في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 نطقت محكمة مصرية بحكم البراءة في حقّ الرئيس المخلوع حسني مبارك ونجليه، بالإضافة إلى وزير داخليته المتّهم بقتل المتظاهرين، وذلك بعد أربع سنوات من اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2011 التي نجحت في إسقاط مبارك، اللحظة التي مثّلت أقصى انتصارات الثورة المصرية. 

رأى الكثيرون أن النطق ببراءة مبارك، لحظة تعبّر عن انتكاسة الثورة المصرية، خصوصًا أنّه في الوقت الذي استفاد الرئيس مبارك ورجاله من حكم البراءة، كان الآلاف من المعتقلين الذين هتفوا قبلها بسنوات ضد مبارك خلف قضبان السجن.

يعيش الحراك الجزائري الآن مشهد شديد المطابقة، بعد حوالي سنتيْن من انطلاقه، فقد حكمت أمس السبت، الثاني من يناير 2021 المحكمة العسكرية بالبليدة، ببراءة كلّ من الجنرال محمد مدين المعروف بـ«الجنرال توفيق»، قائد المخابرات السابق، وسعيد بوتفليقة شقيق الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وبشير طرطاق المنسّق السابق للمخابرات، ورئيسة حزب العمال لويزة حنون، وهذا بعد إعادة محاكمتهم مرّة أخرى!

وجدير بالذكر أنه كان قد حُكِم عليهم في المرّة الأولى بأحكام تراوحت بين 15 و20 سنة سجنًا، بتهمة التآمر على سلطة الدولة والجيش، وذلك في الوقت الذي يتواجد فيه حوالي 90 معتقلًا في السجون الجزائرية بتهم مرتبطة بالحراك الشعبي.

«ديجا فو» الثورة المصرية.. كيف وصل الحراك الشعبي الجزائري إلى هذه النقطة؟

ينبغي في البداية التأكيد على محدودية دقّة المقارنات بين مختلف التجارب الثورية العربيّة، بالخصوص بين الجزائر ومصر في هذه الحالة، فمع كثرة التشابهات بين الحالتيْن والدور الكبير الذي تلعبه المؤسسة العسكرية في الساحة السياسية في البلديْن، إلا أن النموذجيْن بهما اختلافات كبيرة.

الربيع العربي

منذ سنتين
هل القايد صالح «قائد صالح» فعلًا؟

ففي حين نجحت الثورة المصرية في فرض مشروع انتقال ديمقراطي من خلال انتخابات برلمانية ورئاسية اتّسمت بالنزاهة إلى حدّ كبير؛ اكتفى الحراك الجزائري بإجبار بوتفليقة على الاستقالة، ليصعد إلى المشهد قائد أركان الجيش السابق أحمد قايد صالح، ويصبح رجل المرحلة، بين فترة استقالة بوتفليقة في أبريل (نيسان) 2019؛ إلى وقت انتخاب الرئيس الجديد عبد المجيد تبّون في ديسمبر (كانون الأول) من السنة ذاتها، ثم وفاته المفاجئة!

مؤسسة عسكرية قاومت التغيير

استطاع الحراك الشعبي في الجزائر الاستفادة من الانقسام الحاصل في السلطة بين جناح قيادة الأركان والرئاسة والمخابرات، من أجل إجبار السلطة على التخلي على الرئيس بوتفليقة وإلغاء العهدة الخامسة.

فبعد تفاقم الخلافات بين قائد الأركان قايد صالح، وكل من شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة، وقادة المخابرات حول من يدير المرحلة الانتقالية بعد بوتفليقة؛ ألقى قائد الأركان خطابًا من الثكنة العسكرية مطالبًا بتطبيق المادة 102 التي تفيد بإعلان شغور منصب رئيس الجمهورية بسبب المرض أو الوفاة، وانتهى هذا الصراع باستقالة بوتفليقة، وإدخال الأطراف المُنافسة لقيادة الجيش السجن. 

لكن قيادة الأركان كانت ترى أن التغيير السياسي ينبغي أن يتوقّف عند هذا الحدّ، ولم تكن لتقبّل أي تغييرات هيكلية في طبيعة النظام نفسه، بل رأت أن تغيير الأشخاص، وإدخال من ثبت في حقّهم قضايا فساد من رؤساء سابقين وقيادات في الدولة السجن، كفيل بإرضاء الحراك الشعبي وإنهائه.

لذلك شهدت الفترة ما بعد استقالة بوتفليقة حملة اعتقالات في صفوف المسؤولين السابقين هي الأكبر في تاريخ البلاد؛ ولم يزل عدد من هؤلاء المسؤولين السابقين خلف قضبان السجن، من بينهم رؤساء الحكومات السابقين أحمد أويحيى، وعبد المالك سلال، وغيرهم. 

رفضت قيادة الجيش أي حوار مع الطبقة السياسية بحجّة عدم تورّط الجيش في السياسة، وكان واضحًا أن هنالك اتجاهًا أحاديّ الرؤية يرفض أي مشاركة أو مقاسمة للسلطة مع جهات ممثّلة للحراك، إذ اكتفى الجيش بقيادة الفريق أحمد قايد صالح بإستراتيجية «الانتخابات والاعتقالات»، من خلال إجراء انتخابات رئاسية في ديسمبر 2019، تقول المعارضة إنها لم تتوفّر فيها شروط النزاهة والشفافية اللازمة؛ والاستمرار في حملة الاعتقالات ضد المسؤولين السابقين المتهمين بقضايا فساد. 

هذا التعنّت في التعامل مع الحراك الشعبي الحورفض أية مساعٍ للحوار أو التفاوض، جعل الهوّة تتسع شيئًا فشيئًا بين القيادة العسكرية – التي رحّب جزء معتبر من الحراك بقراراتها في البداية – ليصل إلى حدّ القطيعة، خصوصًا بعد بداية الاعتقالات في صفوف الحراكيين، وخطابات قائد الأركان السابق المهاجمة لهم.

الاكتفاء بمسيرات الجمعة حوّلها إلى روتين أسبوعي

العامل الآخر الذي جعل الحراك الجزائري يراوح مكانه ويفشل في الوصول إلى التغيير المنشود؛ هو استخدامه إستراتيجية واحدة لا تتغيّر في الضغط على السلطة، وهي المظاهرات الأسبوعية كل جمعة، فرغم المثابرة الكبيرة والاستمرارية التي شهدتها هذه المظاهرات وانتشارها في كل أنحاء البلاد، وليس فقط في العاصمة – لم تتوقف إلا بفعل الحجر الصحي الذي فرضته جائحة كورونا – فإن هذه الإستراتيجية أثبتت محدوديّتها في الضغط على السلطة، وتحوّلت إلى «ورقة محروقة». 

عجز الحراك الجزائري عن خلق أشكال أخرى من الضغط والاحتجاج ضد السلطة، كالإضرابات والاعتصامات وغيرها، والاكتفاء بالمسيرات التي تحوّلت إلى روتين أسبوعي بدل تنويعها، جعل السلطة تمتصّ الصدمة الأوّلية التي شهدتها في الشهور الأولى للحراك، وتكتفي بالسماح لهذه المسيرات الأسبوعية بالنشاط ومراقبتها من بعيد، مع تعتيم إعلامي شديد ومنع القنوات التلفزيونية العمومية، والخاصة من نقل صور المسيرات.

وبالرغم من أن الأعداد لم تعد إطلاقًا بالحجم نفسه الذي ظهرت فيه في الشهريْن الأوّلين للحراك، حيث شهد مشاركة مليونيْة وحشدًا شعبيًا استثنائيًا ضد العهدة الخامسة، لكن حجم المسيرات بقي كبيرًا ومنتشرًا في عدة جهات من الجزائر، بحيث بقيت مصدر إزعاج للسلطة. 

يُذكر أنّ الحراك الشعبي شهد تصعيدًا ملحوظًا قبل أسابيع من فرض الحجر المنزلي في مارس (أذار) 2020، تمثّل في احتجاجات يوم السبت بالإضافة إلى الجمعة، شهدتها بعض المدن الكبرى، وقد تعاملت قوّات الأمن مع هذه المسيرات بحملة قمع كبيرة؛ مما قد يوحي إلى حجم تأثير هذه الاحتجاجات، ورغبة السلطة في أن تبقى المسيرات مقتصرة على يوم الجمعة لا غير.

