“المتهم بريء حتى تثبت إدانته” قاعدة قانونية شهيرة في القانون المصري، ولكن في بعض الأحيان تتجاوز أجهزة الأمن وتقفز على “ثبوت الإدانة” من التحقيقات، وتصفي المتهم جسديًّا وهو في ذمتها، لأسباب سياسية.

ويعرف مصطلح “التصفية الجسدية” بـ”التخلص من الخصم بالقتل أو الاغتيال”، وسنركز على في هذا التقرير الوقائع التي تتلخص في “قتل معارض وهو في ذمة الأجهزة الأمنية أو اغتياله من قبلها” ومدى صحة تلك الوقائع بعرض الآراء المتباينة حولها، وليست تلك الوقائع المرتبطة باشتباكات في الاحتجاجات والتظاهرات، أو الوضع في سيناء نظرًا للتعتيم الإعلامي حوله.

وسيحوي التقرير أبرز تلك الوقائع في فترات رئاسة: “عبد الفتاح السيسي” إلى “جمال عبد الناصر” مرورًا بـ”عدلي منصور” و”محمد مرسي” و”المجلس العسكري” و”حسني مبارك” و”أنور السادات”، وكيف أثرت تلك الحوادث على المشهد ودفعت بعضها لقيام انتفاضات أدت إلى الإطاحة بالحكام، أو انجرار جماعات معارضة إلى استخدام السلاح في مواجهة السلطة :


1- عبد الفتاح السيسي

 

تعددت الوقائع التي يشتبه في أن تكون “تصفية جسدية” للمعارضين في عهد السيسي، وتزامن عدد من تلك الوقائع مع أحداث هامة كذكرى أحداث 25 يناير 2011 وأحداث 30 يونيو 2013.

(1)


في 1 يوليو 2015 بينما كانت الحرب دائرة في سيناء بين الجيش المصري وتنظيم بيت المقدس، أعلنت وزارة الداخلية – الـ1 بعد الظهر- على صفحتها الرسمية على الفيس بوك: “
أسفرت نتائج الجهود الأمنية لإجهاض مخططات وتحركات أعضاء لجان العمليات النوعية بتنظيم الإخوان الإرهابي والتي تستهدف قوات الجيش والشرطة والمنشآت الهامة والحيوية عن ضبط (9) من أعضاء تلك العناصر”.

وفي الساعة 4 بعد العصر، تم الإعلان عن “تصفية 9 من قيادات الإخوان المسلمين بشقة بمدينة 6 أكتوبر” بزعم تخطيطهم لعمليات نوعية ضد الجيش والشرطة والمنشآت العامة.

وفي الـ8 مساءً أعلنت الصفحة الرسمية لـ”الداخلية”: أن الـ9 تم قتلهم نتيجة تبادل إطلاق النيران الذي أسفر عن إصابة 3 من قوات الشرطة” مرفقة بصور للأسلحة وهي بجانب عدد من المقتولين.

وفي المقابل فقد اتجهت الرواية المعارضة إلى أن قوات الأمن التي جاءت لاعتقال الـ”9″ صفتهم جسديًّا، ولم يكن بسبب تبادل إطلاق نار نظرًا لعدم وجود آثار لذلك في العمارة أو الشقة، وأن صور الأسلحة التي كانت بجوار الضحايا تم وضعها بعد القتل لحبك المشهد من قبل قوات الأمن.
وبعد ذلك وصل عدد القتلى إلى “13” وفقًا لتقارير صحفية لم تنفها الداخلية، وتحدث بيان جماعة الإخوان المسلمين: أن “تصفية 13 من قياداتها بدم بارد” بمدينة السادس من أكتوبر غربي القاهرة تحول له ما بعده، ويؤسس لمرحلة جديدة لا يمكن معها السيطرة على غضب القطاعات المظلومة المقهورة التي لن تقبل أن تموت في بيوتها وسط أهلها”.

 

(2)

 

في مشرحة زينهم وسط جثث القتلى تبين – في 2 يوليو 2015- وجود جثة موجودة منذ يوم 28 يونيو ولم يتسلمها أهلها منذ ذلك الحين لعدم إعلان السلطات عنها، كانت هذه الجثة للقيادي الإخواني ورجل الأعمال “طارق خليل”، وتحدث نجله بعد استلام الجثة بأن على جثته آثار التعذيب مشيرًا إلى قتله تحت التعذيب عقب اعتقاله.
ومن جانبها، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين على لسان متحدثها الرسمي أن قوات الأمن المصرية قتلت القيادي بالجماعة ورجل الأعمال طارق خليل، بعد أسبوعين من اختفائه قسريًّا.

