أو جهاز التنفس الصناعي. هذه أنباء رائعة، وأنا أهنئ حكومة المملكة المتحدة، وجامعة أكسفورد، والعديد من المستشفيات والمرضى في المملكة المتحدة، الذين ساهموا في هذا الإنجاز العلمي المنقذ للحياة». بهذه الكلمات علق الدكتور تيدروس أدهانوم جيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية على نتائج الدراسة، في البيان الذي نشرته المنظمة على موقعها الرسمي.

رحبت منظمة الصحة العالمية بنتائج التجارب السريرية الأولية، التي أظهرت أن الديكساميثازون يمكن أن ينقذ حياة المرضى الذين يعانون من عدوى كوفيد-19 الشديدة. وأوضحت نتائج الدراسة التي أُجريت بجامعة «أوكسفورد» أن استخدام عقار الديكساميثازون بجرعة منخفضة أظهر تقدمًا كبيرًا في مكافحة الفيروس المستجد؛ إذ قلل من خطر الوفاة بنسبة الثلث للمرضى الذين لم يمكنهم التنفس سوى على أجهزة التنفس الصناعي، وبنسبة الخمس للمرضى الذين يحصلون على الأكسجين. وأضاف الباحثون أنه لو جرى استخدام الدواء لعلاج المرضى في المملكة المتحدة منذ بداية الوباء، لكان من الممكن إنقاذ ما يصل إلى 5 آلاف شخص.

انطلقت التجربة في شهر مارس (آذار) الماضي، وتعد واحدة من أكبر التجارب في العالم، التي تسعى لتطوير علاجات محتملة ضد فيروس كورونا. وقد ضمت الدراسة 2104 مشارك تلقوا ديكساميثازون بجرعة منخفضة أو معتدلة من ستة مليجرام في اليوم لمدة عشرة أيام، وقارنت بين استجابتهم واستجابة حوالي 4300 شخص آخرين تلقوا الرعاية القياسية لعدوى الفيروس التاجي.

واتضح أن تأثير الديكساميثازون كان أكثر وضوحًا بين المرضى المصابين بعدوى خطيرة، في حين لم يكن للعقار تأثير في الأشخاص المصابين بعدوى خفيفة من الفيروس، أو أولئك الذين لا يتلقون الأكسجين أو يحتاجون لجهاز تنفس صناعي، وبعد وقت قصير من نشر النتائج، أعلنت حكومة المملكة المتحدة أنها سمحت على الفور باستخدام ديكساميثازون لمرضى كوفيد-19 المحجوزين داخل المستشفيات، والذين يحتاجون إلى الأكسجين، أو يستخدمون أجهزة التنفس الصناعي.

كيف يعمل العقار وما الذي يُميزه عن غيره؟

الديكساميثازون نوع من الكورتيزون الذي يجري استخدامه منذ ستينيات القرن الماضي؛ لتقليل الالتهاب في بعض الحالات المرضية مثل الاضطرابات الالتهابية، وبعض أنواع السرطان. وقد أدرج في قائمة منظمة الصحة العالمية النموذجية للأدوية الأساسية منذ عام 1977 في تركيبات متعددة، ويتوفر بأسعار معقولة في معظم بلدان العالم.

وحتى الآن، فإن الدواء الوحيد الذي أثبت فائدته لمرضى كوفيد-19 مضاد الفيروسات «ريميديسفير remdesivir»، الذي استخدم في علاج الإيبولا، وأظهر أنه يُقصر مقدار الوقت الذي قد يقضيه المرضى في المستشفى، ويقلل من مدة ظهور أعراض الفيروس التاجي من 15 يومًا إلى 11، إلا أنه لم يكن له تأثير مهم إحصائيًّا على الوفيات، كذلك، يوجد نقص في المعروض من العقار، رغم اتخاذ الشركة المصنعة له خطوات لزيادة إنتاجه، ولا يتوفر حاليًا إلا لعدد محدود من المستشفيات حول العالم. فضلًا عن طريقة إعطائه المعقدة، التي تجري عن طريق الحقن على مدار عدة أيام.

في المقابل، يعد «ديكساميثازون» مادة طبية أساسية منخفضة التكلفة، توجد على الرفوف الصيدلانية في جميع أنحاء العالم، ومتوفر على شكل أقراص إلى جانب الحقن، ما يجعله مناسبًا للاستخدام في الدول ذات الرعاية الصحية المحدودة، والتي تستمر عدوى الفيروس التاجي في الارتفاع بها. وقال مارتن لاندراي، عالم الأوبئة في جامعة أكسفورد، وأحد الباحثين الرئيسيين في التجربة: «يمكنك علاج ثمانية مرضى وإنقاذ حياة واحدة، مقابل أقل من 50 جنيهًا إسترلينيًّا» باستخدام الديكساميثازون.

وأضاف نيك كاماك، رئيس مؤسسة طبية بيولوجية في لندن «أن العثور على علاجات فعالة مثل هذا سيغير تأثير جائحة كوفيد-19 على الحياة والاقتصاد في جميع أنحاء العالم، وينقذ عددًا لا يحصى من الأرواح». ونظرًا إلى عدم نجاة نصف مرضى كوفيد-19 الذين يحتاجون إلى جهاز تنفس؛ فإن قطع هذا الخطر بمقدار الثلث سيكون له تأثير كبير.

كذلك، قال كينيث بيلي، طبيب العناية المركزة بجامعة إدنبرة، والذي يعمل في اللجنة التوجيهية للتجربة، إن النتائج قد يكون لها أيضًا آثار في أمراض الجهاز التنفسي الحادة الأخرى. على سبيل المثال، يعد استخدام الستيرويد في علاج متلازمة الضائقة التنفسية الحادة مثار جدل. ويضيف: «تعطينا النتائج سببًا جيدًا للتحقق من هذا عن كثب، لأن فائدة الوفيات كبيرة جدًّا. أعتقد أن هذا سيؤثر في علاج ما هو أبعد من كوفيد-19».

قبل أن تشتري «ديكساميثازون».. خبراء الصحة يحذرون الجمهور

رغم النتائج المبشرة تلك، حذَّر بيلي من شراء الديسكاميثازون وغيرها لأخذها في المنزل. وأكد أنها لا تساعد الأشخاص الذين يعانون من أعراض أخف من جراء إصابتهم بالفيروس التاجي، والذين لا يحتاجون إلى مساعدة في التنفس، ومع أن النتائج تبدو واعدة، ومن المنطقي أن الدواء المضاد للالتهابات سيكون فعالًا ضد المرض الأكثر ضررًا، الذي يحفز الالتهاب الزائد في الجسم. لكن القلق يحوم حول نتائج الدراسة، إذ أصدر فريقها ملخصًا للبيانات فقط، بدلًا من ورقة كاملة تخضع لمراجعة النظراء.

قال الباحثون إنهم سينشرون نتائجهم الكاملة قريبًا، ويبدو من المفهوم رغبتهم في نشر الأخبار في أقرب وقت ممكن، نظرًا إلى احتمال أن ينقذ الديكساميثازون بناءً على النتائج الأرواح على الفور، ولكن بعض خبراء الصحة يحذرون الجمهور من تفسير النتائج بحذر، خاصة في ضوء الفضيحة الأخيرة التي اضطرت فيها مجلتان طبيتان بارزتان: مجلة «ذا لانسيت» ومجلة «نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسن»، إلى سحب دراسات رفيعة المستوى حول علاجات محتملة لفيروس كوفيد-19؛ بسبب بيانات مشبوهة.

ودعونا لا ننسى أيضًا عقار هيدروكسي كلوروكوين، المضاد للملاريا، الذي يعطينا جرس إنذار آخر، بعد أن أثارت دراسة فرنسية صغيرة في مارس (آذار) الماضي موجة من الجدل، والثناء من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول قدرة العقار على معالجة الفيروس المستجد. ومع ظهور دراسات أكثر قوة، بدأت النتائج تشير إلى أن الدواء غير فعال في أحسن الأحوال، بل يحتمل أن يكون ضارًّا في أسوأ الأحوال، وفي نهاية المطاف، دفع العدد المتزايد من الأبحاث إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لإلغاء ترخيص استخدام الدواء في حالات الطوارئ.

يأمل المتابعون ألا يتكرر هذا مع «ديكساميثازون»، ولكن جائحة الفيروس المستجد سريع التطور، الذي حفز العلماء على إنتاج قدر هائل من العمل في وقت قياسي، كشفت أيضًا عن عيوب تسريع عملية المراجعة العلمية البطيئة والثابتة تقليديًّا، وباتت تحدث الأخطاء وتتغير الاستنتاجات، خاصة عندما يكون العالم كله غير صبور للحصول على الإجابات.

على صعيد آخر، حذرت المبادئ التوجيهية للعلاج من منظمة الصحة العالمية وعدد من البلدان من علاج الأشخاص المصابين بفيروس كورونا المستجد بمستحضرات الكورتيزون، وأعرب بعض الباحثين عن قلقهم من انتشار استخدام الكورتيزونات على نطاق واسع. ومع أن الأدوية تقمع جهاز المناعة، ما يمكن أن يوفر بعض الراحة للمرضى الذين تتعرض رئتهم للتلف؛ بسبب استجابة مناعية مفرطة النشاط تظهر أحيانًا في الحالات الشديدة. لكن قد يكون هؤلاء المرضى ما يزالون بحاجة إلى نظام مناعي يعمل بشكل كامل لردع الفيروس.

علوم

منذ أسبوعين
بعد تخبط الدراسات حول كورونا.. هكذا نميز البحث العلمي الجيد

وقال بيتر هوربي، المتخصص في الأمراض المعدية بجامعة أكسفورد، وأحد الباحثين الرئيسيين في الدراسة، إن العلاج بحاجة للاختبار في تجربة سريرية صارمة، وصرحت منظمة الصحة في بيانها بأنها ستواصل العمل مع جميع الشركاء؛ لمواصلة تطوير العلاجات واللقاحات ضد فيروس كورونا المستجد.

حتى لا نشهد عجزًا جديدًا في سوق الأدوية

علقت هيئة الدواء المصرية في بيان لها على صفحتها على موقع «فيسبوك» على الأمر، أوضحت خلاله أن مستحضر ديكساميثازون يعد أحد مستحضرات الكورتيزون المعروف بأضراره الجانبية العديدة، وأن استخدامه بدون دواعٍ طبية أو إشراف طبي؛ قد يؤدى إلى التعرض لمخاطر عديدة منها خطر تثبيط المناعة، وتورم الوجه والأطراف، وتغير الرؤية، وألم وضعف العضلات، وبطء التئام الجروح، ونزيف المعدة، ونوبات صرع، وارتفاع السكر في الدم، وارتفاع ضغط الدم، وفشل القلب.

وأكدت الهيئة أن العقار ما زال في مرحلة الاختبارات والدراسات السريرية، واقتصر اختباره على بعض الحالات المصابة بفيروس كورونا المستجد الموضوعة على أجهزة التنفس الصناعي، وتحت إشراف طبي بالمستشفيات، وناشدت المواطنين بعدم تناول أي علاج دون استشارة الفريق الطبي المختص، وضرورة اتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية اللازمة لمواجهة فيروس كورونا المستجد ومنع انتشاره، والرجوع الى مقدمي الخدمات الصحية في هذا الشأن.

وقد توجه «ساسة بوست» بالسؤال للدكتور أحمد عماد الدين عرفة، الباحث في مجال الصحة العامة بجامعة أوساكا، اليابان، الذي علق قائلًا «الدراسة ممتازة، ومع أنها الأولى من نوعها، فإننا بحاجة إلى تجارب شبيهة في ظل التسارع الحالي في النشر». كذلك، أعرب عرفة عن قلقه من حدوث نقص في عقار ديكساميثازون كما حدث مع غيره من الأدوية المستخدمة في علاج كوفيد-19، نتيجة اندفاع العامة إلى شرائه من الصيدليات. وأوضح أن ذلك من الوارد حدوثه في مصر تحديدًا؛ لأن غالبية الأدوية يمكن شرائها دون وصفة طبية.

دولي

منذ أسبوعين
«فورين بوليسي»: تصف الدواء للعالم ولا تتناوله.. كيف تنقذ أمريكا ديمقراطيتها؟

وأشار إلى أن موضوع نقص الأدوية يحتاج إلى إصلاح في قطاع الدواء، وقوانين تلزم بعدم صرف الأدوية دون وصف الطبيب. ونوَّه أيضًا إلى أن القصور في المنظومة الصحية الذي بدا متجليًا في أثناء الجائحة، قد يدفع الأفراد إلى التفكير في حلول فردية.

المصادر

تحميل المزيد