على صوت الانفجارات والمعارك العنيفة في اليمن، وسط غبار القصف المتبادل بين طرفي الصراع الذي كلما انقشع كشف عن سيطرة جديدة أو تراجع لأحد الأطراف، يُدفع ثمن كبير ذهب من جرائه مئات القتلى والجرحى، وما يزال مستمرًّا.

قبل قرابة الشهر في الثامن من فبراير (شباط) 2021 الماضي شنت جماعة الحوثي هجومًا عنيفًا على محافظة مأرب تمكنت خلالها من بسط سيطرتها على العديد من النقاط المهمة، وكانت التحليلات والأنباء لا تتحدث وقتها عن هل سيسيطر الحوثي على مأرب بل متى سيتمكن منها؟ ولكن ذلك لم يتم بعد، بل ربما لن يتم أصلًا، إذًا لماذا حدث ذلك؟

في هذا التقرير سنتحدث عما حدث، ولماذا لم يتمكن الحوثي من السيطرة على مأرب بعد؟ وما الأسباب التي أدت لفشله في هذه المهمة على الأقل لغاية الآن؟ والأهم كيف تمكنت قوات ما يطلق عليها «الحكومة الشرعية» من صد الهجوم.

شهادات من جنود الحوثي.. شهر من المعارك وبحر من الدماء

عندما شنت جماعة الحوثي هجومها على محافظة مأرب، كان مكثفًا وأفقد قوات الحكومة الشرعية قدرتها على صد الهجوم في بادئ الأمر؛ إذ سجل سقوط العديد من المناطق المهمة والإستراتيجية بيد الحوثيين بسرعة كبيرة، إذ يقول محمد اليمني (اسم مستعار) أحد مقاتلي جماعة الحوثي لـ«ساسة بوست» والذي رفض الكشف عن اسمه كونه غير مخول له الحديث لوسائل الإعلام: «قبل بضعة أيام من عملية الهجوم على مأرب، جرى حشد العناصر ونقل قوات كبيرة من المعسكرات إلى جبهات القتال في مأرب، وعددهم قرابة 15 ألف مقاتل بالإضافة لمئات العربات والمدرعات ومخازن الأسلحة».

هذه التجهيزات كانت تتم على قدم وساق حتى الثامن من فبراير 2021 الماضي، وتمكنت الجماعة في الأيام الأولى من بسط سيطرتها على عشرات المواقع، وحدث وتراجع سريع لقوات الحكومة الشرعية، والسبب الرئيسي في ذلك حسب ما قاله لنا اليمني: «في بداية المعركة لم تكن طائرات التحالف تقصف بقوة؛ إذ إن ضرباتها الجوية كانت قليلة وغير مكثفة، ولكن مع كل تقدم لنا كانت الغارات تصبح مكثفة ومركزة».

أعلنت السعودية في الرابع من فبراير 2021 الماضي وقف إطلاق النار بشكل أحادي استجابة لدعوة الأمين العام للأمم المتحدة، وهذا الإعلان قبل أربعة أيام فقط من الهجوم الحوثي على مأرب، وهو ربما ما يفسر التباطؤ في غارات التحالف لصد الهجوم، خاصة أن التنديد الدولي بالحوثي كان واسعًا وسط رفض ومطالبات بوقف الهجوم، ولكن الحوثي رفضها جميعًا وضرب بها عرض الحائط، وهنا على ما يبدو أن السعودية تدخلت بكامل قوتها وكثفت غارتها، والتي أدت لمقتل وجرح المئات من عناصر الحوثي.

يؤكد اليمني لـ«ساسة بوست»: «أن أكثر من 70- 80% من القتلى الذين سقطوا في معارك مآرب قتلوا من جراء الغارات الجوية وليس بسبب المواجهة المباشرة، نتحدث هنا عن قصف جوي لا يكاد يتوقف يصيب كل شيء يتحرك على الأرض».

التقدم الحوثي السريع كان له ثمن كبير، إذ تواصلنا في «ساسة بوست» مع بعض الأشخاص في مناطق سيطرة الحوثيين، والذين أكدوا وصول عشرات الجثث إلى المدن والقرى لتشييعهم والصلاة عليهم. رفض المقاتل الحوثي في حديثه لـ«ساسة بوست» إعطاء أرقام قتلى الحوثيين في معارك مأرب الأخيرة؛ إذ قال إنها تقدر بالمئات والجرحى أكثر من ذلك بكثير، لكنه قال إن التقدم الذي أحرزوه كان ثمنه باهظًا؛ بحر من الدماء، ويضيف اليمني «سنحاول الحفاظ على ما حققناه من انتصارات في الوقت الراهن، وسنعد العدة لهجوم أوسع وأقوى، ولن نتوقف هنا فقط».

أما بخصوص الخسائر في الجانب المقابل فهي أيضًا كبيرة، خاصة في صفوف أبناء قبائل مأرب الذين دافعوا عن مناطقهم بكل قوة، فقد كانوا العصب الرئيسي والأهم في عمليات الصد، فغالبية هذه القبائل تتبع المذهب الشافعي السني، وترفض بشدة وجود الحوثي الذي يتبع المذهب الشيعي في مناطقهم.

لا توجد أرقام رسمية عن عدد قتلى قوات الحكومة الشرعية وأبناء القبائل، ولكن بالتأكيد أعدادهم كبيرة، خاصة أن هناك مصادر عسكرية أكدت سقوط قتلى بشكل يومي في المعارك الدائرة في مأرب، حيث تعلن وسائل إعلام رسمية يوميًّا مقتل أو إصابة القيادات الميدانية فقط، وتتجاهل إعطاء الأرقام الصحيحة للقتلى بشكل كامل، وهذا ما تفعله جماعة الحوثي أيضًا؛ فهي لا تعلن أعداد قتلاها وتكتفي بذكر مقتل القادة الميدانيين.

مأرب ليست وحيدة.. معركة تعز التي تخشاها الإمارات

هناك معركتان رئيسيتان تدوران الآن في اليمن: الأولى في مأرب، والأخرى في تعز، ففي الأولى دارت معارك وصفت بأنها كر وفر، حيث يسيطر الحوثي على منطقة وفي اليوم الثاني تستعيدها قوات الشرعية والقبائل، مثلما حصل في منطقة الكسارة على سبيل المثال والتي تقع غربي مدينة مأرب على طريق صنعاء؛ إذ تمكن الحوثي من بسط سيطرته عليها بعد عدة محاولات فاشلة، وكذلك الأمر في العديد من المناطق.

تمكن الحوثي حسب مصادر عسكرية ميدانية من التقدم والوصول إلى الجهة الجنوبية الغربية من سد مأرب حيث نشرت وسائل إعلام تابعة للجماعة صورًا بالقرب من مياه السد، يعتقد أنها ما تزال بعيدة قرابة خمسة كيلومترات عن سور السد نفسه.

مقاتل حوثي بجانبه علم جماعته وعلم اليمن عند مياه سد مأرب (المصدر: مواقع التواصل)

ومع تواصل غارات التحالف العربي العنيفة والمركزة، أصبحت مهمة الحوثيين في السيطرة على مأرب صعبة خاصة أن خسائرهم في الأرواح كبيرة، ما قد يجبرهم على وقف المعركة أو مواصلتها، فهي مهمة انتحارية كما وصفها أحد مقاتلي الحوثي، فالسيطرة على مأرب الغنية بالنفط يعني الكثير للجماعة في كثير من النواحي مستقبلًا.

خريطة السيطرة في مأرب قبل العملية العسكرية وبعدها ( الأزرق: قوات الشرعية والأحمر قوات الحوثي) المصدر: liveuamap

وإلى الجبهة المشتعلة الأخرى، فقد أعلنت قوات الحكومة الشرعية في الثاني من مارس (آذار) 2021 بدء عملية عسكرية لطرد جماعة الحوثي من المناطق التي تسيطر عليها في محيط مدينة تعز، حيث سيطرت فيها على العديد من المواقع العسكرية.

وأحرزت قوات الحكومة الشرعية تقدمًا كبيرًا غربي محافظة تعز وسيطرت على منطقة القشعة بسوقها وجبالها، ومنطقة المطاحن، وأيضًا تلتي المنطاح، وجبل القاعدة، وتلة الشاهد، وقرية الكُبب، ومفرق المطاحن، وكذلك منطقة الكويحة، هذا بالإضافة لمقتل وجرح العشرات من عناصر الطرفين.

ويبدو أن معركة تعز قد حركت المياه الراكدة وأظهرت جانبًا ربما كان مخفيًّا قبل ذلك؛ إذ يشارك حزب الإصلاح مع قوات الحكومة الشرعية في طرد الحوثيين من المنطقة، وأشار مصدر إعلامي لـ«ساسة بوست» رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إلى أن «القوات المشتركة» التابعة للإمارات متخوفة من هذه المعركة بشكل واضح، حيث تنظر إليها بارتياب من ناحية المغزى منها.

وأضاف المصدر أن «القوات المشتركة»، والتي يقودها نجل شقيق الرئيس السابق «طارق محمد عبد الله صالح»، لم تدعم العملية الحالية للسيطرة على محيط تعز، مع أنه كان بإمكانها ذلك، وهو ما كان سيضيق الخناق أكثر على قوات الحوثي ويجبرها على التراجع سريعًا، كما أن قوات التحالف العربي بقيادة السعودية لم تدعم هذه المعركة بالغارات الجوية على الإطلاق كما هو الحال في مأرب.

وأشار المصدر أن القوات المشتركة تعتقد أنه بعد أن تتمكن الحكومة الشرعية من طرد الحوثي ستتوجه بعدها لطردها من المناطق الساحلية، وخاصة ميناء المخا في البحر الأحمر، وهو ما يعني مواجهة عسكرية محتملة بين الحلفاء، فهل تكون الانقسامات سببًا في فشل هذه المعركة؟ في الحقيقة هذا ما يعول عليه الحوثي كثيرًا.

من يملك السلاح الأفضل؟

بالتأكيد أن السلاح هو العامل الرئيسي للانتصار في أي معركة، ومن ثم يأتي بعده عدد العناصر وقوة الجبهات وغيرها من الأمور العسكرية، إذا لمن الغلبة في معارك مأرب وتعز؟ من الصعب الحديث هنا بشكل قاطع خاصة في ظل الانقسامات التي تشهدها الساحة اليمنية، فنحن نتحدث أولًا عن جبهة الحوثي الموحدة، وثانيًا جبهة الحكومة الشرعية المقسمة الى ثلاثة أقسام وهي القوات المشتركة، والمجلس الانتقالي المدعومين من الإمارات، والجيش الوطني المقسم أيضًا بين ولاءات لحزب الإصلاح أو الشرعية.

تعقيدات المشهد العسكري في اليمن يعكسها التراجع على العديد من الجبهات لصالح الحوثي الذي نجح في أغلب معاركه بسبب هذه الانقسامات التي تضرب الحكومة الشرعية وحلفائها في التحالف العربي، فمثلًا الناظر إلى خريطة السيطرة في محافظة تعز لا بد له من ملاحظة أن بعض المناطق من غير المنطقي أن يوجد فيها الحوثي، حيث إنه موجود بين فكي كماشة، ولكن بسبب الانقسامات ورفض القوات المشتركة الموجودة في الساحل الغربي المشاركة في معارك السيطرة على محيط تعز، فإن الحوثي ما يزال موجودًا بهذه المناطق، وربما ينجح في صد الهجوم الحالي.

خريطة السيطرة في محافظة تعز (الأزرق: قوات الشرعية والأحمر قوات الحوثي) المصدر: liveuamap

حسب مصادر مطلعة تحدثنا إليها في «ساسة بوست»، فقد أكدت أن التسليح الجيد هو ما ينقص مقاتلي الحكومة الشرعية، فالكثير من المقاتلين لا يملكون سوى بندقية كلاشنكوف وبعض مخازن الرصاص، كما أنهم يفتقدون للقوة الصاروخية (صواريخ أرض أرض وأرض جو) ولا يملكون سلاح جو خاص بهم، ويعتمدون بذلك على طائرات التحالف، كما تملك قوات الشرعية دبابات ومدرعات ومدافع مختلفة ذات فاعلية جيدة في المعارك.

على عكس هذا الوضع، فالتسليح الموجود لدى الحوثيين أفضل؛ فهم يملكون أسلحة أكثر قوة، كما أن لديهم قسم خاص بتصنيع الأسلحة والصواريخ، والطائرات المسيرة، ولديهم العديد من الدبابات والمدرعات والمدافع التي أخذوها من المعسكرات التي كانت تتبع للرئيس السابق «علي عبد الله صالح» ونجله أحمد، كما أن تسليح المقاتل الحوثي أفضل؛ إذ يحمل غالبية المقاتلين أسلحة رشاشة أو صواريخ مضادة للدروع وقنابل.

وبالعودة إلى معركة مأرب، فقد أكد أحد مقاتلي الحوثي لـ«ساسة بوست» أنهم استخدموا دبابات «تي 80» الروسية، ولكنها تعرضت للتدمير بفعل غارات التحالف، خاصة أن بيئة مأرب صحراوية ومفتوحة وهو ما سهل إصابتها وتدمير معظم آلياتهم.

كما أن الحوثي استخدم الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة المفخخة التي يملكها ويصنعها، وقصف بها مأرب ومواقع الحكومة الشرعية وأيضًا الأراضي السعودية، وهو ما يؤكد قوة الحوثي في كثير من المجالات العسكرية، ولكن طيران التحالف يبقى هو سيد الموقف هنا، على الأقل لغاية الآن، خاصة في المناطق التي يقصف بها.

غارة جوية للتحالف العربي استهدفت سيارات تابعة للحوثي

إذًا لمن الغلبة في المعارك؟ في الحقيقة إن جميع الأطراف تملك أسباب النصر والهزيمة، ومن الصعب تحديد المنتصر فيها، ولكن المؤكد أن عدد القتلى الذين سقطوا من الطرفين كبير جدًّا ومن الصعوبة تعويضه بسرعة، وقد يكون السبب في تحديد المنتصر فيها، فالحوثي خسر خلال يومين فقط أكثر من ألف مقاتل بين قتيل وجريح، وكذلك الحال لدى قوات الشرعية، فالمعارك على أشدها وما تزال مستمرة، وكلا الطرفان يزعم تحقيق انتصارات على الأرض ستغير المشهد، ولكن المشهد الذي تغير فعلًا هو اليمن كله من الشمال إلى الجنوب.

المصادر

تحميل المزيد