منذ كان ماكرون مرشحًا للرئاسة، وهو يضع عينيه على المتوسط وأفريقيا؛ إذ قال في مقابلة مع صحيفة «لوموند»، يوم 23 أبريل (نيسان) 2017: «عندما أنظر إلى أفريقيا، أرى قارة المستقبل، ولهذا السبب أريد أن أعقد شراكة طموحة بين فرنسا وأوروبا ومنطقة البحر المتوسط وأفريقيا، لتعزيز مصالحنا المشتركة في مجالات: المناخ، والتجارة، والعمالة، والإبداع، وأيضًا الأمن والاستقرار».

وبعد أيام قلائل من وصوله إلى قصر الإليزيه، اختار القارة الأفريقية، وتحديدًا دولة مالي، لتكون الوجهة لأولى جولاته خارج القارة الأوروبية، مصطحبًا معه وزير خارجيته، جان إيف لودريان، المعروف بعلاقاته القوية مع عدد من القادة الأفارقة؛ وكانت تلك رسالة واضحة على أن طموحات الرئيس الشاب ليست مجرد فرقعة انتخابية، ومن هنا يمكن أن نبدأ رسم الحكاية بين تركيا، وفرنسا في السنوات الأخيرة.

صدام الأفيال داخل متجر الخزف الأفريقيّ

حين حطّ ماكرون ورجاله برحالهم في أفريقيا، كانوا يجُرُّون وراءهم تاريخًا طويلًا وثقيلًا لبلادهم في القارة، ووجدوا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هناك منهمكًا في تعزيز دور تركيا الاقتصادي والعسكري، وتأليب الأفارقة على الماضي الاستعماري الفرنسيّ؛ فكان ذلك مؤشرًا مبكرًا على الصدام المرتقب بين ماكرون وأردوغان، الذي ستتسع رقعته خلال السنوات المقبلة لتشمل العديد من الساحات.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
«تشبه الصين قبل 20 عامًا».. لهذا ستشهد أفريقيا مستقبلًا واعدًا

أردوغان ظل لسنوات يمُدُّ حبال الود بدأب مع دول أفريقيا، وكانت زيارته إلى الصومال في عام 2011 – حين كان رئيسًا للوزراء – ذات رونقٍ خاص باعتباره أول زعيم غير أفريقي يزور مقديشو منذ عقدين، وإن كادت طائرة الوفد المرافق لأردوغان تتحطم لدى هبوطها في مطار مقديشو بسبب اصطدام جناحها بأرضية المدرج. 

ولم تتوقف الجهود التركية طيلة العقد التالي – مثلما لم تتحطم طائرة الوفد رفيع المستوى – وبعد هذه الزيارة بعشر سنوات، وتحديدًا في يناير (كانون الثاني) الماضي، أصبحت جامبيا الدولة الأفريقية الـ28 التي يزورها الرئيس التركي.

يهدف أردوغان من خلال هذا الجهد إلى تحقيق أهداف عديدة، على رأسها البحث عن «أسواق بديلة لأخرى انهارت في الشرق الأوسط، مثل سوريا والعراق»، كما يلفت كريستيان براكيل، من مؤسسة «هاينريش بول» في إسطنبول، ناهيك عن ثروات النفط والغاز التي تتداعى عليها القوة الخارجية لتحوز نصيبًا منها، وهذا قطعًا لم يكن ليناسب ماكرون، «المصرفيّ المتمرس في عالم الاستثمار وعقد الصفقات». 

صحيحٌ أن في الدبلوماسية بديلًا رَحْبًا عن الصراع، لكن ماذا لو قرر أحد الأطراف، أو تواطأوا جميعًا على اختلاف دوافعهم، أن يتصرفوا كـ«فيلٍ ضخم داخل متجر خزَف»؟ على نحو ما حذرت الكاتبة الصحافية بارشين ينانش في صحيفة «حرييت» التركية عام 2018. أما إذا قرر الأفيال تقاذف كرات اللهب حول جرار الخزف المليئة بالبارود، فلا غرابة حينها أن يحدث ما نراه الآن على الأرض في بقاع المنطقة الملتهبة. 