وكانت قوات أمنية تابعة للجيش والشرطة قد اختطفت عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين محمد سعد عليوة وطارق خليل في أول يوم من رمضان، بينما كان يرافق د. عليوة إلى المشفى حيث كان يعاني من أزمة صحية.


وقد تعرض الاثنان بعد اختطافهما لتعذيب شديد في مقر احتجاز سري تابع للجيش لم يتحمله خليل وتوفي على أثره، وذكرت المصادر أنه تم إخفاء جثمان خليل في مشرحة زينهم وسط القاهرة منذ خمسة أيام.


وأوضح محمد طارق خليل، في تصريحات صحفية أن العائلة لم تكن تعلم شيئًا عن مكان وجوده منذ أسبوعين، حين اعتقلته السلطات برفقة عليوة في الأول من رمضان.


وأكد نجل طارق خليل أن جثمان والده عليه آثار تعذيب شديد، وأنه قد تم تشريحه دون علم العائلة، مشيرًا إلى أن الجثمان بقي في المشرحة من يوم 28 يونيو/ حزيران، حتى 3 يوليو/ تموز، دون إخطار العائلة بشيء.


وأضاف أن الجثمان أتي به من مستشفى قصر العيني عن طريق مركز شرطة مصر القديمة، وقال محمد إن هذا يحدث في “دولة الظلم والقهر حيث لا احترام لأي شيء”.

ومن جهتها- وحتى مثول التقرير للنشر- لم تصدر وزارة الداخلية بيانًا بهذا الشأن.


(3)

 

 

“أنا زميل إسلام صلاح عطيتو، وكنت معه داخل لجنة الامتحانات يوم اعتقاله وقتله، وقد أنهى الامتحان مبكرًا وخرج من اللجنة ليتم اعتقاله مباشرة”.


بهذه الكلمات روى الطالب في الفرقة الرابعة بكلية الهندسة في جامعة عين شمس المصرية إسلام أبو المعارف شهادته في قضية مقتل زميله إسلام صلاح على يد قوات الأمن.

 

وأضاف أبو المعارف: “أثناء الامتحان دخل اللجنة شخصان مجهولان وبدآ البحث في أسماء الطلاب حتى وصلا إلى إسلام صلاح وسألاه: هل أنت إسلام؟ فأجاب نعم، فطلبا منه التوجه إلى إدارة شؤون الطلاب بالكلية بعد انتهاء الامتحان، وكانت هذه آخر مرة نرى فيها إسلام”، وهو ما يتسق مع بيان اتحاد طلاب هندسة عين شمس.

 

ومن جهتها أعلنت وزارة الداخلية الأربعاء 20 مايو: “أن أجهزة الأمن بالقاهرة، تمكنت بالتنسيق مع قطاع الأمن الوطني والأمن العام، 19 مارس، من تصفية المتهم الرئيسي في واقعة اغتيال العقيد وائل طاحون مفتش مباحث الأمن العام لمنطقة شرق القاهرة، الذي جرى اغتياله في 22 أبريل الماضي، وأن ذلك تم بعد تبادل إطلاق الرصاص مع المتهم، في أحد الدروب الصحراوية بمنطقة التجمع الخامس”.


وهو ما فنده زميل إسلام “فوجئت كباقي الزملاء بإعلان وزارة الداخلية أنها قتلت إسلام بعد مداهمة وكر كان يختبئ بداخله في صحراء التجمع الخامس، بعد أن بادر بإطلاق النار على قوات الأمن”، مشددًا على أن زميله في الدارسة كان شخصًا محترمًا وبشوشًا، ولم يكن يومًا عنيفًا.

والجدير بالذكر أن دكتور المادة – محمد حسن سليمان- كان قد سلم ورقة إجابة إسلام للنيابة العامة لإثبات حضوره للامتحان، قبل الإعلان عن مقتله، وأكد أنه يستحق تقدير “جيد جدًّا” وسخر على “الفيس بوك”: واضح إن الكهف اللي كان مختبئ فيه كان مكيف والجو فيه يساعد على التركيز”.

 

(4)

 

قبل مقتل “عطيتو” بـ3 أيام، قامت قوات بتصفية جسدية لاثنين من معارضي النظام في حلوان، وقالت الداخلية في بيانها إنهما “مسؤولان عن عملية زرع عبوة ناسفة أسفل سيارة القاضي معتز خفاجة رئيس محكمة جنوب القاهرة، والذي ينظر قضايا مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين”.

 

وهو ما دفع منظمة “هيومن رايتس مونيتور” بإرسال شكوى عاجلة إلى المقرر الخاص بالقتل خارج إطار القانون في الأمم المتحدة، أكدت فيها أنها وثقت خمس حالات قتل خارج إطار القانون قامت بها قوات الأمن المصرية خلال أقل من أسبوع.

وتساءلت المنظمة: “هل اعتبرت الشرطة المصرية نفسها قاضيًا وجلادًا بالإضافة إلى عملها، وباتت تتحرى عن الجريمة وتصدر حكمًا وتنفذه في آنٍ واحد؟”، مشددة على أن من حق كل متهم أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة.


(5)


في منتصف مارس الماضي أعلنت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات عن قيام قوات الأمن بقتل المواطن “أحمد محمد جبر”، والذي يعمل مهندسًا، بمنزله الكائن بمنطقة سيدي بشر بمحافظة الإسكندرية، بإطلاق الرصاص الحي عليه مباشرة أمام طفليه، واصطحاب جسمانه إلى مكان مجهول، واعتقال زوجته “آلاء سعد”، ولم تنف الداخلية تلك الرواية، وفي واقعة متشابهة، قتل المواطن “سيد شعراوي” بإطلاق 13 رصاصة حية عليه في منزله في قرية ناهيا بمحافظة الجيزة، واتجهت الرواية الرسمية إلى أن “الشعراوي” كان مسلحًا وقاوم السلطات عندما جاءت لاعتقاله وأظهرت صور السلاح بجوار جثته، ولكن ظهر في الفيديو أحد أفراد الداخلية وهو يضع مسدسًا بجواره، مما يظهر “تلفيق” السلاح بحسب معارضين. شاهد الفيديو:
[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=fjKdm0MJdiQ” width=”800″ height=”450″ ]


(6)


في إعادة للأذهان لواقعة مقتل الشاب السكندري خالد سعيد الذي اتجهت خلالها المصادر الرسمية آنذاك لإدانته على عكس رواية المقربين منه على أنه قُتل تحت التعذيب، تكرر نفس السيناريو في عام 2015؛ مما أودى بحياة 6 معارضين بمحافظات: دمياط، بورسعيد، البحيرة، الشرقية، في أوقات مختلفة بدأت منذ الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير، ويبدو أن الاهتمام الإعلامي بالرواية الرسمية وتجاهل شهادات المقربين من الذين لقوا مصرعهم، كان من العوامل التي ساعدت على تكرار تلك الواقعة التي كان آخرها 21 مارس الماضي.

 

وتتلخص وقائع قتل المعارضين الـ6، في اعتقال قوات الشرطة للمعارض الذي يشارك بالتظاهرة ثم قتله رميًا بالرصاص أو تحت وطأة التعذيب، يلي ذلك أن تفجير جثمانه بالقرب من إحدى المؤسسات الحكومية، على أن يعلن في وسائل الإعلام خبرًا تحت عنوان: “مقتل إرهابي أثناء محاولة زرع قنبلة”، ودائمًا لا يسفر ذلك الانفجار عن أي خسائر بشرية أخرى من المدنيين أو الشرطة.

 

ففي مساء 21 مارس 2015 – الساعة 9:05- نقل موقع “اليوم السابع” خبرًا يفيد بوفاة شخصين وإصابة آخر بالقرب من مبنى الحماية المدنية القديم بقرية الإبراهيمية بمحافظة الشرقية.


وبعد مرور دقائق، أكد اللواء مليجي فتوح مليجي، مدير أمن الشرقية، في الساعة 9:46، أن الشخصين اللذين لقيا مصرعهما في انفجار قنبلة بجانب مبنى الحماية المدنية بالشرقية، هما من قاما بزرع القنبلة، زاعمًا – بحسب “اليوم السابع”- أنها انفجرت أثناء قيامهما بزرعها بالقرب من مبنى الحماية المدنية القديم، وبجوار مبنى السجل المدني بالإبراهيمية في الشرقية بهدف تفجير جراج سيارات النظافة بالمنطقة.



“أنا أشهد ربي أن جهاد أحمد، ابني ده راجل حر بيحب مصر، أنا تبرعت بيه لربنا، والله قادر أن ينتقم.. وحسبي الله ونعم الوكيل”، بصوت مبحوح وعين دامعة علق والد جهاد، أحد الأشخاص الذين لقوا مصرعهم في قرية الإبراهيمية إحدى قرى الشرقية، في 23 مارس عقب مشاهدته لجثة ابنه.

 

ويسرد والد جهاد ما رآه: “إحنا لقينا جهاد في جسمه رصاص، واتعملنا مشاهدة علشان نتعرّف على جثته، لقيت ابني مضروب بالنار”، نافيًا رواية وزارة “الداخلية” في هذا الصدد.

 

وتساءل مستنكرًا: “جهاد ضرب نفسه بالطبنجة اللي معاه قبل ما يفجر القنبلة؟ ولا اتضرب بالنار واترمت عليه القنبلة؟ ولا هو بعد ما اضربت عليه القنبلة قال أموّت نفسي أحسن عشان مش أتعذب، وراح ضارب نفسه وضارب صهيب عبد الكريم (19 سنة)؟”.

 

الفيديو هنا:

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=uQva1uK0E9w” width=”800″ height=”450″ ]

 

وبحسب والد (صهيب عبد الكريم 19 سنة الفرقة الأولى حقوق- الزقازيق) فإن قوات داخلية الأمن كانت قد اعتقلت الشباب الثلاثة عقب مسيرة مناهضة لحكم العسكر، انطلقت عقب صلاة العشاء، وعلمت الأسرة بخبر اعتقال ابنها، وبعد ذلك فوجئوا بخبر وفاته، وأكد والد صهيب أنه تلقى تهديدات من قبل “الداخلية” بتصفية ابنه قبل تلك الواقعة بفترة، وهذا هو الفيديو:

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=me-70gzwlVc” width=”800″ height=”450″ ]

 

في مساء الذكرى الرابعة لأحداث 25 يناير، أعلنت وزارة الصحة أن الحصيلة النهائية لقتلى ذكرى “25 يناير” 24 قتيلًا بينهم ثلاث حالات وفاة أثناء محاولة “إرهابيين زرع عبوة ناسفة في البحيرة، وإرهابي حاول زرع قنبلة انفجرت به أثناء محاولة زرعها بجوار مرور دمياط الجديدة”، ويأتي ذلك عشية إعلان وزير الداخلية عن نفس التفاصيل في المؤتمر الصحفي الذي عقده عقب الذكرى بيوم في 26 يناير 2015.

 

ولكن يبدو أن هناك تفاصيل أخرى وراء تلك الواقعة لم يتم إعلانها من قبل وزارتي الصحة والداخلية، ليفصح عنها أصدقاء ومقربون للقتلى الثلاثة: حمدي الهندي من دمياط الجديدة، ومن البحيرة عمر شعلان 28 سنة، وصديقه رائد سعد 26 سنة.


“حمدي من أجدع وأرجل شخصيات ممكن تعرفها في حياتك”، هكذا دون صديقه عبد الرحمن عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” ليستكمل رواية القصة في 26 يناير: “الداخلية خطفته إمبارح الصبح، شاب وهو ماشي في الشارع اسمه حمدي الهندي، ولما أهله راحوا يسألوا عليه في أقسام الشرطة، قالوا لأهله مانعرفش عنه حاجة مع إن أهله وصلهم معلومة إن هو في قسم دمياط الجديدة، وإنه بيتعرض لتعذيب شديد جدًّا، فأهل حمدي قدموا بيان باختفاء حمدي وتستر الداخلية عن مكان احتجازه”، موضحًا: “مش هي دي الحكاية، الحكاية إن أهل حمدي اتفاجؤوا بالأمس بصورة ابنهم قتيل وصوره منشورة على موقع وزارة الداخلية عن مقتل إرهابي إثر محاولة زرع قنبلة بمرور دمياط الجديدة”.

1 2

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد