قُرب جسر الزيتون، وسط مدينة الناصرية – جنوب شرق العراق – حيث البيت الذي ينحدر منه رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي ومسؤولون أمنيون وعسكريون وتنفيذيون، وحيث أولى تظاهرات ثورة «تشرين» – كما يُسمّيها أهلها – لدعم الاحتجاجات التي لم تتنهِ بمجرد إسقاط رئيس الحكومة؛ اقتحم المسلحون الملثمون ساحة التظاهرات بسيارات مدنية رباعية الدفع، وأطلقوا النار بصورة عشوائية من أسلحة رشاشة على المعتصمين المحتجين، واستمر المسلحون في إطلاق النار لساعاتٍ قبل إعلان وزارة الداخلية تطويق قواتها للمنطقة والتحقيق في الحادث وملاحقة مطلقي النار.

فمحافظة «ذي قار» التي تشهد أغلبية شيعية باتت تشهد يومًا تلو الآخر أكثر الفصول دموية في الاحتجاجات العراقية التي تطالب بوقف الفساد الاقتصادي والتدخل الإيراني. التقرير التالي يشرح لك تاريخ المدينة الشيعية التي تتصدر الثورة العراقية ضد إيران.

«مذبحة كربلاء».. قصة المليشيات التي قتلت متظاهري العراق في مدينة الحسين

البداية.. كيف استفادت إيران من الفساد السياسي والاقتصادي في العراق؟

بدأ ربيع طهران الاقتصادي منذ سيطر «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» على العراق عام 2014؛ فالفوضى أدت لضرب خطوط التجارة بين بغداد وأنقرة – المنافس الأبرز لطهران – واضطرت تركيا إلى إرسال بضائعها عبر الأراضي الإيرانية، والتي استغلتها الأخيرة في رفع الرسوم الجمركية على البضائع التي وصلت في النهاية إلى السوق العراقية؛ أعلى ثمنًا من البضائع الإيرانية، لذا كان من الطبيعي أن تغرق الأسواق بالبضائع الإيرانية التي ليس لها منافس محلي أو إقليمي.

 قصة التحكمات الاقتصادية يصفها مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» في بغداد، تيم أرانجو، قائلًا: «امشِ في أي سوق في العراق وستجدد الأرفف مزدحمة بالسلع من إيران؛ الحليب والزبادي وحتى الدجاج. قُم بتشغيل التلفزيون ستشاهد برامج متعاطفة مع إيران، وإذا صادف أن شاهدت مبنى جديدًا يرتفع، فمن من المرجح أن الإسمنت والطوب جاءا من إيران، وحتى عندما يتعاطى الشباب العراقي الأقراص المخدرة، فمن المحتمل أن تكون المخدرات تم تهريبها عبر الحدود الإيرانية التي يسهل اختراقها».

بنت طهران إمبراطوريتها الاقتصادية في العراق عبر سلسلة من الاتفاقات بين البلدين، بدأت بتخفيض التعريفة الجمركية على السلع الإيرانية، بالإضافة لإلغاء عملية الرقابة على الصادرات الإيرانية إلى العراق لتسهيل التحرك التجاري، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 10 مليار دولار سنويًا، وتستهدف طهران رفعها إلى 12 مليار دولار.

ولا يمكن للعراق – باعتراف المتحدث الرسمي باسم وزارة النفط – الاستغناء عن استيراد الغاز من طهران. ويستورد العراق يوميًا 600 مليون قد مكعب في اليوم، كما أنّ 70% من الخدمات الفنية والهندسية في مصافي النفط العراقية، إيرانية بامتياز. وخلال زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى بغداد، حصلت الحكومة العراقية على تعهدٍ إيراني بإمداد العراق بالطاقة الصيف المقبل منعًا لتكرار الاحتجاجات التي شهدها في يوليو (تموز) العام الماضي.

وبالحديث عن الميزان التجاري بين البلدين، فإنه يميل لصالح إيران بنسبة 90%، باستحواذها على سوق المواد الغذائية ومواد البناء، وعلى سبيل الانتصار الرمزي، فطهران تحتكر سوق التمور في العراق بدلًا عن السعودية أحد أكبر مُصدري التمور في العالم.

أما القطاع المصرفي؛ فطهران ساهمت في تقويض اقتصاد بغداد. فالبنوك الإيرانية سبق لها أن عرضت فائدة 20% على الودائع في عام 2014، وهي نسبة خيالية سرعان ما جذبت الأموال من العراق الذي يشهد اضطرابات أمنية وسياسية. هذه الصفقة الناجحة التي سرعان ما أوصلت الاحتياطي النقدي لإيران لنحو 115 مليار دولار. وحين فرضت واشنطن عقوباتها الاقتصادية على النظام الإيراني، تضررت الاستثمارات العراقية في إيران نتيجة انهيار العُملة، لكنّ إيران مرة أخرى عرضت فائدة 20% للحفاظ على رأس المال العراقي.

اللافت أنّ بنك «ملي إيران» والذي تستحوذ طهران على ملكيته في العراق؛ بات يسيطر على السوق المصرفية، ومؤخرًا وقعت الحكومتان العراقية والإيرانية اتفاقًا يقضي بالسماح للبنوك الإيرانية بفتح أرصدة في البنوك العراقية، والتعامل عبرها بعملتي الدينار واليورو.

ومنذ 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تتصدر «ذي قار» مدن الجنوب العراقي في الاحتجاجات التي تطالب بتوفير فرص العمل، وتغيير النظام والدستور، ومحاكمة من تسبب في قتل المتظاهرين، والذهاب إلى انتخابات مبكرة، وتحسين الخدمات الأساسية، والمطالب تعني في جملتها إسقاط الوصاية الإيرانية التي تحمل إرث الكراهية تجاه تاريخ المدينة نفسه. 

«ذي قار».. مدينة الساسة ومعقل الصدر التي ضاقت بإيران

 في مدينة الساسة التي يقبع بها تيار رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، اتسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل إقالة رئيس الحكومة، والهتاف ضد لإيران، ثم ضد الصدر نفسه الذي يواجه بتهم خذلان أنصاره. وأمام وضع المدينة التي تسيطر عليها أغلبية شيعية وتُحكم بأعراف وتقاليد عشائرية برزت «ذي قار»، باعتبارها ساحة المجازر التي استهدفتها أسلحة النظام، كان آخرها عندما اقتحمت قوة أمنية من خارج المحافظة مكان اعتصام المتظاهرين قرب جسر الزيتون، وفتحت نيران أسلحتها صوب الثوار ما أسقط عددًا من القتلى والجرحى.

 لم تكد النيران التي التهمت قنصلية إيران في النجف تخمد، حتى حصد رصاص الأمن والميليشيات الموالية لإيران أرواح عشرات المتظاهرين، معظمهم سقطوا في محافظة الناصرية جنوبي العراق، باعتبارها المدينة الشيعية التي تُحرك الأحداث ضد كل من الحكومة وإيران.

وبالرغم من أنّ «ذي قار» معقل زعيم الدين الشيعي مقتدى الصدر، إلا أنّ المتظاهرين من أنصاره رددوا هتافات ضده لتعاونه مع رئيس تحالف الفتح هادي العامري؛ بهدف سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي، وربط الغاضبون تحركات الصدر وصمته إزاء التظاهرات إلى زيارته التي أجراها إلى إيران، ليرفع المتظاهرون بعدها شعارات: «لا مقتدى ولا هادي.. حرة تظل بلادي»، هذه المطالب التي تعني في جملتها إسقاط الوصاية الإيرانية التي تحمل إرث الكراهية تجاه تاريخ المدينة، وكأن «ذي قار» تتحسس من كل ما هو إيراني، ولاءً للأيام الخوالي قبل 1500 سنة.

وبالعودة إلى الأحداث الحالية، وعلى إثر الوقائع الدامية، التي قوبلت بها محافظة الناصرية عبر استخدام الرصاص الحي في مواجهة المتظاهرين؛ لوّحت العشائر الغاضبة بإمكانية رفع السلاح في وجه السُلطة في حال استمرت عمليات القتل بحق أبنائها، وهو ما أجبر رئيس الوزراء على إقالة القائد العسكري الفريق، جميل الشمري، بعد ساعات من تعيينه مسؤولًا عسكريًا على الناصرية.

اللافت أنّ «الحشد الشعبي» العراقي اعترف مؤخرًا بأنّ مسلحيه هم من أطلقوا النيران على التظاهرات التي ترفع شعارات مناوئة للحكومة وضد إيران، وبحسب بيانات وزارة الصحة العراقية، فإن حصيلة قتلى التظاهرات العراقية منذ انطلاقتها وصلت إلى 511 قتيلًا، بينهم ما لا يقل عن 50 شخصًا دون سن العشرين عامًا، فضلًا عن إصابة وجرح أكثر من 21 ألف عراقي آخرين، فيما تصدرت مدن بغداد، والناصرية، والنجف، وكربلاء، والبصرة، وميسان، قائمة أكثر المدن العراقية في عدد القتلى.

يوم «ذي قار».. قصة من أيام العرب تذكرها إيران

 في عام 560م جلس على عرش الإمبراطورية الفارسية كسرى الثاني الذي أعاد الأمجاد القديمة فقاد جيوشه للاندفاع في آسيا الصغرى شرقًا وجنوبًا، ثم توجه إلى الإمبراطورية الرومانية فأكل أملاكها بشراهة حتى وصل إلى أبواب قسطنطينة فكاد يُسقطها ومعها الإمبراطورية الرومانية.

وامتد مُلكه أيضًا ليسع الشام وما حولها وبيت المقدس وما فيه حتى وصل إلى مصر ودخل الاسكندرية ظافرًا من دون أن يُهزم في معركة واحدة حتى أعلن أنه إله لا يُقهر. لكنّ التاريخ كان يُخبئ له بين صفحاته أنّ هزيمته الأولى والأخيرة ستأتي من العرب الأجلاف – على حد وصف الفرس للعرب – بينما كان يُسقط حضاراتٍ ويُقيم أخرى.

تحكي كتب التاريخ حادثة «ذي قار» التي وقعت أوائل القرن السابع قبل أكثر من ألف عامٍ ونصف. فحين طلب كسرى الثاني من ملك الحيرة، النعمان بن المنذر أن يهب له جوادًا عربيًا أصيلًا كان قد طلبه منه، ثم طلب منه أن يزوجه ابنته، إلا أنّ الملك العربي رفض وأرسل له ردًا غاضبًا، فلمّا وصلت الرسالة توعده الملك الفارسي بالقتل، فهرب النعمان لائذًا وعائذًا بالقبائل يطلب الزود والحماية، لكنهم أبوا جميعًا ورفضوا ضيافته خوفًا أن يُصيبهم قدحًا من الغضب الذي سيلحق بصاحبهم لا محالة.

فهام الملك العربي في البادية حتى استقر به المقام عند هانئ بن مسعود الشيباني، أحد سادات العرب في الجاهلية الذي أجاره وأمّنه، ثم نصحه بأن يذهب إلى كسرى بنفسه، فإمّا أن يعود ملكًا عزيزًا، أو يموت شريفًا، ولما سمع لنصيحته أودعه ماله، وأهله، وسلاحه، ثم استقبل بلاد فارس التي قُتل فيها.

عينّ كسرى حاكمًا عربيًا للحيرة، ثم أرسل معه رسالة تهديد إلى هانئ بن مسعود يأمره فيها بإعادة الأسلحة والأموال التي أودعها له النعمان بن المنذر، لكنّ المروءة التي أظهرها قبل قتل صاحبه دفعته للاستنفار بالعرب التي اجتمعت في «ذي قار» – المدينة الشيعية التي نعرفها الآن في العراق – نجدةً لقبيلة بني بكر. ولما بلغ كسرى ما فعلته العرب، أمر بتجهيز الجيوش لتأديب الجزيرة العربية عن بكرة أبيها، ولما التقى الجيشان ضرب العطش جيوش كسرى فتساقطوا أمام السيوف العربية.

ويحكي الأعشى – شاعرٌ عربي – في إحدى أبيات قصيدته «قَالُوا البَقيّة، وَالهِنْدِيُّ يَحصُدُهم.. وَلا بَقِيّة إلاّ النّارُ، فَانْكَشَفُوا»، وتعني أنّ جنود فارس صرخوا: «البقية.. البقية»، وهي لفظة يصيح بها المقاتلون عادة حين يشتدد القتل في الطرفين، وتعني طلب وقف القتال والإبقاء على ما تبقى من الفريقين. وبعدما عادت فلول جيش كسرى منهزمًة من ذي قار، سقطت هيبة الفُرس في الجزيرة العربية، وسارعت قبيلة بني بكر للتمرد ومحاولة الاستقلال بالحيرة، لكنّ الإسلام كان أسرع من الجميع.

واليوم بعد أكثر من 1500 عام من ذلك اليوم البعيد لا زالت «ذي قار» تناصب إيران العداء وترفع راية العصيان، حتى بعدما صارت تدين بالمذهب الديني نفسه.

لماذا تركت إيران المذهب السُنّي بعد 800 عام؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد