تنفيذ الدول لأهدافها المعتادة، ليس أمرًا يسهل فعله على الدوام، وفي الوقت الذي يعد استخدام القوة الغاشمة مجازفةً خطرة؛ لا يبقى سوى سبيل واحد للسلطة كي تسلكه لتحقيق أهدافها: المماطلة القانونية، أو المناورة بإحداث ارتباك سياسي هادئ بقواعد دستورية في صفوف الشعب.

كان من المقرر أن تُجرى الانتخابات التشريعية الإثيوبية في 29 أغسطس (آب) 2020، لكن المجلس الانتخابي الوطني الإثيوبي قرر في 31 مارس (آذار) الفائت، تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى. هذا التأجيل لن يكون بالتأكيد قبل انتهاء فترة الحكومة الحالية، وهو ما أكده رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، بإعلانه أن حكومته باقيه في السلطة حتى إجراء الانتخابات.

دولي

منذ 9 شهور
جوهر محمد.. حليف آبي أحمد السابق الذي يهدد حكمه

التأجيل جاء في ضوء جائحة كوفيد-19، التي تضرب العالم الآن، وعليه استشهد المجلس الانتخابي في قراره بـ«لا تضر» الواردة في قسم أبقراط. إذ يرى المجلس أن تأجيل الانتخابات هو الحل الأفضل لحماية أرواح الإثيوبيين الذين سيشاركون في تلك الانتخابات سواء بالتصويت أو بالإدارة. القرار لاقى ترحيبًا واسعًا من قبل أعضاء المجلس الانتخابي، الذين هم للمصادفة أعضاء في الحكومة الإثيوبية الحالية، لكن على الجانب الآخر؛ أثار القرار سخطًا واسعًا وعدَّه معارضوه استيلاءً على السلطة مغلفًا بـ«كورونا».

على الرغم من الغضب الذي أثاره القرار لكنَّه لم يكن صادمًا أو مفاجئًا؛ فقد همس الإعلام الإثيوبي طويلًا بضرورة تأجيل الانتخابات حفاظًا على الأراوح، فلا تدري أيهما سبق الآخر، نية الحكومة في التأجيل فكان الإعلام تمهيدًا شعبيًّا للقرار الرسمي، أم أن الإعلام الحكومي هو الذي أيقظ ضمير اللجنة المنظمة للانتخابات.

الاحتمال الأقرب للحقيقة هو الأول؛ لأن الانتخابات كانت أُجلت بالفعل في مدينتي أديس أبابا وديرا داوا في 12 أبريل (نيسان) 2018 لأسباب أمنية. وأُجلت الانتخابات التشريعية إلى أغسطس بعد أن كان موعدها الرسمي في يونيو (حزيران) للسبب نفسه: حفظ الأرواح من جائحة كورونا.

Embed from Getty Images

وبإعلان التأجيل إلى أجل غير مسمى تدخل إثيوبيا أزمةً دستوريةً جديدة، فالدستور الاتحادي لا ينص على إمكانية منح أي تمديد لحكم الهيئات المنتخبة. لكن الحكومة الفيدرالية لا ترى في الأمر مشكلة، فهناك أربع طرق أمامها لحل هذا الإشكال الدستوري، أولها حل البرلمان تمامًا وتشكيل حكومة مؤقتة، وثانيها إعلان حالة الطوارئ، ومن ثم يصبح ممكنًا تمديد مدة أي منصب، وثالث الطرق هو تعديل الدستور، وآخرها هو إضافة مادة تفسيرية دستورية تبيح للحكومة ما تريد.

وعلى الرغم من تشعب تلك الطرق الأربعة؛ لكن حقيقتها تتلخص في طريقين فقط: تعديل الدستور ذاته، أو إعلان الطوارئ بموجب الدستور وفعل ما يلزم بموجب قانون الطوارئ. ويبدو أن كل الطرق تؤدي في النهاية إلى نتيجة واحدة، الحكومة الإثيوبية باقية والبرلمان المناصر لها مستمر.

الإثيوبيون مُرعَبون.. ديكتاتور جديد يُولد

كمواطن غير إثيوبي قد يبدو الأمر محسومًا بالنسبة لك، إذا كانت الصحة العامة في مقابل انتخابات تشريعية، وإذا كان الخروج للانتخابات يمثل تهديدًا مباشرًا على أرواح الآلاف، فسوف تختار الصحة ولن تبالي بالانتخابات طبعًا. لكن الأمر ليس بتلك السلاسة على الأراضي الإثيوبية، فالمفاضلة هنا بين حق أساسي في الحياة وحقوق أساسية أخرى كثيرة، مثل تقرير المصير، وحرية التنقل، والحكم الذاتي. كما أن الإثيوبيين لا يرون الأمر قصير المدى، فلا موعد محدد لنهاية جائحة كورونا وربط الانتخابات بنهاية الجائحة، يعني أنه لا موعد محدد للانتخابات، ومن المؤكد أنه ليس قريبًا.

كذلك فإن الحكومة الإثيوبية لا تفرض إجراءات صارمة فيما يتعلق بالجائحة، بل تكتفي، كالعديد من الدول، بفرض التباعد الجسدي وارتداء الأقنعة في الأماكن العامة، لتحافظ على العمل مستمرًّا في الهيئات الاقتصادية والصحية والوظيفية الأخرى. لهذا يشكك الإثيوبيون في نوايا حكومتهم، فلم تعرض عليهم الحكومة أي سيناريو آخر يتضمن إجراء الانتخابات مع الالتزام بقواعد الوقاية المتبعة في مناحي الحياة الأخرى. كما لم تضع الحكومة إطارًا زمنيًّا لتوقع ذروة الجائحة وانكسارها، كما لم تجب عن السؤال البديهي ماذا لو لم ينتهِ الأمر في غضون أشهر أو سنوات لاحقة؟

هذا الرعب الذي يتملك الإثيوبيين ليس من مجرد قرار نظري بتمديد فترة الحكومة الراهنة، بل من أن ذلك قد يعني صناعة ديكتاتور جديد، خاصة وأن رجل السلام الحاصل على نوبل فيه، قد طالت يده رقابهم وباتوا يعانون من أمورٍ ظنوا أنهم تجاوزوها كالقتل التعسفي، والاحتجاز غير القانوني. ثم جاءت جائحة كورونا لتستغلها الحكومة في جعل كل معاناة الإثيوبيين ومطالبهم أمرًا ثانويًّا سوف يجري الالتفات له لاحقًا، بعد نهاية جائحة وبائية يتوقع لها المتفائلون 18 شهرًا كي تنتهي بتوصل العالم للقاح، وإذا لم يوجد اللقاح فربما لن توجد نهاية.

Embed from Getty Images

النهاية الوحيدة التي يمكن أن تشهدها إثيوبيا هي نهاية الحكومة الحالية، على الرغم من أن أغلب استطلاعات الرأي كانت تُرجح كفة آبي أحمد، وكانت الجهات الفاعلة الدولية تتوقع أن يكون فوز آبي أحمد «سهلًا كالحرير». لكن مع هذا الأداء الرسمي والغضب الشعبي المتصاعد تضاءلت فرص الحكومة في الفوز بولاية ثانية، ولم تعد نتائج الانتخابات يقينيةً كما كانت سابقًا، لذا يبدو أن آبي أحمد أدرك أن الجائحة هي فرصته الأخيرة للبقاء في السلطة.

الديمقراطية: شفرة القمع المفضلة لحكام إثيوبيا

ربما لا يعي آبي أحمد أنه بذلك يتبع نهج كل الحكام الدمويين الذين سبقوه، في تصريحاتٍ له مؤخرًا قال إنه بينما يبذل قصارى جهده لمكافحة جائحة كورونا، يجب على الجميع أن يبذلوا قصارى جهدهم للحفاظ على الآمال المستمرة في التحول للديمقراطية. فالديمقراطية والصحة وجهان لعملة واحدة. لكن ما يبدو أن آبي قد أغفل أن الديمقراطية كانت هي القوة المحركة لجميع الحركات السياسية الإثيوبية السابقة.

الحركات الطلابية الإثيوبية في السبعينيَّات، والحزب الشعبي الثوري الإثيوبي، والحركة الإثيوبية، جميعهم كانوا ينادون بالديمقراطية لكنهم انخرطوا في عمليات الاغتيال المتبادل. قبل أن يأتي النظام العسكري فيسحقهم جميعًا، باسم السعي نحو «ديمقراطية اشتراكية». ثم حين وصلت الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي للحكم عام 1991 نادت بمصطلح «الديمقراطية الانتخابية»، لكنها طردت كل المنافسين، واتهمت أحزاب المعارضة بالخيانة، وقمعت كل المنتقدين.

ثم أن الاحتجاجات التي ضربت الشوارع الإثيوبية ووضعت آبي أحمد في كرسي الحكم؛ كانت قتالًا من أجل الديمقراطية. والآن أتت مرحلة الاختبار لآبي أحمد وطريقته في التعامل مع الاختلاف السياسي، ويبدو أنه يعتنق مذهب السابقين نفسه، «العنف لا التصويت». فمنذ لحظة توليه الأولى للمنصب في أبريل (نيسان) 2018، رغم أن حركاته السياسية لم تكن عنيفةً،  فإنه انتهج خطابًا عدائيًّا ضد جبهة التحرير الشعبية.

رصدت التقارير الرسمية لمنظمة حقوق الإنسان «هيومن رايتس ووتش» ذلك النهج الخطابي عند آبي أحمد، ورصدت ما هو أشد. في البداية قرر آبي أن يتجاهل الماضي، وأن يطوي الصفحة دون أن ينفذ مطالب المتظاهرين الذين جاءوا به، بالقصاص لهم من الأنظمة السابقة، ورحب بجميع المعارضين. ودعا لاحقًا إلى أن يغفر الجميع بعضهم لبعض، وأن يغلق الإثيوبيون فصول الأمس،  ويمضون قدمًا إلى المستقبل المشرق القادم من خلال التوافق الوطني. وعلى الرغم من أن في ذلك إهدارًا لحقوق آلاف الضحايا فإن الإثيوبيين وافقوا؛ لما قدمه آبي من وعود بمستقبل مختلف.

تقارير دولية تبحث عن رد رسمي ولا مُجيب

لكن حتى لجنة المصالحة التي أنشأها آبي أُنشئت دون مشاورات، ولا تمتلك تفويضات واضحة، ويفتقر العديد من أعضائها للخبرة التي تمكنهم من إجراء عمليات تقصي للحقائق. كذلك حين اعتقل مسئولين رفيعي المستوى بتهم فساد وانتهاكات حقوق الإنسان، بدت الاعتقالات مُسيسةً، وزاد من الشكوك حول تلك الاعتقالات أن الحكومة أسقطت تلك التهم مؤخرًا. كما رصدت تقارير منظمة أن إثيوبيا عانت في العامين الماضيين زيادةً من الاضطرابات وارتفاعًا لمعدلات العنف الطائفي، كما زادت حوادث التشريد وتدمير الممتلكات.

أما عن استجابة الحكومة لهذه الأحداث، فقد قالت المنظمة إن تعاطي الحكومة يظهر تراجعًا عن الحماسة الديمقراطية التي بدأ بها آبي حكمه، فقد وثَّقت المنظمة حوادث قتل وعنف واعتقال تعسفي ارتكبتها قوات الأمن الإثيوبية. كما وثَّقت إغلاق خطوط الهاتف وقطع شبكات الإنترنت في إقليم أوروميا، إبان المظاهرات الغاضبة التي شهدها. كذلك رصدت المنظمة اعتقالات غير مبررة لصحافيين معارضين وبعض زعماء المعارضة. بعيدًا عن تقارير المنظمة عن الاعتقالات المباشرة، فإن خطاب آبي أحمد ما يزال متمسكًا بمهاجمة جبهة تحرير الأورومو وجبهة تحرير التيجراي وإدانتهم بالعنف.

في خطابه يوم 7 مايو (أيار) الماضي، رد آبي أحمد على اعتراضهم على تفسيرات الحكومة المتعلقة بالإشكال الدستوري بخصوص تأجيل الانتخابات بأنه لا يمكن لتلك الجبهات أن تعرف النضال السلمي؛ لأنها لا تعرف سوى القمع المسلح.  وفي الخطاب نفسه تعجب من أنهم يمارسون القمع في أراضيهم ثم يطالبون بالديمقراطية في الحكومة الفيدرالية.

تصريحات لا يتضح منها هل يرى آبي أحمد أن خطأهم هو استخدام العنف في أقاليمهم، أم أنهم يطالبونه بالديمقراطية؟ وهل يرى أن عنفهم مبرر لعنف مضاد من قِبله؟ كذلك أدان الرجل الأحزاب الإثيوبية التي اتهمها بالتعامل مع القوى الخارجية، وأطلق عليهم أحزاب الـ«باندا»، ذلك المصطلح الذي أُطلق على الإثيوبيين الذين تعاونوا مع الغزاة الإيطاليين عام 1935.

ربما لا يرد آبي أحمد بذلك النوع من الخطاب على الانتقادات الداخلية، بل يوجه حديثه للخارجية. فمثلما أصدرت «هيومن رايتس ووتش» تقريرًا عن الأوضاع في إثيوبيا، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرًا مشابهًا في 29 مايو 2020. يقول التقرير إن قوات الأمن الإثيوبية اعتقلت قرابة 10 آلاف فرد، اعتقالًا دام لشهرين دون توجيه أي تهم، في ظروف وصفتها المنظمة بالتعذيب. وطردوا عائلات كاملة من منازلهم، وأن بعض تلك المنازل أُحرق ودُمر. كذلك تحدث التقرير عن بعض حالات العنف الطائفي التي استهدفت فيها قوات الأمن أقليات عرقية مثل أقلية «كيمنت». وقُتل منهم 130 فردًا عام 2019 على يد قوات الأمن، منهم 58 شخصًا في 24 ساعة فقط، ودفنوا في مقبرة جماعية.

الانتهاك غير المرئي.. أجور منخفضة وظروف قاسية

التقرير يمتد على خط زمني يبدأ في أواخر عام 2018 حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2019، ولم تُعلق الجهات الرسمية الإثيوبية على أي حادثة وردت فيه بالنفي أو الإثبات. ولم يعلق آبي أحمد على رصد منظمة العفو الدولية لنزوح 80 ألف مواطن من منطقة جوجي في إقليم أوروميا؛ نظرًا إلى اشتعال العنف فيها، الذي زادت حدته بعد اغتيال قوات الأمن لمسئولين محليين وقادة مجتمعيين. التقرير قال إن المنظمة لديها 39 اسمًا لأشخاص أُعدموا بشكل غير قانوني داخل منطقة جوجي، منذ بداية يناير (كانون الثاني) 2019. كما أن لديها قائمة بـ13 فردًا آخرين قتلهم جنود الجيش الفيدرالي في مدينة فينشاوا غرب جوجي، من بينهم بائعة لبن مُسنَّة.

حادثة أخرى رصدتها منظمة العفو الدولية وأعلنتها في 29 مايو 2020 أيضًا، لكن في سياق منفصل، أن رجلًا قد قُتل لأن هاتفه رنَّ. الجيش الإثيوبي دعا لاجتماعٍ عام في إحدى مناطق أورميا، وجُمعت هواتف جميع المشاركين، لكن في وسط الاجتماع رن أحد الهواتف الموجودة في السلة المجموع فيها الهواتف، فطلب جندي من صاحب الهاتف أن يتقدم ليلتقط هاتفه، وفور قيام أحدهم أطلق الجنود عليه رصاصتين في الظهر.

الانتهاكات العنيفة التي يرتكبها رجل نوبل للسلام تخفي تحتها انتهاكات أقل دمويةً لكنها أشد قسوة؛ حقوق العمال. فخلال العامين اللذين حكم فيهما آبي أحمد أصبحت إثيوبيا واعدةً من حيث معدلات النمو الصناعي، لكن أساس هذا النمو كانت أجور العمال المتدنية. فالعمال الإثيوبيون حصلوا على أقل الأجور في العالم، أقل من أي دولة أفريقية أخرى، وأقل حتى من دول جنوب شرق آسيا المشهورة بعمالتها الرخيصة.

Embed from Getty Images

جوهر محمد

يأتي هذا الاستغلال مُغلَّفًا بخطاب آبي أحمد عن الوطنية والصمود، وأن الإثيوبي الحقيقي هو من يعمل في صمت. وفي حالة الانهيار الاقتصادي المصاحبة لجائحة كورونا فمن المتوقع أن تنخفض الأجور أكثر، ما سيولد صراعات أكثر، خاصةً وأن الغلاف الوطني الذي قدَّمه آبي أحمد، وكللته نوبل للسلام، قد بدأ بالتلاشي وأخذ الإثيوبيون ينظرون إلى الرجل بوصفه حاكمًا آخر يحاول أن يستبد بالحكم للأبد.

الإمارات.. عَرَض أم مَرض؟

من التغييرات التي يمكن بها المقارنة بين آبي أحمد في 2018 وبين آبي 2020 موقفه من الإمارات. ففي 2018 طلب آبي أحمد من ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، مساعدة الإمارات في إنشاء معهد ديني في أديس أبابا، وسأله ماذا يمكنكم كإماراتيين تقديمه لنا؟ أجاب ابن زايد بأن الإمارات مستعدة لفعل أي شيء وستقوم بـ«تعليم» الإثيوبيين.

فقاطعه آبي أحمد بحدة قائلًا «لا حاجة لنا بأن تعلمونا الإسلام، فقد ضاع منكم، ما نريده منكم أن تعلمونا اللغة العربية سريعًا لنفهم الإسلام الصحيح جيدًا، ثم نعيدكم أنتم أيضًا إلى الطريق الصحيح».

تصريحات صريحة تفتقر للدبلوماسية، وتنم عن عداء واضح، لكنها لم تكن التصريحات الأولى. ففي منتصف يوليو (تموز) 2018 كذَّبت وزارة الخارجية الإثيوبية زعمًا رسميًّا إماراتيًّا بأن للإمارات دورًا في الصلح التاريخي بين إثيوبيا وإريتريا. أيضًا في ذروة الأزمة الخليجية مع قطر، والتي مارست فيها السعودية والإمارات ضغطًا على الدول كي تقاطع قطر، وقفت إثيوبيا ضد هذه الضغوط ودعمت الوساطة الكويتيَّة لحل الأزمة.

تمر الأيام ويتبدل موقف آبي من الإمارات كما تبدلت مواقفه من أمور عدة، فكتب عدة تغريدات في ديسمبر (كانون الثاني) 2019 يشيد بدور الإمارات والسعودية في دعم أديس أبابا. وأعلن في أول يناير (كانون الثاني) 2020 عن اندهاشه بحكمة ابن زايد وقيادته. ثم بعد أسابيع قليلة، وتحديدًا في 13 فبراير (شباط) 2020 وصل آبي أحمد إلى الإمارات ليخاطب منها كل إثيوبيي الشرق الأوسط، فالإمارات في رأيه «أرض التسامح» وعاصمة السلام العالمية.

لا وجود لدلائل واضحة يمكن الاستناد عليها لربط التغيُّر في شخصية آبي وسياسته باتجاهه للإمارات حليفًا استراتيجيًّا، ولا يمكن القول بشكل مؤكد ما إذا كان التحالف مع الإمارات هو السبب في ذلك التغيُّر، أم أن ذلك التحالف ليس إلا عرضًا جديدًا لتغيُّر آبي، لكن المؤكد في المشهد، ويبرهن عليه الواقع المشهود، أن آبي أحمد الذي حصل على نوبل للسلام منذ شهور، ليس هو آبي أحمد الذي يحكم إثيوبيا اليوم. فآبي 2018 كان صديقًا وفيًّا لجوهر محمد، مهندس نجاحه الانتخابي، لكن آبي أحمد نسخة 2020؛ يحاصر بيت صديقه ويُعرِّض به في الإعلام.

«نيويورك الإثيوبية» تحتضن ألف جورج فلويد

الثابت الوحيد حتى الآن هو سعي آبي الحثيث لإتمام سد النهضة رغم أي شيء، وفي تلك الأزمات المتتابعة يبدو السد ملاذه الوحيد. فسد النهضة هو الطاولة التي تجمع كل فرقاء إثيوبيا، ويساند فيها الجميع آبي أحمد، لذا إذا نجح الرجل في ملء خزانات السد في أغسطس 2020 كما هو مقرر، فقد يفوز في الانتخابات بأريحية شديدة كونه حافظ على صورته زعيمًا مخلِّصًا للشعب وعنائه، وينقل اهتمام الإثيوبيين عن الصراعات الداخلية لصراع خارجي بمثابة معركة وجود.

لكن إذا رضخ للضغوط المصرية والدولية وأظهر تراجعًا في ملف السد، فيعني أن آبي قد خسر جميع أوراقه، لذا في الغالب سوف تشهد أزمة سد النهضة اشتعالًا أشد في الأيام القادمة.

Embed from Getty Images

و«نيويورك الإثيوبية» سوف تبقى شاهدةً على كيف تحول آبي أحمد. فمدينة «أمبو» مركز الاحتجاجات الطلابية التي جعلته رئيسًا للوزراء، أكبر مركز لعرقية الأورمو الأكثر في البلاد؛ لكن لم يصل منهم أحد للسلطة يومًا، فحملوا آبي، ابن عرقيتهم، للسلطة. وفور توليه زار المدينة وخطب فيهم قائلًا سوف نبني في أمبو تمثال الحرية خاصتنا، سوف نجعلها «نيويورك إثيوبيا». وفي فبراير 2019 زارها في فعالية لجمع التبرعات، فخلع ساعته وباعها مقابل 5 ملايين بِر (155 ألف دولار أمريكي) لصالح مشروعات تنمية المدينة.

مؤشر ثانٍ على أن آبي ليس كمن سبقوه، لكن مر العام ولم تشهد المدينة الواقعة على بعد 100 كيلومتر فقط من العاصمة أي تطور، بل على النقيض. بدأت الشكاوى ترتفع من عودة وحشية الشرطة، وأُجبر فيها رجلان على الركوع أمام ستة أفراد من الشرطة ثم ضُربا. وحادثة أخرى سُحل فيها شابان واقتيدا إلى قسم الشرطة. بل انتشر في أمبو أفراد شرطة يحملون مقصات للشعر يحلقون رؤوس أي شاب أطلق العنان لشعره.

لتصبح أمبو في الأذهان بالفعل، تمثال الحرية الإثيوبي، لكن وهو يخنق جورج فلويد بركبته. وإذا لم يكفِّر آبي عن أخطائه، أو يحقق نجاحًا خارجيًّا ساحقًا، فربما سوف تُخلد في الأذهان صورته كديكتاتور جديد لا رجل سلام وتسامح، سبق وأن أشاد العالم بجهوده!

منذ 8 شهور
«واشنطن بوست»: آبي أحمد يؤسس لنخبة حاكمة جديدة.. كيف يبدو مستقبل إثيوبيا؟

المصادر

تحميل المزيد