عندما نقارن أنفسنا نحن البشر بكائناتٍ أخرى أكثر قوة، أو خُلقت بقدراتٍ جسدية تختلف عنَّا قد تبدو المقارنة غير عادلة، نظرًا لكون الإنسان أكثر الكائنات ذكاءً، فبالتالي صار اعتماده على القوة الجسدية أقل بكثير من غيره من الكائنات التي تعتمد جميعها تقريبًا على معيار القوة والقدرات الجسدية إما للنجاة في بيئتها الطبيعية، أو للبقاء على قمة سلسلة الغذاء في الطبيعة، أما الإنسان الذي ارتقى سلم الحياة على ظهر هذا الكوكب فقد صار مبتكرًا ومخترعًا، واستبدل قدراته الجسدية بمعدات وآلات، وحتى أسلحة تُغنيه عن بذل المزيد من الجهد لتطوير قدراته الجسدية.

ورغم أنَّ هذا العالم من حولنا مليء بالبشر ذوي القدرات الخاصة، والتي تبدو للغالبية العظمى منا بمثابة قدرات خارقة، أو حتى بالنظر إلى نسبية اختلاف القدرات البدنية فيما بيننا؛ فمثلًا الشخص العادي الذي لا يمارس الرياضة بانتظام قد يرى لاعب رياضة كمال الأجسام شخصًا خارقًا، أو حتى قد يرى لاعب رياضة ما بعينها – كرة القدم مثلًا- بمثابة شخص ذي قدرات بدنية خاصة، ولكن بخلاف ذلك لا يزال هناك الكثير مما يستطيع الإنسان الوصول إليه من قدرات جسدية، ربما لم يكن أغلبنا على علم بها؛ أو ربما يرى البعض منّا أنها قدرات خارقة، خيالية لا يمكن لإنسان «عادي» الوصول إليها.

«الجارديان»: سمعت بنجاح أول عملية زراعة رأس بشرية؟ لم ولن تنجح على الأغلب

إلى أي عمق يستطيع الإنسان أن يغطس؟

الغطس إلى أعماق البحار واحد من الأنشطة التي دوّنها الإنسان في تاريخه عبر العصور، وتعود إلى حوالي 4500 عام قبل الميلاد بداية من الإغريق وبلاد ما بين النهرين، والصين، وتعددت الأغراض من الغطس ما بين جمع والتقاط الإسفنج إلى اصطياد المَحَار الذي يحتوي على اللؤلؤ، وحتى التدريبات أثناء الحروب، وبالطبع وجب الإشارة إلى أنَّ كل تلك المحاولات عبر التاريخ تمَّت دون الاستعانة بأيّ وسائل للتنفس والوقاية تحت الماء، وفي الحقبة الحديثة كان أوَّل سِجل لأطول غطسة حرة – دون أي معدات – عام 1949 بواسطة الإيطالي مجري الأصل رايموندو بوشر واستطاع الغطس إلى عمق 30 مترًا تحت سطح الماء بالقرب من سواحل نابولي.

وكان أغلب الأطباء والخبراء في الغطس وقتها يجزمون بأن تلك الغطسة سوف تقتل بوشر وسوف يسحق ضغط الماء جسده، ولكنه نجا بالفعل وعاد إلى السطح دون أي ضرر، وقد أقرت العديد من الأبحاث الحديثة التي تناولت غطس الإنسان أو غمره بالماء بحدوث تغيرات جسدية تكيفية للإنسان إثر ذلك، من بين تلك الأبحاث كان هذا الذي نشره «المركز الوطني الأمريكي لمعلومات الكيمياء الحيوية» (NCBI) والذي يثبت أنه حالما يغمر الإنسان بالماء تنخفض معدل ضربات القلب، ويقل تلقائيًا معدل استهلاك الأكسجين.

الرقم القياسي في الغوص الحر

أي أن البحث أثبت أن جسد الإنسان لديه قدرة آلية تلقائية للتكيف مع التواجد تحت الماء، الجدير بالذكر أن الأرقام القياسية للغطس الحر حاليًا وصلت إلى قدرة أحد الغطاسين إلى الوصول عمق 213 مترًا (700 قدم) مع حبس التنفس لمدة 22 دقيقة عام 2014، ولا يزال هناك العديد من الغطاسين المحترفين اليوم الذين يحاولون دفع هذا الرقم للوصول إلى عمق 304 أمتار أي ما يعادل 1000 قدم.

هل يستطيع الإنسان التحكُّم في الشعور بالألم؟

ربما تكون قد صادفت واحدة من المعلومات الطبية والعلمية المنتشرة عن الفئران التي اكتشف العلماء إفراز أدمغتها لعنصر يجعلها في حالة تشبه البرزخ حيث يتوقف عمل مراكز المخ الحيوية، ويلغي شعورها بالألم في حال الموت بطريقة مؤلمة، أما أمخاخ البشر فالأمر يختلف؛ بينما لا يمكن لأحد أن يجزم ماذا يحدث داخل وعي الإنسان في حالات الشعور بالألم سوى قراءات الأنشطة الدماغية؛ إلا أن العديد من الأبحاث قد تمت لتهيئة وتدريب العقل البشري على خوض تجربة الشعور بالألم بكلا نوعيه؛ الجسدي والنفسي.

 

قدرات شبه خارقة

تدريبات التأمل وممارسة اليوجا، المصدر: جتي إيمدج

في إطار أحد المنشورات العلمية لجامعة «هارفارد» الأمريكية عام 2015 الذي جاء بعنوان «6 حِيل لاستخدام عقلك لتتحكم في الشعور بالألم»، تم تناول بعض الحيل أو التقنيات الذي يستطيع من خلالها الإنسان أن يستخدم عقله وحده كي يتحكم في درجة شعوره بالألم والتخلي عن العقاقير المُسكنة؛ ومن أهم تلك الحيل كانت تدريبات التنفس بعمق عن طريق تنظيم الشهيق والزفير، والتي يمكن تنظيمها بسهولة عبر التدريب اليومي أو الاستعانة بتطبيقات التوقيت على الهواتف والتركيز دائمًا على تصور شهيق «السلام» إلى الصدر وزفير «التوتر» خارجه.

«الألم هو الحياة».. كيف تطور وعي البشر بالألم الجسدي عبر التاريخ؟

كما أورد المقال أن تدريبات التأمل هي أيضًا واحدة من أكثر التقنيات نفعًا في التحكم في الشعور بالألم؛ بجانب التفكير الإيجابي وتدريبات «اليوجا»، الجدير بالذكر أن هناك العديد من الأرقام القياسية في تحمل الألم لم يكن لأحد أن يتوقع تحمله مثل الرقم الذي كسره الجندي الأمريكي جورج هود الذي استطاع المكوث على مرفقيه ومشطي قدمه وجسده مرتفع -وضع الثبات تمرين الدفع لأعلى- لمدة خمس ساعات وربع الساعة والذي ينتج عنه عادة ألم شديد في الجسد بعد مرور أول 30 دقيقة.

 

قدرات شبه خارقة

الأمريكي جورج هود الذي كسر الرقم القياسي في تحمل الألم – المصدر: nbcsandiego

هل يمكن للإنسان النجاة في ضغط جوي منخفض؟

إذا كنت قد ارتحلت في أحد سفرياتك إلى مكان مرتفع عن سطح الأرض – مثل بلاد أمريكا الجنوبية البيرو والمكسيك- فلا بد أنك قد اختبرت شعور انخفاض الضغط الجوي، الذي عادة ما يكون عبارة عن دوار وصداع واضطرابات نوم وغثيان وقيء أحيانًا، تلك الأعراض هى سبب مباشر لانخفاض الضغط الجوي –ونقص الأكسجين- كُلما ارتفع المكان الذي يتواجد فيه الإنسان عن سطح الأرض.

ولكن المثير للاهتمام هنا أنه عادة بعد عدة أيام من مكوث الإنسان في ضغط جوى منخفض يبدأ الجسد في التأقلم مع تلك الظروف بشكل تدريجي؛ فبحسب ما ذكره موقع «ساينس ماجازين» العلمي فإن خلايا الدم الحمراء داخل أجسادنا تبدأ في تغيير نظام عملها ورد فعلها الحيوي وتتمسك بالأكسجين خلال النوم لفترة أطول من المعتاد في الظروف العادية.

 

قدرات شبه خارقة

أحد سكان المناطق المرتفعة ما بين بيرو وبوليفيا، المصدر: جتي إيمدج

وهذا ينتج عنه معالجة أكثر بطئًا مما يسمح للدورة الدموية أن «تتكيف» مع الظرف الجوي المحيط بها، وكٌلما زاد الضغط الجوي في ارتفاعات أعلى حدثت تلك العملية بشكل أكبر لتهيئة الجسم البشري، كما أن العلماء قد وجدوا في أبحاث سابقة مثل الذي نشرته «ناشيونال جيوغرافيك» عام 2004؛ ما يثبت أن سُكان المناطق المرتفعة في العالم قد تطورت أجسادهم بشكل طبيعي على مر آلاف السنين ليقل استهلاك أجسادهم للأكسجين القليل في تلك الظروف، والعيش بصورة طبيعية في ظرف قد لا يستطيع مواطنون من أماكن أخرى التواجد فيه بسهولة.

ماذا عن الصيام؟

ربما قد يفهم المسلمون تلك التجربة أكثر من غيرهم، اختبار الصيام عن الطعام والشراب يوميًا لمدة تتراوح ما بين 12 إلى 18 ساعة – بحسب الموقع الجغرافي – ولفترة 30 يومًا قد تبدو تجربة قاسية بالنسبة لمن لا يختبرونها.

 

قدرات شبه خارقة

السجين السياسي الأيرلندي «تيرانس مكسويني» الذي امتنع عن الطعام 74 يومًا – المصدر: الإندبندنت

بحسب أحد منشورات موقع «ساينس أليرت» العلمي، جاءت أطول مدة قضاها إنسان دون شرب الماء للنمساوي أندرياس ميهافس الذي قضى 18 يومًا دون ماء حيث نسيته الشرطة بالخطأ محتجزًا في أحد الزنازين عام 1979 ولم ينج إلا عن طريق لعق القضبان الحديدية للزنزانة والتي كانت تتكثف عليها برودة الهواء الجوي فقط، وكما جاء أيضًا في سجلات الأرقام القياسية للبقاء دون طعام، فقد كان هناك الزعيم الهندي مهاتما غاندي الذي أضرب عن الطعام لمدة 21 يومًا، كما كان هناك من قبل السجين الأيرلندي السياسي تيرانس مكسويني الذي أضرب عن الطعام لمدة 74 يومًا حتى توفى إثر ذلك عام 1920.

المصادر

تحميل المزيد