ولنقيِّم أيهما سجَّل نقاطًا أكثر ضد غريمه بين أردوغان وماكرون «تركيا وفرنسا»، اللذين يتنافسان منذ سنوات في العديد من الملفات، سنبدأ من آخر محطات الصراع، ثم نستعرض مختلف ساحات المنافسة، والمناكفة السياسية منها، والعسكرية، وحتى الأيديولوجية والتاريخية.

المنافسة في ليبيا.. المعركة الأشرس بين تركيا وفرنسا

على كثرة ساحات المنافسة في أفريقيا بين تركيا وفرنسا، برزت ليبيا باعتبارها أشرس معركةٍ يخوضها ماكرون وأردوغان حتى الآن في القارة؛ إذ شنّ الرئيس الفرنسي هجومًا لاذعًا على تركيا مطلع العام الجاري قائلًا: «شاهدنا في الأيام الأخيرة وصول سفن حربية تركية برفقة مرتزقة سوريين إلى الأراضي الليبية. هذا انتهاك واضح وخطير لما اتُّفِقَ عليه في برلين. إنه إخلاف للوعد… يمس ذلك بأمن جميع الأوروبيين وشعوب دول الساحل».

وكعادة مباريات المبارزة بين تركيا وفرنسا، رد المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، حامي أقصوي، متهمًا فرنسا بأنها «هي الفاعل الرئيس المسؤول عن المشكلات في ليبيا منذ بدء الأزمة في 2011، وإذا كانت فرنسا تريد الإسهام في تنفيذ قرارات مؤتمر برلين؛ يتعين عليها وقف دعمها لحفتر… لم يعد سرًا أن فرنسا تقدم الدعم لحفتر لكي تكون صاحبة الكلمة في موارد ليبيا الطبيعية». 

وحين جدَّدت فرنسا انتقاداتها مؤخرًا لتركيا، أعاد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين الكُرَة إلى شباكها قائلًا: «ندعم الحكومة الشرعية في ليبيا بينما تدعم الحكومة الفرنسية زعيم حرب غير شرعي، وهي بالتالي تهدد أمن حلف شمال الأطلسي، والأمن في البحر المتوسط، والأمن في شمال أفريقيا، والاستقرار في ليبيا»، وتابع «بالرغم من كل ذلك، يواصل (المسؤولون الفرنسيون) انتقادنا. لكننا نعمل مع الفاعلين الشرعيين وفرنسا هي من تعمل مع الفاعلين المُضِرِّين والمكونات غير الشرعية بينما توجه لنا أصبع الاتهام. هذا غير منطقي».

وتركيا إنما تحاول بهذا النهج أن تقلب اتهام فرنسا لها بتهديد سلامة أمن قوات تابعة لبلد عضو في الحلف الأطلسي، عندما اتهمت باريس سفن حرب تركية بمناورة عدائية ضد سفينة حربية فرنسية، حسبما ذكرت إذاعة مونت كارلو الدولية. وفي هذا السياق، انتقد المتحدث التركي سياسة الكيل بمكيالين المتمثلة في «مراقبة الأسلحة التي تصل إلى حكومة الوفاق، بينما تغُضّ الطرف عن المساعدات والأسلحة التي تصل إلى قوات حفتر عبر البر والجو».

خلاصة هذه الجولة: حين ترسو المنافسة على من يكسب في شاطئ الشرعية؛ يبدو أن أردوغان أرسخ قدمًا في مواجهة غريمه ماكرون، الذي يدعم حفتر سرًا وإن كانت فرنسا تتمسك علنًا بالحياد، وإذا كان الرئيس الفرنسي يتهم نظيره التركي بأنه ديكتاتور ويبني الكثير من مسوغاته في مهاجمة النظام التركي وفي شرعيته الأخلاقية على أنه ليس ديمقراطيًا بما يكفي، فقد شق على ماكرون في الفترة الأخيرة تبرير دعمه للجنرال حفتر في ليبيا ودعمه بالسلاح. 

التنسيق مع إيطاليا في ليبيا.. استغلال المنافسات الجيوسياسية مع باريس

في الواقع كانت ليبيا «ساحة خصبة للمنافسة» بين فرنسا وإيطاليا، حتى قبل صعود ماكرون إلى السلطة، فالرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي هو الذي قاد التدخل العسكري في ليبيا، الذي اعتبره رئيس الحكومة الإيطالية الأسبق سيلفيو برلسكوني تهديدًا لمصالح إيطاليا الاقتصادية والسياسية في هذا البلد. 

ولأن إيطاليا تدعم الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة ومقرها في طرابلس، ضد خليفة حفتر الذي تدعمه فرنسا، وجدتها أنقرة فرصة سانحة للتنسيق مع روما، التي «تهتم أكثر بمكانتهما الدولية والمحلية»، كما يقول الخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط، يوخن هيبلر. 

وتعتبر إيطاليا ليبيا منطقة نفوذ جيوسياسي وإستراتيجي، لا يمكن أن تسمح لفرنسا أبدًا بدخوله، حتى وصفت صحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية التحرك الفرنسي في الأراضي الليبية بأنه «تهديد مباشر لأمن إيطاليا القومي، يجب إيقافه، والحد من تداعياته المستقبلية فورًا». 

ولا يمكن أن تفوِّت تركيا فرصة كهذه، حتى أن وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو أعرب قبل أيامٍ عن امتنان بلاده لإيطاليا «لعدم دعمها للجنرال الانقلابي خليفة حفتر في ليبيا، على العكس مما فعلت العديد من الدول الأخرى». مؤكدًا قناعته «بأن إيطاليا ستدعمنا في ليبيا دائمًا»، ومتعهدًا في المقابل بأن «تواصل أنقرة التعاون مع روما من أجل إحلال سلام دائم في ليبيا».

وهذا التنسيق ليس مُستَغرَبًا، فقذائف حفتر حين تستهدف طرابلس، لا تفرِّق بين سفارة إيطاليا وتركيا؛ إذ سقط صاروخ جراد على مبنى المحكمة العليا المجاور للسفارة التركية مطلع الشهر الجاري، وسقط صاروخ آخر سقط قرب وزارة الخارجية، فيما تعرضت المنطقة المحيطة بمقر إقامة السفير الإيطالي للقصف؛ مما أدى لسقوط قتيلين على الأقل؛ ما أثار إدانة الاتحاد الأوروبي. 

خلاصة هذه الجولة بين تركيا وفرنسا: يبدو أن أردوغان استغل جيدًا الخلافات التاريخية بين خصمه وجاره القوي؛ واستطاع بناء شراكة قائمة على المصالح مع عضوٍ في الناتو «إيطاليا»، واستطاع التنسيق معها وكسبها في المنافسة الأهم مع خصمه «ماكرون» داخل الأراضي الليبية. 

مناوشات تحت مظلة الناتو.. هكذا يحاول أردوغان إعادة السهم إلى راميه

الحديث عن الناتو، يعيد للأذهان رد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أواخر عام 2019 على وصف نظيره الفرنسي ماكرون لحلف الناتو بأنه «ميت دماغيًا»: «أتوجه من تركيا إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وسأكررها له في الحلف الأطلسي: عليك قبل أي شيء أن تفحص موتك الدماغي أنت نفسك». 

لم تأبه أنقرة كثيرًا بغضب الرئاسة الفرنسية وقتها، حتى حين وجهت وزارة خارجيتها باستدعاء سفير تركيا في باريس لتفسير «إهانات» أردوغان، بينما لم يتعامل قصر الأليزيه بالحدَّة ذاتها مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حين وصف تصريحات ماكرون بأنها «مقرفة» و«إهانة كبيرة».

بعدها بأشهر، وقعت حادثت أحدثت شرخًا في جدار الناتو، على حد وصف موقع «إي يو أوبزرفر»، إذ قالت وزارة الدفاع الفرنسية: «بينما كانت الفرقاطة الفرنسية تسعى لتحديد هوية سفينة شحن يشتبه في أنها تنقل أسلحة إلى ليبيا، تدخلت الفرقاطات التركية وأضاءت ثلاث مرات برادار التحكم في إطلاق النار»، واصفة السلوك التركي بأنه مناورة «عدوانية للغاية» و«خطيرة جدًا». 

كان واضحًا أن فرنسا تريد تصعيد الموقف إلى أبعد حد ممكن، فقال مسؤول بوزارة الدفاع الفرنسية: «لقد مررنا بلحظات معقدة في الحلف، لكن لا يمكن أن نكون نعامة، ونتظاهر بأنه لا مشكلة بخصوص تركيا في الحلف، يتعين علينا التعرف على المشكلة والإفصاح عنها والتعامل معها».

بل قالت وزيرة الجيوش الفرنسية فلورنس بارلي: «لا يمكن التهاون مع هذا السلوك. ينبغي التعامل مع هذه الواقعة الخطيرة على نحو خاص، وحلفاؤنا يشاركوننا المخاوف»، مشيرة إلى أنها حظيت بدعم ثماني دول لفتح التحقيق.

وبالفعل أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرج، فتح تحقيق بشأن الحادثة «لاستيضاح ما حدث بشكل كامل»، لولا أن تركيا حوَّلت دفّة الاتهام إلى اتجاهٍ آخر؛ فقال وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار: «عند التدقيق بالمعلومات والوثائق والتسجيلات في سفننا وقواعدنا العسكرية، تبين لنا تمامًا أنّ هذه الادعاءات لا تمت للحقيقة بصلة».

وأشار أكار إلى أنّهم أطلعوا الدول الحلفاء والمسؤولين العسكريين والمدنيين في مقر الحلف على كافة الوثائق التي تؤكد صحة ما تقوله تركيا، بل ذكر أنّ أفراد القوات البحرية التركية أظهروا منذ البداية موقفًا بناءً ومتعاونًا، وزودوا السفينة الفرنسية – بناء على طلبهم – بالوقود. 

إغلاق محبس الأسلحة على تركيا

قبل دخول تركيا بثقلها إلى ليبيا، كانت الأزمة في سوريا هي الملف الأكثر تعقيدًا في العلاقات بين تركيا وفرنسا، إذ دانت فرنسا التوغل التركي في مناطق شرق الفرات، وأكد «ماكرون» ضرورة وقف عملية «نبع السلام» ضد وحدات حماية الشعب الكردية، ووصفها بـ«الجنون»، كما اعتبر عملية «غصن الزيتون» التي شنتها تركيا في منطقة عفرين السورية حيث الغالبية الكردية «غزوًا».

بل ذهب الرئيس الفرنسي إلى حد اتهام تركيا بالتعاون مع وكلاء تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، حين قال في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العام الماضي: «عندما أنظر إلى تركيا أرى أنها الآن تقاتل ضد من قاتلوا معنا. وأحيانًا تعمل مع مقاتلين على صلة بـ(داعش)».

والملف الأكثر حساسية وإثارة للجدل في هذا الصدد بين تركيا وفرنسا هو: الأكراد؛ فبينما تعتبر تركيا «وحدات حماية الشعب الكردية» «جماعة إرهابية» بحسبها، تثمِّن فرنسا دورها في محاربة «تنظيم الدولة»، حتى أن ماكرون اجتمع في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مع المتحدثة باسم قوات سوريا الديمقراطية، جيهان أحمد، لتأكيد تضامن باريس مع القوات التي يقودها الأكراد في قتال تنظيم «داعش».

وماكرون يأخذ هذه الجولة من المبارزة مع تركيا على محمل الجد، إذ أعلن في مايو (أيار) الماضي أن باريس تعمل من «أجل وقف أوروبي جماعيّ لمبيعات الأسلحة لتركيا»، وأعرب عن تطلع بلاده إلى «موقف أوروبي موحد وحازم ضد الهجوم التركي في سوريا». 

صحيحٌ أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي لم يتوصلوا إلى موقف موحَّد، لكن الحكومة الإسبانية انضمت مؤخرًا إلى ألمانيا، وفرنسا، وهولندا، وفنلندا، والنرويج، وجمهورية، التشيك في الحظر الذي يفرضونه على بيع الأسلحة إلى تركيا، ما يقوِّي موقف ماكرون. 

أمام ضربة ماكرون، ذهبت تركيا لتحويط رهاناتها بتحالفات بديلة، فتوجهت على سبيل المثال إلى روسيا لشراء منظومة الدفاع الجوي المتطورة S-400، وأكدت مؤخرًا التزامها بتفعيل المنظومة؛ وهي الخطوة التي وصفتها قناة «سي إن بي سي» بأنها «تشكل خطرًا على أقوى تحالف عسكري في العالم»، وأدت إلى استبعادها من برنامج الطائرة المقاتلة «إف-35». 

الانضمام للاتحاد الأوروبي.. القبلة تتجه للجنوب

لم يكن ماكرون الذي يسعى حثيثًا إلى «قصقصة ريش» أردوغان في ليبيا وسوريا، وما وراءهما، ليترك تركيا تنعم بعضوية الكتلة الأوروبية؛ فبعد عامٍ واحد من اعتلاء سُدَّة الرئاسة في فرنسا، قال ماكرون: «حان الوقت كي نضع حدًا للنفاق المتمثل في التظاهر بأن ثمة إمكانية لتحقيق تقدم في مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي». 

سياسة

منذ سنتين
الخلاف يتفاقم مع تركيا.. إلى أين ستصل علاقة فرنسا بالأكراد السوريين؟

في الواقع، كانت تركيا هي الأخرى قد «سئمت من المناشدة المتواصلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي»، حتى أن أردوغان اتهم التكتُّل بـ«الخداع وتضييع وقت أنقرة»، ولفت إلى أن غالبية الأتراك «لم يعودوا يرغبون في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي»، وفي الواقع فمنذ محاولة الانقلاب الفاشلة عليه، اتضح أن أردوغان قد تخلى تمامًا عن حلم الانضمام للاتحاد الأوروبي، وبدأ السير في طريق مغاير.

حين بدأ الاتحاد مفاوضات العضوية رسميًا مع ألبانيا وشمال مقدونيا، في مارس (أذار) الماضي، باتت النوايا الأوروبية – وفي القلب منها خطط قصر الأليزيه – جليةً أكثر من أي وقتٍ مضى؛ ما دفع وزارة الخارجية التركية إلى إصدار بيان اتهمت فيه التكتُّل بـ«تسييس مسألة العضوية من أجل مصالح قومية قصيرة النظر».

وتركيا مرشحة للانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي منذ عام 1953، لكن مفاوضات عضويتها لم تبدأ سوى في عام 1994 على أساس 35 فصلًا تفاوضيًا، لم يُفتَح منها في الواقع سوى 12 فصلًا حتى عام 2012. ولطالما كان هذا الملف خاضعًا للمناكفات السياسية، حتى قبل ظهور ماكرون؛ ففي عام 2006 جمَّدت المفوضية الأوروبية جزئيًا المفاوضات مع تركيا، وأوقفت فتح ثمانية فصول للمفاوضات بسبب اعتراض قبرص. 

وبعدها بـ10 سنوات في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، إذ بالبرلمان الأوروبي يُعَلِّق مفاوضات انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد؛ احتجاجًا على الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التركية بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة. ثم جاء ماكرون بعدها بعامين ليتلو نص نعي الحلم التركيّ علانيةً. 

في مواجهة ضربات الاتحاد الأوروبي وفي القلب منه فرنسا، ذهب أردوغان للبحث عن بدائل وتحديدًا في الجنوب الإسلامي، فانضم – على سبيل المثال لا الحصر – إلى رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد في 26 يوليو (تموز) 2019 لإطلاق مبادرة وصفوها بأنها «للنهوض بالحضارة الإسلامية العظيمة، التي كانت موجودة يومًا ما، وذلك بالعمل المشترك بين ماليزيا وتركيا، وبالتعاون مع باكستان». 

وقبلها بشهرين فقط استعرضت الدول الثلاث جدول أعمال إصلاح منظمة التعاون الإسلامي، وناقشوا سبل جعل المظلة الإسلامية أكثر فعالية، مستفيدين من خبرتهم في تأسيس مجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية (D-8) التي ظهرت في 15 يونيو (حزيران) 1997، باقتراح من رئيس الوزراء التركي حينئذ، نجم الدين أربكان.

«ورقة الهجرة».. «كم عدد اللاجئين الذين استقبلتَهم في بلادك؟»

إلى جانب المناكفات الدبلوماسية والمناوشات العسكرية والحروب الأيديولوجية بين تركيا وفرنسا، يوجه ماكرون الاتهامات الأخلاقية لأردوغان، وأبرز السهام في تلك الجعبة هو: ملف المهاجرين الذي تتهم فرنسا أنقرة «باستخدامه كوسيلة للضغط على أوروبا»، على حد تعبير وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، الذي قال في مارس الماضي إن تركيا «تبتز» أوروبا باستخدام «ورقة اللاجئين والمهاجرين الموجودين بالفعل على أراضيها». هذا الاتهام عززه ماكرون قبلها بـ«التضامن الكامل» مع اليونان وبلغاريا في مواجهة تدفق المهاجرين من تركيا، مؤكدًا استعداد بلاده «لتقديم مساعدة سريعة وحماية الحدود» في إطار «جهود أوروبية».

أمام هذا الاتهام، فضلت تركيا الهجوم باعتباره خير وسيلة للدفاع، فقال وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو: «إذا كان هناك من ينبغي انتقاده فهو الاتحاد الأوروبي ودول مثل فرنسا التي تحاول التظاهر بأنها زعيمة الاتحاد». وتوجه أوغلو إلى ماكرون بالسؤال: «كم عدد اللاجئين الذين استقبلتهم في بلادك؟ بدلا من ذلك أنت تستضيف باستمرار أعضاء تنظيم (ي ب ك/بي كا كا) في قصر الإليزيه»، داعيًا الاتحاد الأوروبي وفرنسا إلى الصدق والالتزام بتعهداتهما قبل توجيه أي كلمة إلى تركيا.

«حقوق الإنسان».. الملف المفضل لدى ماكرون 

في قلب هذه الحروب الأيديولوجية والمناكفات الأخلاقية بين تركيا وفرنسا، تعتقد فرنسا أن ملف حقوق الإنسان يمثل «خاصرة رخوة» سهلة الطعن في المبارزة الدائرة مع تركيا على أكثر من صعيد. ففيما يتعلق بالسجال بين تركيا وفرنسا، ينتقد ماكرون دائمًا النظام التركي، وسجله في ملف حقوق الإنسان، وملاحقة الصحافيين والأكاديميين والمفكرين، فضلًا عن سن القوانين التي تحد من حرية التعبير وتكرس السلطة في يد شخص واحد، ويعتبر أردوغان أن تركيا لا زالت تنتهك حقوق الإنسان الأساسية.

ماكرون

في المقابل ترد أنقرة بأن «آخر دولة يحق لها انتقاد تركيا في هذين القضيتين هي فرنسا ورئيسها ماكرون». لم ينهمك صانع الخطاب التركي في الرد على الاتهامات الفرنسية، بل ذكَّر بفضيحة بينالا، التي هزت قصر الإليزيه؛ بدءًا بفيديو يظهر ألكسندر بينالا، المستشار الأمني السابق للرئيس ماكرون، وهو يضرب متظاهرين في الشارع، مرورًا بالتسجيلات التي سربها موقع «ميديابارت»، وكذلك العقود المشبوهة التي وقعها مع مستثمر روسي مثير للجدل.

واستهجنت تركيا أيضًا الضغوط التي مارستها الاستخبارات الفرنسية على الصحفيين بخصوص صفقات السلاح الفرنسية إلى بعض الدول الخليجية، وخاطبت ماكرون مباشرة قائلًا: ما دمتَ متعاطفًا مع حرية التعبير والصحافة إلى هذا الحد، فلماذا لم يسمح للصحافيين بالدخول إلى الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا أثناء كلمته؟»، كما نددت تركيا بموقف الشرطة الفرنسية من السترات السفراء. صحيح أن فرنسا تحتل بالطبع في المؤشرات الدولية مرتبة أعلى من تركيا في احترام الحريات الفردية والديمقراطية، لكن يبدو أن تركيا أيضًا تمتلك ما تستطيع الرد به على ماكرون في هذا الشأن في إطار الحرب اللسانية. 

حرب التاريخ.. تقاذف تهمة «الإبادة» من الأرمن إلى الجزائريين

في هذا الفصل من المبارزة بين تركيا وفرنسا، نعود إلى مناكفات ماكرون المبكرة لتركيا، منذ أيام حملته الانتخابية، التي تعهَّد خلالها بتخليد ذكرى «المذابح التي قام بها الأتراك خلال الحقبة العثمانية ضد الأرمن»، ونفّذ وعده بالفعل يوم 24 أبريل 2019. الرئاسة التركية – على المنوال نفسه في المناكفات السابقة – ردت على لسان المتحدث إبراهيم كالين بالقول: إن ماكرون يواجه مشاكل داخلية في بلاده ويلجأ إلى «تحويل وقائع تاريخية إلى قضية سياسية لإنقاذ وضعه».

أما الرئيس التركي فوصف نظيره الفرنسي بأنه «مبتدئ» في السياسة، وذكّر فرنسا بـ«الإبادة» التي ارتكبتها في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، وبمشاركتها في الإبادة التي وقعت في رواندا.

«شرطي أوروبا الجديد».. هل يقبل بصعود الأتراك؟

ما زلنا مع السجالات الكلامية بين تركيا وفرنسا، ففي حوار مع مجلة ذي إيكونوميست البريطانية عام 2019، أعرب ماكرون عن استيائه من حملات تركيا الجيو-سياسية في سوريا والشرق الأوسط والبلقان والقوقاز، وقال بالنص: «إن عودة ظهور القوى الاستبدادية، لا سيما تركيا وروسيا، وهما اللاعبان الرئيسان في سياسة الجوار، إلى جانب تداعيات الربيع العربي، تخلق نوعًا من الاضطراب». 

دولي

منذ أسبوعين
سياسية واقتصادية وعسكرية.. ما هي مصالح فرنسا في ليبيا؟

لكن ليست هذه هي القضية الرئيسة في رأي الكاتب التركي بيرجان توتار، بل «الصعوبة التي تواجهها فرنسا في العثور على موطئ قدم لها في النظام العالمي الجديد، ولهذا تنتقد هي والاتحاد الأوروبي علاقات الولايات المتحدة مع تركيا وروسيا والصين وتعتبرها خلطة سامة».

وأضاف توتار: «طريق النجاة لا يمر عبر التهجم على تركيا. لم يعد العالم كما كان من قبل والزمن يدور دورته. ويتوجب على فرنسا تقبّل حقيقة أن تركيا واحدة من أهم الأقطاب في العالم الحديث، ولا خيار آخر أمامها. وإلا فإن الصدمة التي يعاني منها ماكرون ستتفاقم». لكن بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تعد «فرنسا هي القوة العسكرية الرائدة في الكتلة، ومن المتوقّع أن تتصاعد في هذا الصدد»، حسبما يرجح سايمون شوفيلد، الزميل لدى مركز أبحاث الأمن الإنساني في لندن. وبينما يتراجع التزام الولايات المتحدة بأوروبا، والشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، والاتحاد الأوروبي، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه «ملزمًا بتوفير قيادة أكبر؛ ومن ثمّ فإن فرنسا كقوة عسكرية رائدة، سيُطلب منها أن تصبح شرطيًا في أوروبا»، على حد وصف شوفيلد.

المباراة مستمرة

المبارزة بين أردوغان وماكرون «تركيا وفرنسا» لم تضع أوزارها بعد، حتى لو انطلقت صافرة الحكم معلنة انتهاء إحدى الجولات، وبالتالي فإن أي نقاط يحرزها أحدهما ضد خصمه ينبغي ألا يُنظَر إليها بمعزل عن السياق الأشمل، مع الوضع في الاعتبار أن النقطة التي يحرزها أحدهما في ميدان الحرب الكلامية، لا تكافئ على الإطلاق النفوذ الذي يكتسبه في أرض المعركة، أو التحالف الذي يعقده مع دولة قوية، وأن المناوشات الإجرائية في إطار المنظمات الدولية، مع ما يصحبها من صداعٍ مؤلم، يمكن تجاوزها بتحويط الرهانات وتنويع البدائل. بمعنى آخر: ليس بالضرورة أن يكون الفوز هنا بين تركيا وفرنسا بعدد النقاط، بل رُبَّ ضربةٍ أقوى من 10، وأحيانا تكون الهزيمة في جولةٍ، نقطة انطلاقٍ قوية للفوز النهائي في المباراة. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد