الاختفاء المفاجئ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لعدة أيام أثار تساؤلات كبيرة محلية وعالمية، وكان محط اهتمام الكثير من الدول التي يهمها الشأن الروسي بشكل أو بآخر. الكثير من الشائعات ظهرت نتيجة هذا الاختفاء المفاجئ، حتى عاد بوتين للظهور من جديد، وسط أنباء عن مروره بأزمة صحية طوال الأيام العشرة الماضية.

السؤال الذي يطرح نفسه حاليًا، لماذا يختفي الديكتاتور، ولماذا يفضل الاختباء بدلًا من مواجهة الرأي العام بالحقيقة خلف هذا الاختفاء بشكل مباشر؟ لماذا هذه الهالة من التكتم والغموض الذي يحب كل ديكتاتور أن يحيط نفسه به؟

لعل الأمثلة التالية لحالات مختلفة من اختفاء بعض الزعماء المفاجئ تجيب على مثل هذه الأنواع من الأسئلة.

فلاديمير بوتين

 Vladimir_Putin-6

في يوم 5 مارس الحالي، اختفى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل فجائي عن أنظار وسائل الإعلام لمدة 10 أيام تقريبًا.

وعندما سأل بوتين عن سبب الاختفاء أجاب قائلًا: “إن الأمور ستكون مملة بلا شائعات”. وبالفعل فقد انطلقت عشرات الشائعات حول اختفاء بوتين من أبرزها ما تعلق بحالته الصحية، ووفاته، وحدوث انقلاب عليه، وحتى اختطافه على أيدي فضائيين.

شبكة سي إن إن الإخبارية قالت في تقرير لها إن الأمر قد يكون نتيجة آلام في الظهر، لتتسائل “ولكن هل هو يخفي آلام ظهره للحفاظ على صورته كرجل قوي؟”. الشبكة أجابت “بالتأكيد”.

فمن المعروف عن بوتين أنه شخص يحب الظهور بمظهر الرجل القوي الذي لا يخشى الغرب والولايات المتحدة، والذي استطاع أن ينتزع منطقة القرم من تحت أنوف الاتحاد الأوروبي كله. بوتين الذي يجاهد منذ سنوات إلى استعادة مجد الاتحاد السوفيتي السابق، وتطوير الاقتصاد الروسي، وعودة روسيا لتكون قوة مؤثرة في مصير العالم، كيف له أن يظهر ضعيفًا مريضًا؟!

تقارير صحفية أخرى أشارت إلى أن بوتين كان بصحة جيدة خلال فترة اختفائه الغامضة هذه.

كيم يونغ أون

 1

الزعيم الكوري الشمالي الشاب توارى عن الأنظار لعدة أشهر في نهاية عام 2014م؛ مما أثار الكثير من الشائعات حول حالته الصحية واحتمال الإطاحة به في انقلاب عسكري.

الزعيم الشاب تغيب عن حضور جلسة مجلس الشعب يوم الخميس 25 ديسمبر، وهي الجلسة التي تشارك فيها جميع الأحزاب الرسمية والجيش والمنظمات القومية، وهو ما أثار انتباه العديد من القوى الدولية.

الزعيم الكوري الشمالي ظهر من جديد في شهر نوفمبر 2014م، وهو يعرج ويستند على عصا في أحد الاجتماعات وهو ما يؤكد تعافيه من مشاكل صحية لم يكشف عن طبيعتها.

ويبدو أن الزعيم الشاب تعلم موضوع الاختفاء هذا من والده الزعيم السابق كيم جونغ إيل الذي سبق له وأن اختفى لمدة 80 يومًا خلال عام 2008م. هذا الاختفاء جاء لأسباب صحية.

أسياس أفورقي

 2

في عام 2012م، اختفى الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لمدة تقارب الشهر؛ مما أثار تساؤلات عديدة داخل المجتمع الدولي وخصوصًا الجارة إثيوبيا العدو اللدود لإريتريا.

الاختفاء المفاجئ لرأس النظام في إريتريا أثار تكهنات عديدة بخصوص موت الرجل أو مرضه الشديد.

النظام الحاكم في إريتريا بطبعه لا يعترف بمبدأ أن السلطة مصدرها الشعب، وأن النظام الحاكم هو نائب عن الشعب في إدارة شئون البلاد، وبالتالي فهو لا يهتم أساسًا بإعلام الشعب بما يدور داخل النظام. كذلك فإن النظام الإريتري الحاكم يستخدم العزلة كضمانة لاستمرار هيمنته؛ فيقوم بعزل مواطنيه عما يدور حولهم من أحداث إقليمية وعالمية، كما يقوم بعزل مواطنيه عن الأخبار الداخلية الخاصة ببلدهم، وبالتالي يضمن استمرار سلطته وحكمه.

وكان وزير الإعلام الإريتري قد خرج بتصريح قال فيه: “إنه ليس من ثقافتنا السياسية إحضار الرئيس للتليفزيون للرد على الشائعات”؛ مما يظهر أن هذا أمر أصيل في النظام الإريتري الحاكم. لكن على الرغم من ذلك فقد حضر الرئيس الإريتري للتليفزيون ليقول بأنه كان في “رحلة عمل خارجية” استغرق ثلاثة أيام دون الكشف عن الوجهة أو السبب.

جدير بالذكر أن إريتريا جاءت في المركز الأول عالميًّا من حيث الرقابة على الإعلام في عام 2012م.

المصادر الصحفية المختلفة تشير إلى أن الإعلام الإريتري كان يهلل كثيرًا قبل وأثناء وبعد كل زيارة خارجية لأفورقي، فلماذا هذا التكتم هذه المرة. إما أن الزيارة كانت سرية وعلى قدر من الخطورة والأهمية، وإما أن الرئيس الإريتري لا يقول الحقيقة.

هوغو تشافيز

 3

الرئيس الفنزويلي اختفى لمدة شهر تقريبًا عقب إجرائه عملية جراحية؛ مما أثار الشكوك حول مصيره واحتمالية وفاته.

تشافيز معروف عنه أنه شخص يحب الظهور في الإعلام بشكل ثابت، وبالتالي فإن تعرضه لأي مشكلة يتم ملاحظته بسهولة.

عبد العزيز بوتفليقة

 4

الرئيس الجزائري اختفى في عام 2014م، وسط حالة وصفتها التقارير الصحفية بأنها شديدة الغموض وغير مبررة. في ذلك الوقت كان العالم العربي يشهد تغيرات واسعة في أعقاب ثورات الربيع العربي، وبالتالي فقد أثار هذا الاختفاء الشعب الجزائري المطالب بمعرفة السر ورائه، خصوصًا في ظل التغيرات السياسية التي شهدتها الجزائر خلال فترة الاختفاء هذه.

لوحظ هذا الاختفاء نتيجة عدم حضور بوتفليقة لعدد من المناسبات الهامة، مثل ذكرى عيد الاستقلال، ونهائي كأس الجزائر، وتخريج دفعات بأكاديمية شرشال العسكرية، وليلة القدر، وصلاة عيد الفطر.

في البداية انتشرت أقاويل كثيرة عن وفاة بوتفليقة، لكن هذه الشائعات تراجعت تدريجيًّا في ظل الحديث عن وعكة صحية وعن دخول بوتفليقة لإحدى مستشفيات فرنسا.

الوضع الصحي المتردي لبوتفليقة منذ بضعة سنوات وغيابه المفاجئ هذا دفع عدد من أحزاب المعارضة إلى المطالبة بإعلان خلو منصب الرئاسة، وتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة.

فيدل كاسترو

 5

الزعيم الكوبي اختفى لفترة من الزمن عام 2009م.

ورغم أنه لم يعلم سبب الاختفاء هذا، إلا أن الترجيحات كلها صبت في اتجاه تعرضه لأزمة صحية.

صدام حسين

 6

في أعقاب بدء الهجوم الأمريكي على العراق عام 2003م عبر القصف بواسطة الطائرات، اختفى الرئيس العراقي لفترة طويلة عن الأنظار تمامًا.

تسبب هذا الاختفاء في إثارة الشائعات حول إما مقتله، وإما هروبه مع نجليه.

بعد أشهر من الغزو الأمريكي تم العثور على صدام حسين مختبئًا داخل حفرة صغيرة في إحدى المزارع.

معمر القذافي

 7

خلال الثورة الليبية عام 2011م، ظل القذافي يظهر في تسجيلات مصورة بشكل شبه مستمر مهددًا الثوار بالانتقام والانتصار عليهم، لكن أخباره انقطعت فجأة ولم يره أحد منذ سيطر الثوار على العاصمة الليبية طرابلس.

انتشرت الأقاويل والشائعات التي رجحت هروب القذافي إلى فنزويلا أو بين اختبائه في عدة أماكن داخل الأراضي الليبية.

في يوم 20 أكتوبر 2011م، تم القبض على القذافي مختبئًا في إحدى المواسير الخاصة بمشاريع الصرف الصحي التي لم تكتمل بعد.

استنتاجات

من هذه الحالات السابقة يمكننا ملاحظة أن غالبية الزعماء الديكتاتوريين يحبون الاختفاء بشكل غامض دون محاولة عرض السبب وراء اختفائهم لسبب غامض.

أيضًا نلاحظ أن جميع هؤلاء الزعماء عدا الرئيس الكوري الشمالي هم أشخاص طاعنين في السن، وبالتالي فإن غالبية أسباب اختفائهم تأتي نتيجة تعرضهم لمشاكل صحية.

عند تعرض زعيم دولة ما لثورة شعبية مسلحة أو إلى غزو أجنبي فمن الطبيعي جدًا أن يختبئ، هذا الذي كان يظهر بمظهر القوي الشامخ.

جميع الديكتاتوريين لا استثناء لا يحبون الظهور بمظهر الضعفاء أمام شعوبهم أو أمام العالم، وبالتالي فهم دائمًا ما يخفون أنباء تعرضهم لوعكات صحية.

المصادر

تحميل المزيد