قيادة غائبة وهجمات إعلامية منظّمة

العامل الآخر الذي جعل الحراك الشعبي الجزائري يراوح مكانه هو غياب القيادة السياسيّة التي تحمل مطالبه في وجه السلطة، فبسبب التخوّف من الاختراقات، أو اختطاف الحراك من طرف أقلية تسعى إلى السلطة، كان هنالك رأي سائد يحذّر من هيكلة الحراك، وتنظيمه، وتشكيل قيادة وطنيّة له؛ وذلك بسبب التجارب السابقة شهدتها الجزائر، إذ استطاعت السلطة «تجنيد» ممثّلي حركات شعبية وشراء ولائهم بالأموال والمناصب.

بالتوزاي مع ذلك انتشرت حملات إلكترونية في وسائل التواصل الاجتماعي على تشويه أيّة شخصية مرشّحة للعب دور تمثيلي لصالح الحراك، من خلال فبركة صور، أو اتهامات بالعمالة لجهات أجنبية، والتي راح ضحيتها العديد من وجوه المعارضة، ومنع خلق حالة من الإجماع حول شخصيات يمكنها لعب دور الوسيط بين الحراك، والسلطة الفعلية المتمثّلة في الجيش. 

من جهة أخرى جرى استخدام الإعلام بشكل فعّال من أجل وأد الحراك الشعبي الجزائري وإشغاله بصراعات ونقاشات جانبيّة.

Embed from Getty Images

فقد استطاعت الدعاية التي قادتها السلطة في الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي أن تفرض «عُزلة شعورية» بين المشاركين في الحراك وباقي الفئات الشعبية، من خلال التفريق بين «الحراك الأصيل» الذي شارك فيه الشعب في بداياته، والذي كان مُقتصرًا على المطالبة برحيل بوتفليقة، وبين المسيرات التي استمرّت والمطالبة بالتغيير العميق؛ وذلك من خلال اتهام هؤلاء بالتطرّف وعدم الواقعية وتهديد استقرار البلاد.

ليس هذا فحسب، بل انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي منشورات عنصرية تحضّ على الكراهية من أجل تأجيج صراعات على أساس عرقي وأيديولوجي بين العرب والأمازيغ، أو بين التيارات المحافظة والعلمانية.

هل انتهى الحراك الشعبي الجزائري؟ النشطاء يجيبون

لكن ما رأي الفاعلين في الحراك حول فشله من عدمه، أو احتمال انتهاء هذا الفصل الاستثنائي من تاريخ الجزائر بعد حُكم البراءة؟ ترى نُزهة خلالف، واحدة من قيادات الحراك الطلاّبي في جامعة قسنطينة بأن الحراك الشعبي الجزائري لم يقُل كلمته الأخيرة بعد.

وتضيف: «الحراك لم ينتهي لأن دوافع ومحفزات وجوده لا تزال موجودة، ولأن الموجة الأولى من الحراك – إن صح التعبير – رفعت العزلة التي كان يشعر بها المعارضون في السابق، وسمحت بتشكّل نواة شعبية معارضة، هي على تواصل دائم ببعضها، وتراقب باستمرار ما يصدر عن السلطة وتستغل هفواتها لتعزيز موقفها الراديكالي منها».

عربي

منذ 7 شهور
ما أشبه اليوم بالبارحة.. 4 ملفات تعيد إلى أذهان الجزائريين شبح سنوات بوتفليقة

تضيف نزهة خلالف أن عودة المسيرات الشعبية قريبة بمجرد انتهاء الجائحة الصحيّة و«إن كان خروج الشعب ضد الخامسة مستبعدًا في بدايات 2019، فعودة الحراك بمجرد رفع إجراءات الحجر أمر وارد جدًا».

لكن هل حكم البراءة الصادر في حق القيادات السابقة دليلًا على نهاية الحراك بشكل رسميّ؟ تضيف نزهة: «على العكس، أعتقد أن اطلاق سراح هؤلاء سيلفت انتباه الرأي العام والمترددين إلى مساجين الحراك وسيسقط الطرح القائل بأن الحراك صناعة مخابراتية (توفيقية)».

المصادر

تحميل المزيد