السكري، الوباء المقيم الذي حلَ ولم يرحل، بل تصفه بعض الدراسات بالجائحة، مثله في ذلك كوفيد 19. وفقًا لمنظمة الصحة العالمية فمعدلات انتشاره تضاعفت من 4.7% في عام 1980 إلى 8.5% في عام 2014 بواقع 422 مليون مريض في العالم، كما أنه يقبع في قائمة الأسباب العشر الأولى للوفاة في العالم، إذ يأتي جالبًا معه أمراض القلب والسكتات الدماغية وإصابات جسيمة في الكلى، ناهيك عن العجز الجنسي وفقدان البصر وسهولة الإصابة بالأمراض المعدية، ولعل واحدة من أشهر وأسوأ مضاعفات السكري هي ما يحدثه في قدم صاحبه، في هذا التقرير سوف نستعرض مشكلة القدم السكرية أو «diabetic foot».

ما هي القدم السكرية؟

رغم كونها واحدة من مضاعفات السكري المتأخرة، إلا أنها قد تكون أول أعراضه! فقد يتسلل السكري إلى الجسد في صمت، وببعض التجاهل لعلاماته المبكرة قد لا ينتبه صاحبه إلا مع ظهور المضاعفات والتي منها القدم السكرية. تبدأ أعراض القدم السكرية بإحساس غير مريح بالشك أو السخونة أو التنميل، ويتتدرج حتى يصل إلي فقدان تام بالإحساس في القدم لدرجة أن تحترق بماء ساخن أو تدهس مسمارًا صدئًا ولا يشعر بها صاحبها. المؤسف أن الأمر قد ينتهي في كثير من الأحيان إلي بتر القدم تمامًا، ومن هنا تبدأ إعاقة طويلة المدى بسبب حالة يمكن الوقاية منها وتفاديها بسهولة.

مجتمع

منذ 4 سنوات
مرض السكري.. علاج محتمل ومفاهيم خاطئة

قبل هذا التداعي السريع، لنعد خطوة إلى الوراء ونفهم كيف تحدث هذه القدم السكرية لنعرف كيف نمنعها.

كيف تحدث القدم السكرية؟

ما يعرفه الجميع عن مرض السكري هو أنه ارتفاع مستوى السكر في الدم، هذا الارتفاع المستمر في سكر الدم يؤثر الأوعية الدموية  في الجسم مضعفًا من كفاءة الشرايين التي تحمل الدم للأطراف، كما يؤثر بشدة على الأعصاب، وتحديدًا الأعصاب الطرفية البعيدة فى القدم واليد، راسمًا ما يشبه الجورب والقفاز «Glove and stock».

تخيل حال قدم لا يصلها تغذية كافية من الدم وبدأت تفقد الإحساس بما حولها تدريجيًا، ومع تعرض قدم المريض لأي إصابة بسيطة، تبدأ المأساة. هذه الإصابة قد تكون مجرد قطعة خشب أو مسمار صغير تصيب قدم المريض، ولكنه لن يشعر، وقد يبدأ الأمر بأهون من ذلك، مثل الإصابة المتكررة لجزء معين من القدم بسبب حذاء ضيق أو مؤلم أو غير مناسب.

مضاعفات المضاعفة

تخيل معي عضوًا من جسدك يفقد الإحساس تدريجيًا، ولا تصله تغذية جيدة، من جسد منخفض المناعة، ويمتلئ دمه بالسكر الذي لا يمكنه الدخول لتغذية الخلايا، هذه هي الوصفة السريعة للإصابة بالعدوى سواء كانت التهابًا خلويًا «cellulitis» أو التهابات حادة أو مزمنة في عظام القدم والساق.

ليس هذا فحسب، بل المشكلة أن هذه المضاعفة قد تصل بالقدم إلى البتر تاركة المريض مقعدًا، وتحوله من فرد منتج بفاعلية إلى شخص يحتاج الكثير من المساعدة والتأهيل ليعود إلى سابق فاعليته وإنتاجه، وغالبًا ما يحدث هذا بعد إنهاك المريض والنظام الصحي بأكثر من وجه.

العبء الاقتصادي

يتردد مرضى القدم السكرية في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، على العيادات الصحية بواقع 14 مرة سنويًا، ويحتاجون رعاية متقدمة في المشافي بواقع ثلاث مرات كل عامين بتكلفة تقدر بـ33 ألف دولار أمريكي سنويًا، وتزداد الأرقام في مرضى بتر القدم. وبالنسبة للنظم الصحية ففي عام 2001 سجل النظام الصحي الأمريكي نفقات تقترب من 11 مليار دولار فقط في رعاية وعلاج القدم السكرية، وسجل نظيره البريطاني حوالي 3 مليار جنيه إسترليني.

صحة

منذ 3 شهور
ماذا يحدث لجسم مريض السكر والقلب أثناء الصيام؟ دليلك من أجل صيام آمن

من المؤسف أن يحدث كل هذا بسبب حالة يمكن تفاديها، لكن لعل هذا هو نفسه الجانب المشرق في الأمر، لأن الوقاية من القدم السكرية يسيرة وبمجرد الوعي بها يمكن تلافي هذه المضاعفات باتباع إجراءات وقائية بسيطة، من أهمها البحث عن المرض! نعم، بهذه البساطة، الاكتشاف المبكر لأعراض القدم السكرية.

إذا كنت مريض سكري.. كيف تقى نفسك من القدم السكرية؟

1) أولاً وقبل كل شيء: لا بد من ضبط معدلات السكر بالدم وإحكام السيطرة على مرض السكري نفسه، والالتزام بالأدوية الموصوفة، ومتابعة تحليل الدهون على الأقل مرة سنويًا والتعامل معها وفقًا لتعلميات الطبيب المتابع.

2) اكتسب عادة تفقد باطن قدميك يوميًا قبل النوم باستخدام مرآة لفحص أى خدوش أو جروح صغيرة قد تشكل النواة لبداية مشكلة.

3) لاحظ أية تغيرات في قدمك أو لون وملمس جلدها أو حرارتها أو مفاصل أصابع قدميك وما بينها، وأخبر طبيبك بأي تغيرات تلفت نظرك، فربما تستدعي الفحص.

4) استخدم الجوارب القطنية تمامًا، ويمكنك ارتداؤها أثناء النوم للتدفئة. قد تجد بعض الجوارب المصممة خصيصًا لمرضى السكر.

5) لا تمش دون حذاء أو خف حتى داخل المنزل.

6) ابتعد عن الأحذية المفتوحة حتى لا تتعرض القدم لإصابة أثناء المشي.

7) اهتم بتأمين الطريق بين غرفتك ودورة المياه، لأنك قد تستيقظ ليلاً بضع مرات من أجل التبول، فاحرص أن يكون طريقك آمنًا لقدميك، خالٍ من أي شيء قد تتعثر فيه أو تصطدم به.

8) ليكن حذاؤك مريحًا تمامًا حتى لو كان أوسع قليلاً من مقاس قدمك المعتاد بدرجة أو نصف درجة. ويمكنك استخدام أحذية مصممة خصيصًا لمرضى السكر. ويفضل دومًا شراء الحذاء بعد القليل من المشي للتأكد من أنه سيكون مريحًا حتى بعد المشي، كما يفضل شراؤه ليلاً لأن القدم قد تتورم قليلاً في المساء.

9) انظر داخل حذائك قبل ارتدائه لتتأكد من عدم وجود أي (دبوس مكتب) أو شيء من قبيل ذلك.

10) بالنسبة للفتيات والسيدات لا يفضل ارتداء الكعب العالى لأنه يشكل ضغطًا كبيرًا على منطقة من القدم، فيقل وصول الدم لها وقد يتسبب في إحداث تقرحات قد تكون هي المدخل للإصابة.

 

11) توخى الحذر عند تقليم أظافرك، واستخدم أدواتك الشخصية ولا تشارك الآخرين.

12) حافظ على ترطيب جلد قدميك تجنبًا للجفاف والتشققات، لكن لا تترك أي رطوبة بين أصابع قدميك.

13) عند غسل القدم أو الاستحمام يجب أن تنتبه لحرارة الماء المستخدم، فيفضل أن تستعين بشخص آخر لتقرير مناسبة حرارة الماء، أو استخدم في ذلك منطقة مفصل المرفق (الكوع) لأنها آخر مكان يختفى منه الإحساس.

14) خصص منشفة أو قطعة قماش قطنية صغيرة لتجفيف قدميك برفق، واهتم بتجفيف ما بين الأصابع بعد الوضوء أو الاستحمام أو غسل القدمين، لتجنب الفطريات. وإذا ظهرت يجب علاجها فورًا.

15) لا تتجاهل موعد فحص الطبيب الدوري لقدميك أيًا كانت الظروف والذي يبدأ فور تشخيصك بمرض السكري، فقد لا تظهر القدم السكرية في البداية، لكن يظهر مدخلها الأول وهو التهاب الأعصاب الطرفية. والذي يبدأ بأعراض مثل التنميل والشكشكة وإحساس بالوخز أو الكهرباء أو السخونة، وأحيانًا لا يتحمل المريض مجرد ملامسة ملابسه لقدمه، ثم تتفاقم الأعراض حتى تصل إلى فقد الإحساس بالأطراف تمامًا.

لذلك فمع كل زيارة لطبيبك المتابع، توقع أن يطلب منك نزع جوربيك ليفحص قدميك، ويقارن درجة حرارتهما، ويبحث عن وجود تغير لون الجلد أو تساقط شعر جلد الساق، وتقصفات الأظافر، وتشوهات القدم، ويقيم نبض شرايين الأطراف. وعند ظهور أي بوادر للشك، سيحيلك إلى طبيب جراحة الأوعية الدموية لعمل الفحوصات اللازمة للاطمئنان على الأوعية الطرفية، والوقوف على درجة القصور منذ البداية لتفادى كارثة القدم السكرية.

تذكر دائمًا أن دقائق يومية من الاهتمام والعناية تحميك من عناء طويل المدى، وأن قطعة إضافية من الحلوى تخل بتوازن سكر الدم أو حذاء مفتوح قد يصيب قدميك أو تجاهل دقائق الفحص الذاتي هي ثمن بسيط جدًا لحماية قدمك من البتر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد